السبت، 11 يناير 2025

رؤى (6) هل تحتاجين إلى رجل؟

 

[6]

هل تحتاجين إلى رجل؟

يبدو في نظر بعض النساء أن طرحي لهذا السؤال يقتضي سلب سعادتها، وما درت أنني على العكس تماما، أراها في سعادةٍ وهميةٍ، وأريد دلالتها على السعادة الحقيقة، والله أسأل أن يأخذ بأيدينا جميعا إلى الحق وأن يوفقنا للعمل به.

عنوان هذا المقال سؤال أوجهه لكل امرأة مسلمة وأنتظر إجابته، ولا أريد أن تُنْزِله أختي على الأشخاص كزوجها وأبيها، لأن هذا التنزيل سيؤثر على الإجابة، فنحن نُنَظِّر أولا ثم ننزل إلى الواقع ثانيا حتى لا تختلط الأوراق، فإن كنتِ تشعرين بالحاجة فهنيئا لك الفطرة، ثم أسألك سؤالا آخر: إلى أي حد تحتاجين الرجل؟ وفي ماذا تحتاجينه؟، وإن كنتِ مستغنية عنه فأخلف الله عليك ذهاب فطرتكِ، وأعانك الله على عودتها إن رغبتِ.

قدر المولى سبحانه حاجة الجنسين إلى بعضهما، بل جعلها آية من آياته العظيمة الدالة على رحمته وحكمته، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فالمرأة تحتاج الرجل، كما يحتاج الرجل المرأة، وإنكار هذا الاحتياج خلل في الفطرة.

تستغني المرأة عن الرجل بطريقة نظرية ثم عملية، أو عملية ثم نظرية، فإما أنها تتشرب فكرة الاستقلال ثم تمارسها عمليا، أو تمارسها عمليا ثم تتبناها نظريا، وهي في كلا الحالتين تحاول أن تثبت لنفسها ولغيرها من خلال المواقف صحة الرأي الذي تبنته، كالمريض الذي يكابر نافيا المرض، ويحاول الاستدلال بمواقف نشاطه على صحة رأيه! ولذا كثُر خروج المرأة من بيتها وامتلاء ميادين الحياة بها، حتى إن الرجل ليدخل إلى بعض الأماكن فيتفاجأ بأنه من الرجال القلائل فيه!، فيشك في خطأ مجيئه لهذا المكان العام!، بالرغم من أن الواقع هو الخطأ لو كان النساء يعلمن.

تحتاج المرأة الرجل حاجة عظيمة من الناحية الأخروية أولا، ثم من الناحية الدنيوية، فالفهم المادي للحياة يجعل المرأة تنظر للقضية بقصور فتقول: "عندي المال، والسيارة، وأستطيع أن أنجز كل ما أردت من دون رجل!"، ثم تثبت لها المواقف كما أسلفنا أنها قادرة على فعل كل ما أرادت، من بيع وشراء، وذهاب ومجيء، وسفر وعودة، بينما التصور الصحيح مختلف عن ذلك تماما.

تبدأ حاجة المرأة للرجل من كونه طريقها إلى الجنة أو إلى النار، فهذا الرجل زوجا كان أو أبا هو الذي يأخذ بها إلى جنات النعيم أو نار الجحيم، عن الحُصين بن محصَن، أن عمةً له أتت النبي عليه الصلاة والسلام في حاجةٍ فقضى حاجتها، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أذات زوجٍ أنتِ؟) قالت: نعم، (قال كيف أنتِ له؟)، فقالت: ما آلُه إلا ما عجزت عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: (فانظري أين أنت منه؟ فإنما هو جنتك، ونارك!)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصَّنَت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ!).

هذه في الزوج، أما في الأب فعن أبي عبد الرحمن السُّلمي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه؛ أنَّ رجلًا أتاه فقال: إنَّ لي امرأةً، وإنَّ أمِّي تأمرني بطلاقها، قال أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الوالدُ أوسطُ أبواب الجَنَّة)، فإنْ شئتَ فأضِعْ ذلك الباب أو احفظْه.

فلو كانت المرأة لا تحتاج إلى الرجل في الدنيا، فهي في أمس الحاجة إليه في الآخرة، كيف والحال خلاف ذلك فهي تحتاجه في الدنيا والآخرة، واحتياجها الأول له في القيادة، قال سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، فقد جعل الله القوامة للرجل لسببين: الثاني: النفقة، أما الأول: فهو ما فضله الله به على المرأة، قال ابن سعدي: (أي: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله)، فالمرأة تحت قوامة الرجل وقيادته، وكيف يصير المقود قائدا؟!

ثاني الحاجات: الحاجة إلى التوجيه، فقد جعل الله عقل الرجل أكمل من عقل المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ وأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفارَ، فإنِّي رَأَيْتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ فَقالتِ امْرَأَةٌ منهنَّ جَزْلَةٌ: وما لنا يا رَسولَ اللهِ، أكْثَرُ أهْلِ النَّارِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وما رَأَيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، وما نُقْصانُ العَقْلِ والدِّينِ؟ قالَ: أمَّا نُقْصانُ العَقْلِ: فَشَهادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهادَةَ رَجُلٍ فَهذا نُقْصانُ العَقْلِ، وتَمْكُثُ اللَّيالِيَ ما تُصَلِّي، وتُفْطِرُ في رَمَضانَ فَهذا نُقْصانُ الدِّينِ)، وإذا كان عند الزوجة من العقل، والفهم، والعلم ما ليس عند زوجها، فهو تفوق من جهة لا من كل الجهات، وهي تستطيع أن تنفع زوجها بعقلها ورأيها دون أن تظن تفوقها عليه أو قدرتها على القوامة، ولذا تقع جملة من النساء في هذا المزلق، فإذا رأت أن عندها من الفهم والمعرفة ما ليس عند زوجها تكبرت عليه أو نازعته القوامة، فإما أن يهينها زوجها، أو يسلمها القيادة، ثم تندم بعد ذلك وتشتكي!، فلا هي التي حفظت زوجها، ولا هي التي نجحت في دورها!

أما الحاجة الثالثة فهي الحاجة إلى الحماية، فمن صور ضعف عقل المرأة: عدم إدراكها المخاطر التي حولها، فهي تظن أن العلاقة بين الجنسين قائمة على البراءة وحسن التعامل، ولا تعرف حقيقة شهوة الرجل وما ركب الله في نفسه من اشتهاء المرأة بكامل تفاصيلها، جسدها، ولباسها، وعطرها، وصوتها، وقربها، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما تركت بعدي فتنة، أضر على الرجال من النساء)، وعنه أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وأحد أكبر إشكالات المرأة اليوم أنها لا تدرك أنها فتنة للرجل، وجهلها بهذه القضية جعلها تستغرب من كثير من الأمور التي تقع ولا تعرف لها جوابا، فتستغرب من الرجال الذين يغازلون ويتحرشون، وتعلل ذلك قائلة: "لم أضره في شيء فلماذا يُخطئ علي؟!"، وتستغرب من صديقها في العمل الذي كان في غاية الأخلاق والبراءة، وانقلب إلى وحش في يوم وليلة!، أما المرأة التي يكون معها رجل فإنها في حماية فلا يقترب منها أحد، ولو كانت في بيتها فإنه لن يدري عنها أحد من الرجال، وإنما يبدأ الفساد من خروج المرأة من بيتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأةُ عورةٌ، وإنها إذا خرجت من بيتِها استشرفها الشيطانُ، و إنها لا تكون أقربَ إلى اللهِ منها في قَعْرِ بيتِها)، فهل تزهدين في الحماية؟!

الحاجة الرابعة: الإشباع، وهو نوعان: جسدي ونفسي، فجسدك بحاجة إلى طعام، وشراب، ونكاح، ونفسك بحاجة إلى أمن، وعاطفة، وسماع، وسكن، ولو وجدتِ الطعام والشراب بدون الرجل، فإنك لن تجدي النكاح ولا الحاجات النفسية، -مع التنبيه بأن جملة ممن حصلت الطعام والشراب بدون الزوج حصلته بطريق حرام، كوظيفة مختلطة-، ولذا تقع كثير من النساء في الانحرافات الأخلاقية بسبب احتياجها الجسدي أو النفسي، أو كليهما معا، وهذه أكثر حاجة دنيوية ظاهرة، ولا أظنك تخالفين في هذا.

ترتب على مشكلة استقلال المرأة الكثير من الآثار، منها: مخالفة المرأة الشريعة فيما أمرت به من القرار في البيت والابتعاد عن الرجال، حتى أصبحت تخرج من أجل كوب قهوة، وتستسهل مزاحمة الرجال من أجل شراء شيء من التفاهات، ومع الأيام أصبحت الكماليات ضروريات، وقد كانت تزعم أول الأمر أنها لم تخرج إلا لحاجة، ولم تختلط إلا لضرورة، لكنها سلسلة التنازلات، ومن الآثار أيضا: خروج جيل من الأولاد قد تطرق إليهم الفساد من جهة، ولم يعرفوا آباءهم إلا في مواقف نادرة من جهة أخرى، فأمه هي التي تقوم بتربيته، وحل مشاكله، والتواصل مع معلميه، وشراء أغراض البيت، والسفر به لترويحه، حتى أصبح يتيما معنويا، ومثل هذا ينقصه الكثير من المعلومات، والمهارات، والمفاهيم التي لا يجدها إلا عند أبيه الهارب! وتفسد كثير من تصوراته الحياتية عموما والأسرية خصوصا نتيجة لقيام أمه بمهمة الوالدين جميعا!

ألا تلاحظين معي أختي المباركة أن كثيرا ممن خرج من النساء واستغنت عن الرجل أنها تفتقد السكينة والسعادة؟ أصبحت موظفة، وتملك مالا، وسيارة، وخادمة، وتشتري كل ما أرادت، وتسافر إلى كل مكان، لكنها لم تسعد من داخلها، ولا زلت تبحث عن السكينة المفقودة فما السبب؟

الجواب في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، قال ابن سعدي: (فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة) فعندما تخالف المرأة فطرتها، وتترك آية الله في خلقه، وتستغني عن الأنس بزوجها فإنه ولا بد أن تشقى.

تسأل العاقلة بعد هذا البيان وكيف الطريق إلى الرجل وقد تخلى عن مسؤولياته؟ والجواب: أن هروب الرجل عن القيام بدوره مشكلة يبدأ حلها من عندك، وذلك بأن تقتنعي أولا بأهمية الرجل وبالحاجة إليها صدقا، وأن يكون ما ذُكر هو قناعة لا مجرد كلام عابر يقال باللسان، فإذا وقع قطعنا نصف الطريق، ثم بعد ذلك تذّكرين زوجك بمسؤوليته ومهامه، وإذا كانت معك فإنك تعيدنها إليه ولا تحمليها مرة أخرى، وتظلين تكررين عليه هذا الأمر وتضغطين عليه حتى يقوم بها.

 خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله العاشرة ليلا من ليلة الثلاثاء

السابع من رجب، لعام ستة وأربعين وأربع مائة وألف

الاثنين، 6 يناير 2025

لفتة (14) أين المتانة؟

 

[14]

أين المتانة؟

الأربعاء 1446/7/1

منذ بدأت في طلب العلم وهم الحذق فيه مسيطر علي، ودائما أبحث عن أسراره، من خلال التأمل، والسماع، والملاحظة، والسؤال، ومن آخر الأسرار التي وقفت عليها في هذا الباب: سر المتانة، والذي أبوح لك به في هذه اللفتة:

-       ألا تلاحظ معي أن كثيرا من الدروس العلمية قليلة النفع؟

-       ألا تجد أنك تخرج من كثير من الدورات العلمية بفوائد معدودة، بل تخرج من بعضها بلا شيء؟

-       ألا تلاحظ أن مستوى طالب العلم لا يقفز رغم مرور السنوات الطوال؟

-       لماذا نجلس عند مشايخنا عشرات السنين ونخرج بحصيلة لا تذكر؟ بينما يجلس من قبلنا سنوات قليلة وينبغون؟

أحد الإجابات الجليلة على الأسئلة الماضية: غياب المتانة العلمية، فنحن ندرس علما هشا فيه القليل من المعلومات والمسائل والقواعد، والكثير من التأملات، والاستطرادات، والإطالة الزائدة، وتدريس ما لا يناسب الطلاب!، ولا تغرنك صورة العلم الظاهرة من وجود الدروس وقيام المشايخ فيها بالتدريس، لأن العبرة بحقيقة العلم، فهل دروسنا تحوي حقيقة العلم ولبه؟ درس واحد عند شيخ متين يساوي خمسين درسا بل مائة عند شيخ ضعيف! وهذه هي الحقيقة المؤلمة.

تقريب هذا المعنى بصورة حسية يجعله واضحا عندك أكثر، فمن معايير جودة الدرس: ومتانته كمية ما تخرج به من المعلومات من جهة، ونوعيتها من جهة أخرى، ولا يخدعنك أحد بالحديث عن مهارات التعلم وضرورتها، وأن العلم موجود اليوم وليس من وظيفة الشيخ تقديم المعلومات بل يكتفي بإكسابك المهارات وأنت تحصل العلم بنفسك، بل هذه من الخرافات التي ضيعتنا، فإن طلب العلم قائم بالدرجة الأولى على ما عندك من المعلومات، والمعلومات هي الفارق بين المتعلم والجاهل، وسبب تفاوت العلماء ما عندهم من المعلومات كما وكيفا، بالإضافة إلى التعبد.

خذ هذا المعيار وطبقه على الدروس التي تحضرها وانظر النتيجة، حضرت درسا فقهيا قبل سنوات ومكثت فيه سنة كاملة فوجدت أنني لم أملئ خمس صفحات من فوائد ذلك الدرس، فأدركت أنني لم أتحرك في الفقه شبرا، وحضرت أخرى درسا في التفسير لمدة تسعة أشهر ووجدت أنني خرجت بثلاثة أوراق فقط! بينما حضرت دورة لشيخنا العلامة وليد السعيدان فوجدت أنني كتبت ثلاثين صفحة بين مسودة ومبيضة، وفيها من الدرر ما فيها، وجربت أن أفرغ من دروسه على اليوتيوب فتعبت لصعوبة التفريغ، فكل كلامه محرر متين، ووجدت الأمر نفسه مع دروس الشيخين عبد الله العنقري وعبد السلام الشويعر، فهل فهمت مرادي؟! كن بصيرا بحقيقة الدروس لا صورتها، فقراءة المتن، وشرحه أو التعليق عليه، واستخدام الخرائط والعروض والتمارين، كلها وسائل، والغاية في المضمون، فما هو المضمون؟!

وأحيانا يكون ضعف الدرس من جهة قلة مجالسه وتباعدها، فعندما يكون الدرس شهريا أو نصف شهري، فإنه لن يؤدي الدور المطلوب منه -ولو كان متينا-، لا سيما مع التوقفات للإجازات والأعذار المتنوعة.

إذا فهمنا هذه القضية وعملنا بها ستواجهنا صعوبة أخرى لدينا كطلاب علم، وهي الصبر على تحمل العلم المتين، فإن كثيرا من طلاب العلم قد وجد شيخا متينا، وكتابا متينا، لكنه تألم من ثقل العلم، فعاد إلى الراحة والبحث عن العلم الخفيف!

ألا تجد أن الشيخ الذي يطرح طرحا خفيفا من الناحية العلمية، ولا يلزم بالتحصيل من الناحية العملية يكثر طلابه؟! فطالب العلم الكسول -وأنا منهم-، والعامي الذي يلبس ثوب طلاب العلم، يجتمعان في دروس المشايخ الخفيفة، ولا يفرق الشيخ بينهما -وهو السبب في ذلك-، فلو أنه جعل الدروس العلمية قسمان، قسم متين ثقيل لطلاب العلم، وقسم خفيف لعامة الناس، فالدروس المتينة تمتاز بغزارة معلوماتها، وبتدرجها مع الأيام، مع إلزام الطلاب بالحفظ، والضبط، والقراءة، والإتقان، ويستغنى عن المقصر في الحضور والتكاليف، والدروس الخفيفة تقدم مادة علمية ترفع الجهل عن عامة الناس ولا تكلفهم بشيء، لميزنا طلاب العلم من عامة الناس، ولحصل النفع لكل منهما!

كيف أربي نفسي على ثقل العلم؟ سؤال يدور في ذهنك وأنت تقرأ هذا الأسطر، وجوابه في الاستعانة بالله أولا، ثم في العناية بالتعبد ثانيا، فإنه على قدر عبادتك يسهل عليك حمل العلم، وعلى قدر تفريطك تجد من ثقله، وانظر إلى الأيام التي تترك فيها قراءة وردك من القرآن أو تقصر في عبادتك، تفتح عليك أبواب المعاصي ويكون العلم ثقيلا عليك، ثم يأتي ثالثا الإكسير وهو مجاهدة النفس، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فوصولك مرتبط بمجاهدتك بنص الآية لكن كم نصيبك منها؟ المجاهدة تنقلك من الحالة التي أنت فيها إلى الحالة التي تتمنى الوصول إليها، ولكن غالب نفسك وجاهدها، وستجد أنك تنجح مرة، وتنجح هي عليك مرة، ومع الأيام تصل بعون الملك.

كتبك لك هذا السر وأرجو أن يأخذ حظه وقدره من الاهتمام، وإن لم تفعل فلا تنتظر أسرار أخرى!

سؤال اللفتة: كيف ستترجم هذا السر إلى برنامج عملي؟

اللهم افتح لنا في العلم والعمل..

لفتة (13) اختبار المربي

 

[13]

اختبار المربي

الأربعاء 1446/7/1

للعلاقات جانبان: ظاهر وخفي، وإدراكهما من أسباب كسب القلوب ودوام العلاقات، والجهل بهما من أسباب خسارة الآخرين وفقدان العلاقات، ومن تطبيقات هذه الفكرة ما يقوم به المتربي من اختبارات للمربي، يبني عليها بعد ذلك طريقة تعامله معه، ولا تستغرب يا صاحبي فإنك تُختبر كما تختبر!

يبدأ معك المتربي بالاختبار الأول وهو اختبار الصدق، ليعرف صدقك في هم التربية، فهل تربيته هدف لك أم مجرد ادعاء؟ ومن طرق ذلك أن يقوم باستفزازك باستمرار، ويكثر من عصيانك وإغضابك، ثم ينظر في ردة فعلك وتعاملك، ويكرر هذا الاختبار مرارا حتى يصل إلى النتيجة الصادقة، وهنا ينقسم المربون إلى قسمين، الأول تكون التربية همته وهدفه، فيصبر على المتربي كثيرا، وينوّع الأساليب ويجددها، ويزداد في القراءة والاطلاع، ويبحث عن مفاتيح المتربي ونقاط ضعفه، حتى يستسلم له المتربي، أما الثاني فهو الذي يدعي هم التربية لكنها لا تمثل حقيقة الأمر من اهتمامه شيئا يُذكر، فيستسلم للمتربي، وإن كانت العلاقة اختيارية بينهما فتنقطع، أما إذا كانت إلزامية كالوالدية والتعليمية فيصبح المتربي هو المتحكم في المربي -والله المستعان-.

ومن هنا تدرك أن أكبر مشكلة يعاني منها المربون عدم صدقهم وجديتهم، لا تعنت الأبناء وشقاوتهم، فهؤلاء الأبناء بشر مثلنا، لهم نقاط ضعف ونقاط قوة، وعندهم احتياجات، ويمكنك أن تدخل لهم من عدة أبواب لكن هل حققت الصدق أولا؟

إذا نجحت أخي المربي في الاختبار الأول فأهنئك، وأخبرك بأن الاختبار الثاني الذي ينتظرك هو اختبار المكنة العلمية، فالمتربي يحب أن يكون مربيه ذا علم وثقافة، وليس المقصود أن تكون من العلماء، لكن يكون عندك حصيلة جيدة عموما، وخبرة كافية فيما تربي عليه خصوصا، وكيف تريد أن يقتنع بك ويسمع منك وهو يرى جهلك في أبسط القضايا؟!، وتذكر أخي المربي كلما زادت مسافة علو علمك عن علمه زاد استجابة لك وسماعا، وكلما قلت قلت، وانظر للطفل الصغير وهو في الخامسة والسادسة يرى أن والده أعلم رجل في الدنيا، ثم إذا بلغ الخامسة عشرة أصبح يرى والده من أجهل الناس فما السبب؟!

يغلب على ظني أنك نجحت في الاختبار الثاني أيضا فأهنئك، ثم أخبرك بالاختبار الثالث وهو اختبار الأخلاق، فهذا خير الخلق وأشرفهم وأعظمهم يخبره المولى سبحانه: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} فكيف بي وبك؟ حالة التربية هي أصدق اختبار للأخلاق، لسببين: أحدهما: أن المتربي تحتك، والأخلاق الحقيقة تخرج مع من تحتك لا من يكون في مستواك أو فوقك، والآخر: أن المتربي يعيش معك أوقات كبيرة يظهر له فيها ألوان كثيرة من أخلاقك، فيختبر صدقك، وأمانتك، وصبرك، وعفتك، وسلامة قلبك.. وغيرها.

أما الاختبار الرابع فهو اختبار القدوة، فهل أنت متمثل لما تنطق به من توجيهات وما تحمله من أفكار؟ وهو من أشد الاختبارات، فإن الكلام سهل لكن الفعل صعب، وإذا نجحت فيه لم يكن بينك وبين المتربي من الحواجز شيء فيستجيب لك الاستجابة الكاملة، لما يرى من موافقة أفعالك لأقوالك، فأسأل الله أن يعيننا على هذه الاختبارات ويوفقنا للنجاح فيها.

قد تتألم وتعترف بأنك مقصر في الاختبارات الأربع وتبحث عن الحل، فأبشرك بأن المتربي يتيح لك الفرصة مرارا وتكرارا فهنيئا لك، وذلك لأن المتربي بطبيعته يعيد اختبارك بشكل دوري، ولا يغلق الباب بالكلية إلا بعد موقف قاس أو نتائج سيئة لزمان طويل!

وهذا سيسعدك من ناحية لكنه سيصعب عليك المهمة من ناحية أخرى، لأن هذه الاختبارات ستبقى مستمرة ما بقيت عملية التربية، فهذه الاختبارات شرط لاستجابة المتربي، فتحتاج أن تؤهل نفسك باستمرار حتى تخرج الروح من الجسد، والتربية تخبرنا بأننا لا نستطيع تربية غيرنا حتى نربي أنفسنا!

قد تسأل متعجبا: لماذا يختبرني المتربي؟ والجواب: أن التربية تعني الاستسلام والانقياد، وهذا فيه كلفة ومشقة، فالمتربي لن يستسلم لك وينقاد ويدفع ثمن هذه المشقة إلا إذا كنت أهلا لذلك -واسمح لي على هذه اللفظة-، إما إذا رسبت في الاختبارات فإنه سيتمرد عليك، وإذا نجحت ثم كرر عليك الاختبارات بعد فترة ورسبت فإنه سيقلل الاستجابة حتى يتركها!

أخيرا.. كل ما ذكرته لك يتم بطريقة خفية صامتة، فسارع في المذاكرة حتى تنجح في الاختبار القادم، يسر الله الأمر علي وعليك.

سؤال اللفتة: ما هي استعداداتك للاختبارات الأربع؟

اللهم أعنا على تربية أولادنا، وأقر أعيننا بصلاحهم..

الأحد، 5 يناير 2025

لفتة (12) سرقة الطالب!

 

[12]

سرقة الطالب!

الخميس 1446/6/25

قررت أن أكتب عن هذه المشكلة يوم الخميس، لأنها تكون واضحة فيه غاية الوضوح، حتى لمن لم يكن عنده أولاد يدرسون!، فمن المشكلات الشهيرة والعجيبة في آن واحد عند بعض المعلمين: "سرقة وقت الطالب"، وتبدأ قبل بداية الفصل الدراسي باختيار المواد الأقل حصصا، ثم الضغط على الإدارة من أجل تقليل نصاب المادة -بحجة أن الحصص أكبر من المنهج-، ثم ترك الشرح في الأسبوع الأول وربما الثاني بحجة أن الطلاب لم يكتملوا بعد! وعدم شرح حصص يوم الخميس وما قبل الإجازة وما بعدها، والضغط اليومي على الوكيل من أجل حذف الحصة السابعة وربما السادسة حتى يبقى نزر قليل من الحصص للشرح، ثم بعد كل هذه المعارك النفسية والشخصية يدخل إلى حصته ليشرح شرحا هزيلا لا يسمن ولا يغني من جوع!

يتحجج من هذا حاله بأن "وقت الحصص كبير"، و"أن المنهج صغير"، و"الطلاب لا يتحملون الأوقات الطويلة في الشرح"، و"كثرة الكلام لا قيمة لها"، ولذا يظن أن ما يفعله منطقي، سأجيب عن ذلك جوابين الأول في فرع المشكلة، والثاني في أصلها، ففي الجواب الأول نتحدث بشكل مباشر عن التصور المذكور ونناقشه، وفي الجواب الثاني نتعمق في سبب هذا المشكلة، ومن الله التوفيق والسداد:

أولا: الجواب عن فرع المشكلة:

·       عندك أخي المعلم عدة مهام تقوم بها في حصتك: (مراجعة الدروس الماضية، التمهيد للدرس الجديد، شرح الدرس الجديد، مراجعة الدرس الجديد وإغلاقه، الإجابة عن أسئلة الطلاب، حل تمارين الدرس، تصحيح الواجب، تدوين الملاحظات المتعلقة بالحصة، الوقوف مع بعض سلوكيات الطلاب والتعليق عليها) كل واحدة منها تأخذا وقتا كبيرا فكيف بها مجتمعة؟!

·       هذا مع افتراض تمكنك من كامل وقت الحصة، لأن ضبط الطلاب يأخذ وقتا، وكلما زادت مشاغبة الطلاب زاد الوقت الممنوح للضبط، ودخول الزائرين من إدارة وأولياء يأخذ وقتا، وأخذ الحصة للنشاط يأخذ وقتا، وغياب الطلاب يأخذ وقتا.

·       وأما الأعذار الواردة وأولها: بأن المنهج صغير فجوابه: أن المنهج قد يكون صغيرا لكن شرحه يأخذ وقتا كبيرا، لأن شرح عبارات الكتاب للطالب وإفهامها إياه عبارة عبارة ليس أمرا سهلا، كما أن إدخال الوسائل والأساليب يأخذ منك وقتا، فكيف إذا كان المنهج كبيرا؟! وشرح المنهج مهمة وربطه بواقع الطالب وحياته مهمة أعظم، حتى لا يشعر الطالب أنه يتعلم كلاما خياليا ليس له ارتباط بحياته.

·       وأما العذر الثاني بأن الطلاب لا يتحملون أكثر من عشرين دقيقة فهذا كلام غير دقيق، فالطلاب على ما ربيتهم، فإن ربيتهم على العشر دقائق لم يتحملوا غيرها، وإن ربيتهم على الأربعين تحملوها وزيادة، ولكن تحتاج إلى تحضير متين، وشرح متميز، مع استخدام الأساليب الممتعة حتى يبقى الطالب معك.

·       وأما العذر الثالث بأن العبرة بخلاصة المنهج وأن كثرة الكلام لا قيمة لها، فهو كلام خطير!، إذ أن العلم كلام، فكتاب الله جل جلاله كلام، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم كلام، وعلوم الدنيا كلام، وكل ما أردته من قيم، ومفاهيم، وتصورات، وأدلة، ومواقف، فهي كلام، والكلام له وزن عظيم في الشريعة والحياة، والإيهام بأن المنهج المدرسي مجرد حشو وكلام لا فائدة منه وأنك ستقدم خلاصته وزبدته للطالب تصور مغلوط وخيانة للأمانة، وما أضعف شبابنا اليوم وكثّر أخطاءهم إلا قلة كلامنا معهم، فكثير من الآباء لا يتكلم مع أولاده، وكثير من المعلمين لا يتكلم مع طلابه، وكثير من أئمة المساجد لا يتكلم مع جماعة مسجده، فمن الذي بقي يتكلم؟ أهل الباطل والشر والتافهين والتافهات! ثم نشتكي ونتألم من تأثر أبناءنا بهم؟ والسؤال: هل تتكلم مثلما يتكلمون؟ إن المذكورين آنفا يتكلمون كثيرا ولا يملون، ويكررون ولا يملون، ويسهبون ولا يملون! وعندما صمت أهل العقل والحكمة والتربية عن الكلام وجد التافهون مجالا رحبا لإخراج زبالات أفكارهم! اعلم يا صاحبي أن جميع البشر عندهم حاجة للسمـــــــــاع لا بد أن يشبعوها، فإن لم يسمعوا النافع والمفيد سمعوا غيره.

·       أما إن أردت أن تسأل عن الحصص الفارغة التي تزيد عن كفاية المنهج أو حصص الانتظار فالجواب أنها فرصة لأمور، منها: (إعادة شرح الدروس الصعبة، أو مراجعة كامل المنهج وربطه ببعضه البعض، أو سد الخلل الحاصل في الحصص ومتطلبات المنهج من تسميع وقراءة وتصحيح وغيرها، أو فتح مجال لإكساب الطالب المهارات التخصصية والعامة، أو زرع القيم في الطلاب).

·       ومما سبق تدرك أن وقت الحصة أقل مما تحتاج بكثير لو أردت أن تخلص عملك وتبرأ ذمتك! ولن يكون عندك توقف أبدا لا يوم الخميس ولا قبل الإجازة ولا غيرها من الأوقات، فإن الأمر لا يحتمل التوقف عن الشرح وتأجيل الحصص، كما أن فيه من وجه آخر تربية للطلاب على الإهمال والكسل، ومن أكثر التوقف قصّر في الأمانة ولا بد.

·       الأصل أن المعلم يستفرغ كامل وقته لطلابه منذ السادسة والنصف وحتى الواحدة، فهذا الوقت كاملا لطلابك، سواء من خلال الحصص، أو من خلاص الأعمال المكتبية، فهناك أمور لا تستطيع فعلها في الفصل فتفعلها في المكتب، مثل: الجلوس مع الطلاب الذين لهم ظروف خاصة للنظر في أحوالهم، وحل مشكلاتهم، وترميم ضعفهم.

·       قد تسأل فتقول: ماذا أعمل في الأيام التي يغيب فيها الطلاب كاليوم الذي يسبق الإجازة أو الأسبوع الذي يسبق الاختبارات؟ فالجواب: أن لديك من الأعمال ما لا تستطيع فعله في وجود الطلاب، فتكون هذه الأيام فرصة لها، ومن أهمها: التواصل مع الآباء واللقيا بهم، إنجاز تقييم الأعمال الكتابية من واجبات واختبارات وأوراق عمل -وإن لم تكن عندك أعمال كتابية فالمصيبة أعظمُ-، رصد درجات الطلاب، إعداد الاختبارات وطباعتها، تحضير عروض الدروس، مراجعة تجربتك وتطويرها، ولو زاد بعد كل هذا وقت فهو لتطوير نفسك بقراءة كتاب أو مشاهدة دورة تزيدك في تخصصك، وترفع مستواك مع طلابك.

·       أقول كل هذا لأن كثير من المعلمين لا يحب أن يعطي من وقت المساء للمدرسة وأعمالها، وله الحق في ذلك، لكن لا يصح أن يجمع معه تفريط في وقت الدوام، وعدم إعطاء الطالب إلا الفتات!، فالأصل أن كامل وقتك هو حق للطالب، وأنت في مقابله تأخذ راتبا، فهل حللت راتبك؟!

·       أخيرا في الجواب المباشر: النظر الجزئي للحصص من أسباب وقوع هذه المشكلة، فينظر المعلم إلى حصص اليوم وكيف يتعامل معها؟، والصواب أن ينظر إلى حصص العام وكيف يفعل بها؟، ولو فعل لوجد عنده ثلاث مائة حصة أو أربع مائة أو أقل أو أكثر، وهذا أمر عظيم!، فهذا الطالب الذي بين يديك سيجلس هذا العدد الكبير من الحصص فما الذي حضّرت له من المعلومات والمهارات؟! وما هي القفزة التي ستحققها له بدراسته عندك؟!

ثانيا: الجواب عن أصل المشكلة:

وهو الذي أريد أن أغوص فيه إلى جذر المشكلة وحقيقتها، فأقول باختصار وتركيز: السبب الرئيس لهذه المعضلة هو غياب الهم وفقدان الرسالية، فإذا وجد الهم امتلأت الأوقات وضاقت، وإذا غاب الهم فاضت الأوقات واتسعت! فالمعلم الذي ينظر لراتبه يسعى أن يناله بلا عمل إن استطاع، فإن أُجبر قدم الحد الأدنى! أما من يسعى للراتب لكن يحمل هم تربية الطلاب وتعلميهم فإنه سيبذل بذلا عظيما حتى آخر يوم له في التعليم، لأن الأجر قائده، والثواب حاديه، ورضا الله مناه.

سؤال اللفتة: كيف ستنظر لوقت الدوام بعد اليوم؟

اللهم وفقنا للقيام بالأمانات الملقاة على عواتقنا..

لفتة (11) التربية عبر الهاتف

 

 [11]

التربية عبر الهاتف

الاثنين 1446/6/29

عندما كنت أستضيف الآباء في المدرسة لمناقشتهم في مستويات أولادهم الدراسية والخُلقية، كان عدد منهم يعتذر بأن عمله يتطلب السفر الدائم ولذا فهو لا يستطيع على التربية، فكنت أسالهم: تأتي إلى بيتك كل كم؟ فيجيب البعض بأنه يأتي في كل أسبوع مرة، وبعضهم كل أسبوعين، وبعضهم كل ثلاثة، فأعقب بسؤال ثان: وما هي الجهود التي تبذلها أثناء وجودك؟ فيتفق الجميع على عدم فعل أي شيء لأولاده من ناحية المتابعة والتوجيه.

وأذكر من المواقف التي مرت علي موقفان مع عاملين حول أولادهما، فمرة طلب مني عامل المسجد أن آتي إلى غرفته، فأتيته وقد كان رجلا بساما لكني وجدته حزينا بل أظنه كان يبكي، وقال لي: عندي مشكلة كبيرة أريدك أن تحلها لي، ولدي دخل إلى سن المراهقة وبدأ يعصي أمه كثيرا، ويفعل كل ما يريد، وأصبحت زوجتي عاجزة عن السيطرة عليه، وكلما أكلمه لا يهتم لكلامي، لعلمه ببعدي عنه وأني لا يمكن أن آتيهم إلا بعد وقت طويل، فما الحل؟ شاركته الهم ثم قلت له: لا أعرف غير الدعاء ثم ودعته، أما الموقف الآخر فقد أتيت بعامل الفرش ليغير فرش بيتي، وأثناء عمله جاءه اتصال تكلم فيه طويلا ثم غضب وأغلق الاتصال، وقال لي: ولدي ليس حمارا بل أنا الحمار، فقلت له: خيرا إن شاء الله، فاشتكى لي مثل شكوى العامل الأول.

حول هذه المواقف أريد أن أعلق بالنقاط الآتية:

1-      أخطر قضية ينبغي أن يعتني بها الآباء الاقتناع بأهمية التربية وإثبات صدق ذلك بدفع ما تطلبه من ثمن، فمشكلة كثير من الآباء أنه يريد صلاح أولاده دون بذل أي جهد يذكر، وفي أحسن الأحوال تجده يبذل شيئا يسيرا لا يُذكر، ثم يشتكي من صعوبة التربية وكثرة المفسدات وفشو الانحراف! وكل ما يأتي من كلام في أفكار التربية، وطرقها، ومقترحاتها، ليس له أي قيمة عند غياب هذه النقطة، ولذا من لم يكن مقتنعا بأهمية التربية وضرورة بذل جهده فيها فليستعن بالله أولا ثم ليقرأ كثيرا في أهمية التربية ومسؤولية ذلك.

2-      الغياب عن الزوجة والأولاد نوعان: قصير وطويل، فالقصير بالأيام والأسابيع، والطويل بالسنوات، والذي أراه أن الغياب القصير معقول بشرط إحسان التعامل معه -وهو ما كتبت المقال لأجله-، أما الغياب الطويل فهذا هو البلاء العظيم، فإن إعفاف النفس والزوجة وتربية الأولاد أهم من السعي في طلب الرزق، فالرجل والمرأة بحاجة الفراش، والأولاد بحاجة التربية، وهذا الغياب الطويل من أسباب وقوع الأزواج في الفواحش، ومن أسباب فساد الأبناء، ومن المواقف المأثورة: ما جاء في مصنف عبد الرزاق: "أن عمر -رضي الله عنه- كان يطوف فسمع امرأة وهي تقول:

تطاول هذا الليل واخضل جانبه * وأرقنـــــي إذ لا خليـــــــل ألاعبه

فلولا حــــــــــــذار الله لا شيء مثله * لزعزع من هذا السرير جوانبه

فقال عمر: فما لك؟ قالت: أغربت زوجي منذ أربعة أشهر وقد اشتقت إليه، فقال: أردت سوءا، قالت: معاذ الله قال: فاملكي على نفسك فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عنه كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها فاستحيت، فقال: فإن لله لا يستحيي من الحق، فأشارت ثلاثة أشهر وإلا فأربعة فكتب عمر ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر".

وإذا كان هذا هو حال المرأة فكيف بالرجل؟!، وإذا كان هذا الحال لأشهر فكيف بسنوات؟!، وكيف يكون حال الأولاد واستقامتهم؟!

3-      مواقف الآباء معي تمثل الغياب القصير، ومواقف الإخوة الوافدين تمثل الغياب الطويل، وفي النقطة السابقة تحدثت عن خطأ الغياب الطويل وأثره، بقينا في الغياب القصير.

4-      إذا كان الأب مهتما بتربية أولاده ويدفع ثمن ذلك، واضطر للغياب القصير، فأوصيه بأمور:

o      اغتنام وقت وجودك في البيت، حتى يصبح وجودك قليلا لكنه مؤثر، فتعرف أحوال زوجتك وأولادك، أحوالهم العبادية، والدراسية، والخلقية، وتدخل في تفاصيل حياتهم وتعيش معهم فيها، أما أن يكون حضورك كغيابك فهذه المصيبة الكبرى.

o      العناية بالتربية عبر الهاتف، وذلك بالاتصال الدائم، ومتابعة الأبناء ومعرفة أحوالهم، ولن يكون لاتصالك قيمة إلا إذا كان لحضورك هيبة، فإذا كنت عند وجودك تقوم بدورك الكامل فإن اتصالك سيكون مهيبا وسيحقق لك الأبناء بعون الله ما تريد.

o      تذكر أن التواصل عبر الهاتف ليس كالحضور، وفيه صعوبة ستجدها، لكنك تصبر عليها لضرورة ظرفك، ولأن التربية هم لك.

o      ضرورة الاتفاق مع زوجتك على نظام لتربية الأبناء، وهذا لن يحصل إلا بعد وئام ومودة معها، أما إذا كانت العلاقة بينكما متوترة فإنها قد تسمح بتلاعب الأولاد في غيابك!

o      كن على حذر ووعي كامل بخطورة التعايش مع الغياب، فنحن أسلفنا بأن غيابك مؤقت ولضرورة، فإذا انتهت الضرورة عدت إلى الحضور الكامل مع أهلك، لأن المشكلة الواقعة عند جملة من الآباء أنه يتعرض لغياب مؤقت فيقصر مع زوجته وأولاده، ثم ينتهي عذره لكنه ألف الغياب وتعايش معه فيستمر عليه باقي حياته!!، ولو سألتني فقلت: كيف أسلم من إلف الغياب؟ فالجواب: بالقلق الدائم.

o      اصطحب زوجتك وأولادك للبلدة التي تسافر إليها، فإذا لم تستطع أن تقترب منهم فيقتربون منك.

o      تيقن بأنه لا يستطيع أحد أن يقوم بدورك مهما كان، فزوجتك يكفيها الدور الذي تقوم به، ولا تملك ما تملكه من الهيبة، وولدك الكبير ليس له سلطة على إخوانه ولا يمكن أن يربيهم بالنيابة عنك.

5-      إذاً تستطيع التربية عبر الهاتف إذا كنت مهتما بتربية أولادك، وكان انقطاعك قصيرا، وكان لحضورك أثر، ولن يكون لاتصالك قيمة إذا كان غيابك عن أولادك طويلا، أو لم يكن لحضورك أثر!

أختم بموقف حصل لي مع وافد مبارك، رجل صالح، وله ذرية طيبة يعيشون معه هنا في المملكة، سألته مرة عن عودته لبلده، فأجابني بجواب تعجب منه وأعجبت، قال لي: "هما خياران لا ثالث لهما، إما أن يعيش أولادي في بلدي حتى أجمع المال، وإما أن يعيشوا معي ولا أجمع المال، ولأن أولادي أهم عندي من المال فقد اخترت الخيار الثاني، حتى أربيهم بنفسي ويكونوا تحت نظري باستمرار، فكل ما أجمعه من المال هو لتكاليف المعيشة، ولا يبقى شيء للادخار، ولذا ليس عندي بيت في بلدي، لكنني مسرور بما أرى من قرب أبنائي وصلاحهم".

سؤال اللفتة: هل استشعرت وقوفك بين يدي الله وسؤالك عن تربية أولادك؟

اللهم أعنا على تربية أولادنا، وأقر أعيننا بصلاحهم.

دليل الزوجين

دليل الزوجين الحياة الزوجية عالم واسع يحتاج الداخلون إليه إلى كمية كبيرة من المعلومات والخبرات والمهارات، وكلما زادت سعد الزوجان في حيات...