[12]
ما الموقف من الأحداث الكبرى؟
المقدمة الأولى
كل أحد يتمنى في هذه الدنيا أن يعيش حياة هادئة مستقرة، وأن يتفرغ لتحقيق ملذاته وأهدافه دون أن ينغص عليه منغص، لكن الله جل وعلا قد جعل لهذه الدنيا سنة خاصة جاءت في قوله سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، فهذه الدار قائمة على الابتلاء، بأنواعه وصوره، فابتلاء بالشهوات، وابتلاء بالشبهات، وابتلاء بالأمانات، والعبد فيها يتنقل من ابتلاء إلى ابتلاء، وما لم يدرك هذا المفتاح فإنه سيظل متخبطا في سيره، محتارا في فكره، يبحث عن الراحة في دار التعب، وعن الاستقرار في دار الاضطراب، أما من أدرك فإنه يتحمل هذه الدنيا وما فيها ويصبر ويصابر أملا في الفوز بدار النعيم الدار الآخرة، فكما أن الله جعل الدنيا قائمة على الابتلاء فإنه جعل الآخرة للمؤمنين قائمة على النعيم {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
ومن صور الابتلاءات التي تحدث للناس: الحروب، وما فيها من الخوف، والهم، والمرض، والفقر، والموت، فالجميع يتمنى السلامة منها لكن مشيئة الله نافذة، وحكمته بالغة، وله الأمر سبحانه من قبل ومن بعد، ونحن عبيد له جل وعلا، فاجعل هذين الإطارين: سنة الابتلاء والاستسلام لقضاء الله حاكمين على كل ما يقابلك من الأحداث.
المقدمة الثانية
انطلقت يوم السبت الحادي عشر من رمضان حرب بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، ويذكر جملة من المحللين أنها -والله أعلم- هي الحرب العالمية الثالثة، وأنها بداية لصراعات إقليمية وعالمية كبرى، وأن لها من الآثار الكبيرة ما لها، ونحن في دول الخليج مُعرّضون للتأثر بهذه الحرب والدخول فيها، وقد وقعــــــت جملة من الاعتداءات علينا -نسأل الله أن يحفظنا بحفظه وأن يوفق ولاة أمورنا وبطانتهم للتعامل مع هذه الأحداث-، والناس في هذا الحدث على أقسام:
· القسم الأول: الجاهل بالواقع، المنغمس في أعماله خيرا كانت أو شرا.
· القسم الثاني: المهوّن من الواقع، الذي يرى كل الأمور واضحة، ولا تحتاج إلى فهم أو عمل.
· القسم الثالث: الهارب من الواقع، الذي يعرف بأن المتابعة ستلقي عليه بمسؤولية لا يريد تحمّلها ولذا يهرب ويتجاهل.
· القسم الرابع: المجادل في الواقع، الذي يفرح بأي حدث ليفرغ طاقته في الجدل والانتصار على الناس.
· القسم الخامس: المهول من الواقع، الذي يتلقى كل ما يسمع ويُرعب نفسه وغيره ويقرب الهلاك لهم كل حين.
· القسم السادس: الحائر في الواقع، الذي يتابع ويعرف لكنه يحتاج من يوجهه ويبصره.
· القسم السابع: البصير بالواقع، الذي منّ الله عليه بمعرفته ومعرفة كيفية التعامل معه، وهذا القسم خير الأقسام، وهو الذي نتمنى جميعا أن نكون منه.
المقدمة الثالثة
اتخاذ الموقف ليس أمرا ترفيا كما يظن بعض الناس، بل هو أمر جوهري أساسي، فللمسلم في كل حال عمل، واتخاذ الموقف وسيلة إلى العمل، كما أن اتخاذ الموقف لا يلزم فيه الاستقلال، بل العاقل يستفيد من عقول العلماء والمفكرين، فيجمع أجود ما يسمع من كل أحد ثم يضيف ما يراه على ذلك، ثم يتبنى الموقف، ثم ينتقل إلى العمل.
إذا تقررت هذه المقدمات فإننا ننتقل إلى جواب سؤالنا: ما الموقف من الأحداث الكبرى؟
قواعد التعامل مع الأحداث الكبرى
1- تبصّر بواقعك وافهم الأحداث على حقيقتها، قال سبحانه: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} كلما أدركت حقيقة الأحداث ومآلاتها كان ذلك أعون لك على الصبر، لأنك تتهيأ لها وتستعد، أما إذا تصورت الأمور على غير ما هي عليه، فستُفاجأ بكل حدث وتُصدَم وقد يصعب عليك الصبر، ولذلك فلا تنظر إلى من يوّعيك بحقيقة الأحداث أنه متشائم أو أنه يبث الخوف -إذا كان يعطيك الأمور بمؤشراتها الواضحة وليس بأوهامه وتخرصاته-، فإن من يقدم لك الوعي بالحقيقة -ولو كانت مُرة- يسهّل عليك الصبر والاستعداد والتهيؤ.
2- التوازن في التعامل مع الأحداث، فالتهوين والتهويل كليهما خطأ، فلا يصح نفي الحرب وآثارها، ولا يصح أيضا إرعاب المسلمين وتخويفهم بأخبار كاذبة أو تصورات مغلوطة، وإنما يقف المؤمن على المنهج الوسط فيثق بالله ويتوكل عليه، ويستعد ويحذر، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم.
3- أهمية الالتجاء إلى الله تعالى والانطراح بين يديه وسؤاله النجاة والسداد، قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، فتسأل ربك الخيرة بين الحياة والموت، وتسأله الخيرة في القرارات والتصرفات، ففي أزمنة الفتن لا يدري المرء هل الحياة خيرا له أم الموت؟ وإذا كان سيحيى هل سيثبت على دينه أم يبدل؟ وقد يتعلق المرء بالدنيا ويرغب البقاء فيها وما عند الله خير وأبقى.
4- اضبط منهجك في تلقي الأخبار، وذلك بأن تتلقاها من المصادر الموثوقة، وتحذر من الشائعات، وتحذر ممن يسمي الحقائق بالشائعات، وذلك لأن الأخبار أيام الحروب كثيرة جدا -لا سيما زمننا هذا-، والتحليلات أكثر وأكثر، وإن لم تضبط التلقي أضر ذلك بتصوراتك وتعاملاتك.
5- اضبط منهجك في التحديث بالأخبار، قال سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}، ففي زمن الحروب تتشوف النفوس لسماع الأخبار وحكايتها، والفطين يراعي في حديثه عنها أمران: التثبت والحكمة، فيتثبت من الخبر أولا، ثم ينظر هل في نشره حكمة أم لا؟ فإن تحقق الشرطان تكلم، وإلا سكت حماية للنفوس من الخوف.
6- لا تسمع إلا للمتخصص المتمكن، لأن الجميع يتكلم ويشارك، وكل أحد يبدي رأيه ولو كان أجهل من حمار أهله، ولذا لا تسمع إلا لأهل الاختصاص والتمكن والعقل.
7- ضرورة اليقين بهذا الدين والاستمساك به، وامتلاء القلب بذلك حتى تفيض السكينة على الجوارح، لأن كثيرا من الناس إذا هبت الفتن اضطرب وهاج، ثم ترك ما كان يعرف من الحق، وظل يميل مع الناس كيف مالوا دون أن يقف مع نفسه ويوقن بربه ومنهجه ويستبصر طريقه.
8- إصلاح عقيدتك من أولى ما تعتني به، لأن منزلة المرء عند الله بحسب إيمانه، وهذه العقيدة هي أجل ما تلقى الله به، فاضبطها من خلال كتاب ودروس واحفظ مسائلها.
9- المبادرة بالأعمال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) ففي هذا الحديث يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالمسابقة والمسارعة بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن التي تكثر آخر الزمان، أو قبل الانشغال عنها بوقوع الفتن التي تُثبّط العامل عن عمله، وهذه المبادرة بالأعمال تكون عند الموفق في جهتين:
o الجهة الأولى: جهة التقرب والتعبد: فلا يغادر المؤمن هذه الدنيا حتى يتذوق جنتها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنَّ في الدنيا جنةً من لم يدخلها؛ لم يدخل جنَّة الآخرة"، وهي معرفة الله ومحبته والأنس به، والحديث في هذا طويل طويل، والمراجع بحمد الله ومنته كثيرة فيعود إليها الراغب.
o الجهة الثانية: جهة نفع الناس وبذل الخير لهم: فالناس في العطاء نوعان: إما أن يكون له عطاء سابق وإما ألا يكون، فمن كان له فحذار حذار من الانسحاب والترك، ومن لم يكن له عطاء فليبذل جهده في نفع أمته في الباب الذي يحسنه -وما أكثر أبواب الخير- قال عليه الصلاة والسلام: (لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شيئًا)، فالأمة تحتاج من أبنائها كل خير ولو قل، وتذكر أن الله كريم سبحانه، قال عليه الصلاة والسلام: (مَن تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ)، وإذا كان هذا في البذل المادي فكيف بالبذل المعنوي الذي هو أشرف وأجل؟
وبهذا تبقى الحقيقة الكبرى وهي أن العمل هو خلاصة هذه الدنيا، وهو الذي يرحل معنا إلى آخرتنا، وكل ما سواه يذهب عنا أو نذهب عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ).
10- الاستعداد الدنيوي بالمستطاع، ومن ذلك أمران:
o الأول: الحرص على ادخار الأطعمة الأساسية لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وذلك لأن المتوقع أن تغلى الأسعار وتصعب عيشة المرء، فبالادخار يخفف على نفسه ما استطاع من التكاليف المتوقعة.
o الثاني: صرف مبالغ نقدية، تحسبا لتعطل البنوك أو توقفها، حتى يستطيع شراء حاجياته الضرورية.
11- ضرورة القراءة في أحاديث الفتن وتفهمها، لأن شريعتنا قد أخبرتنا بكل شيء، وعلينا أن نعود فنفهم أصول الفتن، والعلاجات الواردة فيها، ومن الكتب النافعة في ذلك: فقه السنن شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري، للشيخ أحمد القاضي، وزد عليه ما شئت من شروح المشايخ لكتب الفتن.
12- احرص على ما ينفعك، قال عليه الصلاة والسلام: (احرِصْ على ما ينفَعُكَ، ولا تَعجِزْ)، ومن صور ذلك في هذا الحدث: أن تفكر وتسأل عما ينفعك، وتترك الاشتغال بالجدل الذي لا يعود عليك بالنفع، تأمل في حال جملة من الناس اليوم تجدهم منهمكون في جدالات طويلة من أمثال: هل الرافضة أخطر أم اليهود؟ وتراه يسوق رأيه بالأدلة ويتفرغ للرد على كل من خالفه، يقول الإمام الأوزاعي -رحمه الله-: "إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".
13- ينصح العقلاء بنصيحة نافعة فيقولون: توقع الأسوأ واستعد له، وهذا ليس من باب التشاؤم، وإنما هو من الفطنة والذكاء، فأنت لا تدري ما الذي سيحدث؟ وإلى أين ستنتهي الأمور؟ فتتوقع جميع التوقعات الحسنة والسيئة، وتستعد لها جميعا، فإذا وقع شيء مما تخاف لم تستغرب وكنت مستعدا له استعدادا حسيا والأهم معنويا.
14- الايمان بالقضاء والقدر {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له)، فقراءة هذه النصوص وتكرارها يكسب القلب طمأنينة كبيرة قبل الأقدار وبعدها.
15- تخفيف الهموم النفسية، فلا شك أن القراءة والسماع لأخبار الحروب ترهق النفس، وتجلب الآلام، لكن يخفف الموفق ذلك بالانغماس في العبادة تارة، وبالانغماس في القراءة والتعلم تارة أخرى، وبالانغماس في هواياته تارة ثالثة، وهذا من فقه المرء وحسن سياسته لنفسه.
اسأل الله سبحانه أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله أعلم وأحكم.
تم بحمد الله الخامسة فجرا من يوم الأحد
التاسع عشر من رمضان، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق