[42]
طبائع الحق
الثلاثاء 5/10/1447هــ
كل من يؤمن بالله واليوم الآخر يسعى إلى الحق، ويبذل جهده في إصابته، ويخشى من الوقوع في الباطل أو أن يكون من أهله، ومما يعين على ذلك معرفة طبائع الحق، وإليك بعضا منها:
· الطبيعة الأولى: أن الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، وهو من أكثر السنن وجودا وتحققا، وإيماننا بأن الله تبارك وتعالى من قدر ذلك يكسبنا طمأنينة القلب وراحة البال، ليقيننا بأن أفعال الله تتصف بالحكمة البالغة، والجاهل بذلك يلقي بآراء ساذجة كأن يقول: لم نستمر في معاداة الكفار؟! متى يأتي الوقت الذي ننشر فيه المحبة للعالم؟! ولو أعمل المسكين عقله لوجد أن فعله يرد على قوله! فيستحيل أن يكون محبا لكل الناس سالما من الكراهية لأي مخلوق!! لكنه الجهل بالسنن، زد على ذلك أن صراعنا لأهل الباطل أعظم صور حبنا الخير لهم.
أعظم أماني الباطل إنهاء الحق وطمسه، فإن لم يستطع سعى لإسكاته، فإن لم يستطع شوش عليه وشغب، فهو إن لم ينل الأعلى لم يزهد في الأدنى، وهذا من الأمور التي تنقصنا فلشدة حب الخير في نفوسنا وقوة الغيرة عليه نطالب بكمال النتائج أو نترك العمل بالكلية! {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ}.
· الطبيعة الثانية: الحق قوي منصور، تجده سريع الولوج إلى القلوب، شديد التأثير على النفوس، ولذا ترى كلمات يسيرة من الحق تقلب حياة رجل من الضلالة إلى الهدى، وكلمات معدودة من الحق تقض مضاجع أهل الباطل وتزلزل أركانهم، في المقابل تجد من خطابات أهل الباطل ما بُذل في تزويقه وتجميله الجهود العظيمة ولكنه لا يجد القلوب التي تستقبله! وإن استقبلته سرعان ما تطرده إذا تعرضت للحق، كل ذلك لعظمة الحق وعلوه، فالحق قوي ولو لم يجد أسباب القوة، لكن هذا لا يعني أن نُقصّر ونتهاون في تقديم الحق في قالب ضعيف، بل الواجب العناية بأساليب بذل الحق والتفنن فيها.
· الطبيعة الثالثة: أن الخلل دائما ما يأتي من حاملي الحق، فالخوف كل الخوف ليس على الحق فإنه منصور لا محالة وانتصاره سنة كونية وقاعدة قرآنية {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وإنما على أنفسنا ألا يكون لنا شرف المساهمة في القيام بالحق، أو نفرط في القيام به، ولذا لا تخف على الحق وإنما على نفسك من ترك الحق.
وترك حمل الحق له أسباب، من أهمها: التعلق بموعد النصر، والمسلم مطالب بشرط النصر، أما موعده فهو بإرادة الله وحكمته، والموفق لا يعلق قلبه به، فقد يتحقق في حياته وقد يكون بعد مماته، وانظر للصحابة الذين ماتوا أول الإسلام وهو لم يروا من نصره شيئا، لكنهم اعتقدوا الحق وماتوا عليه، وتذكر أيها الموفق: أن يأس الصالحين أكبر مغنم لأهل الباطل لأن يأسهم يوقفهم عن المدافعة.
· الطبيعة الرابعة: أجل صور النصر: ثباتك على الحق، قال تعالى عما حصل لأصحاب الأخدود: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} مع أنهم حُرّقوا وماتوا، لكنهم ماتوا ثابتين على دينهم فكان ذلك فوزا كبيرا، ونصرا عظيما، فتأمل هذا وكرره كثيرا.
· الطبيعة الخامسة: أن الحزن يدفع على القيام بالحق بينما اليأس يقعد عنه، فلا مانع من الحزن الدافع على العمل لكن الخلل في اليأس المقعد عن العمل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكثيرٌ من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جَزِع وكَلَّ وناحَ كما ينوحُ أهل المصائب. وهو منهيٌّ عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه، فليصبر إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشيِّ والإبكار".
سؤال اللفتة: كيف ستنظر للحق بعد إدراكك لطبائعه؟
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه..


