[20]
علمتني
الحياة
كل
يوم يزيد في حياة العاقل يضيف إليه تجارب وأفكارا جديدة، فتتحسن حياته كلما ازداد
عمره، بخلاف الأحمق الذي يكرر أخطاءه ولا يستفيد من تجاربه فضلا عن تجارب الآخرين،
وتزداد فائدة الإنسان إذا كتب تلك الأمور التي تعلمها مع الأيام ونفع بها نفسه وغيره،
وقد كتب كثيرون بهذا العنوان: "علمتني الحياة"، وأحببت أن أشارك بكتابة
بعض ما تعلمته، وأضيّف كل فترة ما استجد -إن شاء الله-، سائلا الله أن ينفع بهذه
الكتابة كاتبها وقارئها.
·
علمتني
الحياة:
أن غالب أثري يكون على نفسي وأهل بيتي، ولذا ينبغي أن يكون غالب جهدي فيهما، وهذا
لا يعني ترك نفع الناس والاشتغال بتعليمهم ودعوتهم، وإنما يعني ترتيب الأولويات،
لأن مما يقع لجملة من أهل الفضل انشغالهم الكامل بالناس مع إهمالهم لأنفسهم وأسرهم.
·
علمتني
الحياة:
أن توقع جميع الاحتمالات -خاصة الأسوأ منها- وتهيئة النفس له، من أسباب السعادة
والصبر والتوفيق، أما السعادة فلأنك لا تقلق مما يحصل غدا، وعندك الحل المناسب لكل
احتمال، وأما الصبر فلأنك لا تصاب بصدمة مما يأتي ولو وقع أسوأ التوقعات، وأما
التوفيق فلأن خطتك لتحقيق أهدافك حاضرة في جميع الأحوال والأجواء.
·
علمتني
الحياة:
أن (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، ومن العبث أن
أضيع وقتي بمحاولة إقناع من لم يألفني بأن يقبل بي أو يحبني، فهناك في المقابل من
يحبني بلا سبب ويتمنى أن أوافق على مصاحبته!
·
علمتني
الحياة:
أن العلاقات تُفتتح باللطف
والهدوء، فقد كنت سابقا ابدأ العلاقات بقوة، فمن أقابله أحاول أن أتعرف عليه في
أسرع وقت، وآخذ كل ما عنده دفعة واحدة، ورغبتي في هذا تجعلني أمطره بعشرات الأسئلة
المتتالية والموجهة على طريقة تحقيق! لذا لا أجد قبولا في بعض الأحيان، مع نفور
جملة من الناس واستغرابهم من طريقتي، ثم أصبحت هادئا أترك التعرف على من أمامي
بطريقة تراكمية مع الأيام، فوجدته أدعى للقبول وأرسخ للعلاقة.
·
علمتني
الحياة:
أن ما يلقيه الداعية له أثر على الناس، لكن غالب هذا الأثر خفي، وفي خفائه خير له،
فلو كان ظاهرا لربما أعجب واغتر، ولربما ألف هذا الأثر ولم يعد يشكل له شيئا، وهذا
نلمسه من أنفسنا في الأعمال التي نرى أثرها، لكن عندما يكون الداعية مرتبطا بالغيب
وانتظار ما يكون يوم القيامة يتحفز أكثر للبذل والنفع، مع التنبيه على أنه لا يصح
للداعية أن يحدد صورة التأثير، فقد يكون رفعا لجهل، أو تثبيتا لمتردد، أو فتحا
لآفاق، أو تعريفا بكتاب، أو زيادة في يقين، أو دلالة على خير، أو حلا لمشكلة.
·
علمتني
الحياة:
أن من أراد أن ينجح في العلاقات فعليه بأمرين: ألا ينشغل بحقوق الناس عليه، وألا
يحاسب ويعاتب، نعم هي ثقيلة على النفس لكنها الطريق الوحيد لكسب قلوب الناس، فأنت
تنشغل بحقوق الناس عليك، وبذل الخير لهم، وفي نفس الوقت لا تحاسبهم ولا تعاتبهم
على تقصيرهم معك، وعدم قيامهم بحقوقك، فإن سألت ما الثمن؟ فالجواب: الأجر والثواب،
فحسن الخلق عبادة وليست عادة من العادات، أو مشروعا للمقايضة وتبادل المصالح!
·
علمتني
الحياة:
أن من لم يشتغل بالدعوة في شبابه لم يشتغل بها في كبره، على خلاف ما يظنه كثير من طلبة
العلم، فإن بعضهم يؤخر نفع الناس بحجة أنه لم يحصل العلم الكافي، فإذا نبغ في
العلم لم يستطع نفع الناس.
·
علمتني
الحياة:
أن أقبل على من أقبل علي وأترك من صد عني، فقد جرت سنة الحياة أن كل أحد يتمنى
مصاحبة من هو فوقه في العلم أو المال أو الجاه، لكن هذا الشخص الذي أعجبتَ به
وتريد مصاحبته لا يرضى بك صاحبا لأنك أقل منه ويريد من هو أعلى منك! ويأتيك من هو
أقل منك فتصد عنه بحجة أنه أقل منك، وإذا استمريت على ذلك بقيت بلا صاحب، وخسرت
فرصة بذل الخير وإسعاد من هم أقل منك، والتوفيق أن تعرض نفسك على من هو أعلى منك
فإن لم يقبل، قبلت بمن هو أقل منك، فكونك تنفعه وينفعك على قلة خير من أن تبقى
وحيدا تنتظر من يلتفت إليك! وقد يبارك الله لك في هذا الذي التفت إليه فيصل إلى ما
تتمنى مع الأيام فتسعد، وذلك لأن الناس لا يبقون على حالة واحدة!
·
علمتني
الحياة:
أن الداعية هو المستفيد الأول من الدعوة، على خلاف ما كنت أظنه سابقا من أن الناس
هم المستفيدون فقط والداعية مجرد ناقل للخير، لكن الحقيقة ما يحصل له من الأجر
والثواب، والتثبيت على الحق، ومراجعة العلم، ومحبة الناس، ونزول البركة، هي أعظم
مما يحصل للناس من الانتفاع بعلمه.
·
علمتني
الحياة:
أن الكتابة سر من أسرار الحياة، فمن يكتب العلم والخواطر والأفكار يرتقي على غيره،
لأنه يجمع الفائدة سواء المتحصلة من مصادر العلم، أو المتحصلة من التفكر والتأمل،
ومثل هذا يبقى علمه معه، يُحدّث به في أي وقت، ويراجعه إن نسي، وينشره إن أراد،
وكثيرا ما يعرض النسيان للذاكرة القوية، لكن الآفات المتعلقة بالكتابة أقل بكثير، خاصة
إذا وُفّق الإنسان في حفظ كناشاته وجعل لها نسخا إلكترونية.
·
علمتني
الحياة:
أن بث العلم يحتاج إلى مجاهدة كما أن تحصيل العلم يحتاج إلى مجاهدة، فبث العلم
يحتاج إلى علاقات وتنسيق، وصبر على الناس، وذهاب إليهم، وتحمل ما يعرض من مشاق،
وإعداد للمواضيع، ثم ضبطها، ثم إلقائها وتكرار ذلك للناس، وهذا كله يحتاج إلى
مجاهدة.
·
علمتني
الحياة:
أن الوصول إلى القمة سهل لكن الصعوبة في الثبات عليها، وهذا تجده واقعا في حياة
الناس، فكثيرون هم الذين يحدثونك عن الإنجازات التي حققوها في سنوات سلفت، لكن
القليل من يحدثك عن إنجازاته وأعماله الحاضرة!
·
علمتني
الحياة:
أن الناس لا تُقبِل على نتاج الشاب، لكنه إن لم ينتج في شبابه تعب في كبره، وبيان
ذلك أن الشاب إذا تكلم أو ألف لم يجد إقبال الناس عليه، لصغر سنه، وحداثة تجربته،
وقلة علمه، فهم يثقون بمن شابت لحيته في العلم، وفهم الحياة من جوانبها، لكن لا بد
أن يستمر في التعلم والإنتاج وهو شاب حتى ولو لم يجد من يقبل عليه، وذلك لأن هذه
هي السن الذهبية للعمل، فإذا كبر وتصدر أقبل الناس عليه إقبالا شديدا، لكنه لن يجد
وقتا لتحرير العلم وإنتاجه!
·
علمتني
الحياة:
أنه لا يمكن للرجل أن ينعم بزوجته ويأخذ ما يريد منها وهو يهينها ويحتقرها، فالأخذ
فرع عن العطاء!
·
علمتني
الحياة:
أن اختبارات الجدية أفضل طريق لحفظ الوقت في التعامل مع الآخرين، فهناك الكثير ممن
يطلبك أمورا لا يريدها على الحقيقة، فإذا وضعت له اختبارا أو اختبارين عرفت صدقه وحفظت
وقتك!
·
علمتني
الحياة:
أننا كثيرا ما نتمنى القرب من مشايخنا الكبار، لكن هذا القرب من آثاره فقدان حرارة
التلقي! وكم من شيخ كنت أجله وأتلقى عنه بحرارة فلما اقتربت منه رأيت ما زهدني في
الأخذ عنه!
·
علمتني
الحياة:
أن أشتغل في لقيا الناس بالسماع أكثر من اشتغالي بالكلام، لا سيما مع أهل العلم
والفضل، وذلك لأن السماع منهم يثريني ويفتح لي آفاقا أستفيد منها، بخلاف الكلام
فإني أخرج من المجلس كما دخلت، ويعينني على تطبيق هذه الفكرة أن غالب الناس لا
يحبون السماع ولا يميلون إليه.
·
علمتني
الحياة:
أن القوة لأسرة الفتاة قبل الزواج، ثم تنتقل القوة مع الفتاة إلى الزوج، وإذا لم
تستفد الأسرة من قوتها قبل الزواج -باختيار الكفؤ والحزم في ذلك-، فإنها لن تستطيع
أن تفعل شيئا بعد الزواج.
·
علمتني
الحياة:
ألا أبذل رأيي إلا لمن طلبه طلبا جازما، وذلك لأن غالب الناس لا يرى لرأيي قيمة
وإنما يسأل عنه ليزجي الوقت أو ليرد عليه!
·
علمتني
الحياة:
أن كبار السن لا يحبون الاعتراض، ولذا حاول ما استطعت أن تستجيب لهم ما لم يكن معصية،
واكتم وجهات نظرك عنهم، لأنك ستخسرهم أو يقل قدرك عندهم.
·
علمتني
الحياة:
أن أفضل علاج للفراغ وجود أهداف عالية مستمرة يسعى المرء إلى تحقيقها، ومن تحقق له
ذلك كانت سعادته عنده يتذوقها متى أرادها.
·
علمتني
الحياة:
إن إطالة السوالف مع العامة تجر إلى ما لا يحمد عقباه.
·
علمتني
الحياة:
ضرورة تحصيل الصبر، لأن المصائب تنزل بالمرء فجأة، ولا بد أن يكون عنده زاد من
الصبر وإلا وقع في الاعتراض والتسخط والحزن، ويُحصّل ذلك بقراءة نصوص الصبر وتدريب
نفسه عليه في المواقف اليومية.
·
علمتني
الحياة:
أن غالب الناس ليسوا جادين في تغيير حياتهم وحل مشكلاتهم.
هذه
أربعة وعشرون درسا، ولا تزال التجارب تعلمنا.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله الثانية عشر ليلا من يوم الثلاثاء
التاسع من ذي الحجة لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف