مدونة سنا الفكر
الجمعة، 11 سبتمبر 2026
الأوراق الدعوية (9) ستون سؤالا في أحكام الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة الأوراق الدعوية (9)
ستون سؤالا في أحكام الصلاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف رسل الله، أما بعد:
فإن للتعليم طرق، ومنها: التعليم عبر المسابقات، فهي طريقة تجمع بين الإمتاع والفائدة، وقد كتبت ستين سؤالا في أحكام الصلاة لأهميتها وضرورة مراجعتها، وجعلتها على نمط الاختيار من متعدد، ليستفاد منها في إقامة المسابقات في البيوت، والحلقات، والمدارس، والاجتماعات العائلية، والله الموفق
رابط الورقة
https://drive.google.com/file/d/1RL4vHVJU-fRXSfIvxSGvVenyFVRESiJ-/view?usp=sharing
الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
رؤى (24) ركائز المعلم
[24]
ركائز المعلم
حتى يكون حديثنا عن التعليم نافعا مؤثرا ينبغي أن يتوافر فيه شرطان:
الأول: أن يكون حديثنا فيما يعنينا، وفيما نحن مشتغلون به، فلا يتحدث المرء عن أدوار غيره وينسى أدواره، ولا يتحدث عن واجبات غيره وينسى واجباته، لأن من الملاحظات المشاهدة أنه إذا جاء الحديث عن مثل هذا الموضوع تكلم الكثير عن أدوار غيره، وهذا من صرف الشيطان له عما ينفعه، وكذلك حتى يتخلص من المسؤولية الملقاة على عاتقه، لأنه لو تحدث عن نفسه لافتضح، ونحن نريد أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة ونحاورها، ثم نحمد الله على ما أحسنّا فيه، ونعترف بما قصرنا فيه، لنطور من أنفسنا يوما بعد يوم.
الثاني: أن يكون الكلام متصفا بالواقعية، فمن أكثر الأسباب التي تحجب عن الانتفاع بالحديث أيا كان مجاله: أن يكون حديثا خياليا، ينطلق من تصورات من لا يعرف الواقع ولم ينزل إليه، وكثيرا ما نتعب عندما ندعى لحضور بعض الدورات التدريبية فنجد أن المدرب يسبح في التنظير لأشياء لا يمكن أن تطبق في الواقع، ويزيد الطين بلة إذا كان يعرف هذا لكنه يكابر، أو ليس عنده وقت للإعداد الجيد! مع التنبيه إلى أن العيش الدائم في الواقع دون الاستفادة مما نظَّر له المنظرون وانتقاء الجيد منه مشكلة أيضا، فنحن نريد أن نكون متوسطين بين من ينظّر من أبراج عاجية، وبين من يبقى مرتهنا للواقع دون أن يعلو بالتعلم والاستفادة، وسأكتب عدة مقالات في التعليم، وهي موجهة للمعلمين وهذا أولها.
يتشابه المعلمون الموفقون في عنايتهم بجملة من الركائز الأساسية، فهي قواعد يبني عليها كل معلم نفسه، ثم يختلفون بعد ذلك في التفاصيل، فما هي تلك الركائز يا ترى؟ نتناولها في مقالنا هذا بالشرح والبيان.
الركيزة الأولى: الإخلاص لله تعالى:
يتعامل كثير من المعلمين مع الوظيفة على أنها مصدر للرزق الدنيوي، بينما يتعامل معها القلة على أنها مصدر للرزق الدنيوي والأخروي! ويكون ذلك بالنظر إليها على أنها عبادة، وبإخلاص النية فيها، وإحسانها وإتقانها.
والحقيقة أن الإخلاص في الأعمال التي يتعدى نفعها للناس أصعب منه في الأعمال القاصرة على الإنسان، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الإخلاص في النفع المتعدي أقل منه في العبادات البدنية، ولعل تعليل ذلك أن حظ النفس في العمل المتعدي أوفر، فالناس ينظرون إليك طيلة العمل، ويثنون عليك، ويعجبون بك، وقد تعمل شيئا تظنه خفيا وإذ بأحدهم قد رآه ونشره وأثنى عليه، ولذا فالمرء بحاجة إلى مجاهدة نفسه على الإخلاص لله تعالى، والاهتمام بهذا الموضوع قراءة وعملا، ومما يعين على ذلك استحضار النصوص الواردة في فضل التعليم، وأن المعلم لا ينالها إلا بإخلاص نيته وتعليمه ما ينفع، ومنها:
· قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له).
· وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:(مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ).
وتجدر الإشارة هنا إلى أمر هام وهو الحاجة المستمرة لتعاهد النية وتفقدها، وذلك لأنها كثيرة التقلب والتغير، وتمر بها العوارض المختلفة، فتتبدل وتتغير، كما أن التعليم قد ينقلب مع الأيام من عبادة إلى عادة، فإذا تعاهد المعلم نيته عادت إلى طريقها الصحيح.
الركيزة الثانية: العناية بالأوراد العبادية:
قال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية -رحمهما الله-: "وحَضَرتُه مرَّةً، صلَّى الفَجرَ ثم جلَسَ يذكُرُ اللهَ تعالى إلى قريبٍ مِنَ انتِصافِ النهارِ، ثم التَفتَ إليَّ، وقال: هذه غَدْوتي، ولو لم أتغَدَّ الغَداءَ، سقَطَتْ قُوَّتي"، فمن أسباب قوة المعلم ونشاطه عنايته بأوراده العبادية من قراءة القرآن، وقيام الليل، وكثرة ذكر الله وغيرها، ويتعجب كثير من المعلمين من بعض زملائهم الذين يعملون بنشاط وقوة مع همة وسعادة، ويعزون هذا لأسباب مادية، وما دروا أن السر في العبادة، يقول الضياء المقدسي: "أوصاني شيخي فقال: أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه، فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ، فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأت كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي".
الركيزة الثالثة: حسن الخلق:
الأخلاق الحسنة سبب في محبة الله لعبده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا)، والأخلاق الحسنة من أسباب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إنَّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا)، ومكارم الأخلاق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق)، والأخلاق الحسنة تضاعف الأجر والثواب، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار).
إن مما يؤسف له أن تجد بعض المعلمين يتطاول على طلابه بلسانه، فيسب، ويشتم، ويلعن، ويهين، لا لشيء إلا لأنهم أصغر منه، وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان حسن الأخلاق مع الصغير قبل الكبير، والبعيد قبل القريب، والأنثى قبل الذكر، فليس هناك استثناء في الأخلاق.
وكثيرا ما يتناقش المعلمون عن أسباب التأثير على الطلاب من جهة، وضبطهم من جهة أخرى، ويغيب عن أذهانهم أن حسن الخلق أهم الأسباب التي تحقق الأمرين، فإذا وجد الطالب منك احتراما لشخصه، وصبرا على زللــه، وثناء على صوابه، ورحمة بضعفه، وحزما عند خطائه، أحبك وقبل منك.
الركيزة الرابعة: جمال الظاهر والباطن:
فإن النفوس تحب الجمال وتهواه، فجمال باطنك يأسر القلوب، وجمال ظاهرك يأسر العيون، والمعلم المؤثر يلبس الجميل، ويتعطر بالزكي، ويراه الطلاب في هيئة جميلة، والدافع لهذا التجمل أمور:
1. أنه داعية، والداعية يكون في أجمل أحواله، قال الله لنبينا في أوائل ما نزل عليه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}.
2. حتى يرتبط جمال المظهر في أعين الطلاب بجمال العلم.
3. أن هذا التجمل يكسب العلم وقارا وهيبة، فقد كان الإمام مالك يُعنى بلباسه عنايةً تامةً، ويَرى بذلك إعظامَ العلم ورفعةَ العالم، ويقول: "إن مروءة العالم أن يختار الثوبَ الحسنَ يرتديه ويظهر به، وأنه ينبغي ألا تراه العيون إلا بكامل اللباس حتى العمامة الجيدة"، وقد كان يلبس أجود اللباس وأغلاه وأجمله.
4. أن الطلاب عموما والمراهقين خصوصا يحبون التجمل، ويلاحظونه في الآخرين، ويؤثر فيهم من هذه صفته أكثر من غيره.
الركيزة الخامسة: التمكن العلمي:
من أهم أسباب قوة المعلم وتأثيره على زملائه وطلابه: تمكنه من تخصصه ومن مادته التي يدرسها، والمعلمون يتفاوتون في ذلك، فمنهم من هو متمكن في كامل التخصص -وهذا أفضلهم-، ويأتي هذا غالبا من محبة المعلم لتخصصه وعنايته المستمرة به، ومنهم من هو متمكن في مادة الكتب التي يُدرّسها مع معرفة عامة بالتخصص -وهذا على خير كبير-، ومنهم من يفقد الإتقان حتى للمناهج التي يشرحها وهذا أضعفهم -والله المستعان-، ومن يرى أحوال بعض المعلمين الذي لا يستشعرون الأمانة التي يحملونها يتألم كثيرا، فتجد من يقضي سائر الحصة في السوالف مع الطلاب، وآخر يطلب من أحد الطلاب أن يقرأ الدرس ثم يعلق دقائق معدودة ويقضي باقي الوقت على جواله، وثالث يعرض أجوبة أسئلة الكتاب ويطلب من الطلاب أن يُشغلوا الحصة بكتابتها دون فهمها! ويلجئ بعضهم لتضييع الحصص والتأخر عنها وترك الشرح طيلة الفصل ثم يغدق الدرجات على طلابه حتى يسكتوا عنه! وهذا كله خيانة لأمانة التعليم!
الركيزة السادسة: تعلم صناعة التعليم:
مهنة التعليم تتفق مع سائر المهن في أمور ثلاثة:
أولهــــــــا: أنها مهنة لها فنون وقواعد، ويمكن تعلمها واكتسابها.
وثانيها: أنه يشتغل بها الراغبون والمجبرون.
وثالثها: أن المتقن لها يجذب الناس إليها ويحببهم فيها.
وبناء على هذا فندرك أن التعليم صناعة، بل هو أشرف المهن والصناعات، وهذه الصناعة بحاجة إلى تعلم، وذلك حتى يكون المعلم صانعا ماهرا، وتكون صناعته ذا جودة عالية، وبهذا يقوم بسبب يجلب له محبة الله تعالى، فعن أم المؤمنين عائشـــة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) ، فالمعلم المؤمن القوي يخرج لنا طلابا مؤمنين أقوياء، والمعلم الضعيف يخرج طلابا ضعافا، وتعلم أسس التعليم وقواعده ومهارات سهل اليوم بحمد الله تعالى من خلال الكتب والدورات، فقط يحتاج المعلم إلى الصدق والاجتهاد.
الركيزة السابعة: الاجتهاد:
المعلم المؤثر جاهز للعطاء دائما، فمنذ أن يخرج من بيته وهو مستعد للتعليم والتربية والنفع، فعلمه حاضر، وأفكاره كثيرة، وأساليبه متنوعة، وأدواته مكتملة، فهو يبذل في حصصه الأساسية وحصص الانتظار، ويعلم طلابه داخل الفصل وفي الفسحة وبين الحصص، بخلاف ذلك المعلم الكسول الذي يترك الشرح في الأسبوع الأول، ويوم الخميس، وقبل الإجازة، وبعد الإجازة، ويتذمر من دوام الأحد لثقله! ومن المواقف في ذلك: أن أحد الزملاء كان يتذمر من دوام الخميس وأنه من المفترض أن يكون إجازة، ثم تذمر ثانية من يوم الثلاثاء لأنه كان يسبق إجازة لمدة أربعة أيام، ثم جاء يوم الأحد ودخل علي مهموما وهو يقول: "دوام الأحد ثقيل ليتهم ألغوه لثقله" فضحكت ضحكة شديدة، ولم أستطع الرد عليه وهو مستغرب من ضحكي، فهذا المعلم يريد باختصار أن يأخذ راتبا وهو نائم في فراشه! ومن صور عدم الجاهزية من ينتظر امتلاء الفصول وحضور جميع الغائبين! فإن رأى غيابا أجّل درسه، وهكذا هو في رحلة من التأجيل!
الكلفة النفسية للكسل أكبر من كلفة النشاط، فالنشيط جاهز دائما، ويعمل دائما، فهو مرتاح، لكن الكسول ينشط الأحد والاثنين والثلاثاء، ويحمل هم الخميس من يوم الأربعاء ثم يدخل في حيرة، هل سيأتي الطلاب فيشرح أم يغيبوا فيؤجل؟ وإذا حضروا فكم العدد الذي سيشرح إذا وجدهم؟
الركيزة الثامنة: البناء المتكامل للنفس:
هذه النفس التي بين جنبيك إن رمت إلى بنائها فأنت بحاجة للعناية بستة جوانب، وكل ما سواها عائد إليها، وهذه الجوانب هي:
- أولا: الجانب الإيماني: وهو يتعلق بمعرفتك بالله عز وجل وعنايتك بعبادته من خلال أعمال القلوب وأعمال الجوارح.
- ثانيا: الجانب العلمي: وهو يتعلق بتحصيل المسلم للعلم الشرعي، سواء أراد أن يبلغ فيه مبلغا أو أراد تحصيل العلم الضروري الذي لا يعذر بجهله.
- ثالثا: الجانب الدعوي: وهو يتعلق بمشروعك في خدمة الإسلام أيا كان، فلفظة الدعوة هنا بمعناها العام لا الخاص.
- رابعا: الجانب الجسدي: وهو يتعلق بعنايتك بصحتك الجسدية والنفسية.
- خامسا: الجانب الاجتماعي: وهو يتعلق بقيامك بحقوق أهل بيتك من زوجة وأولاد، وحق الوالدين والإخوة، والأقارب والأرحام.
- سادسا: الجانب المهني: وهو يتعلق بإتقان معلومات ومهارات الوظيفة التي تعمل فيها، ويشمل كذلك المهارات المالية من الادخار وغيره.
ومن المهم هنا أن يدرك المعلم:
- أنه ينبغي أن يكون بناؤه لنفسه شموليا متكاملا.
- وأن جميع الجوانب مؤثرة على بعضها.
- وأن نجاحه في العمل وحده ليس نجاحا كاملا.
الركيزة التاسعة: الصبر:
ميدان التعامل مع النفوس والتأثير فيها قائم على المجاهدة اليومية، فليس هناك نتائج واضحة كما هو في التعامل مع الآلات، فالمعلم كالصياد يخرج صباحا من بيته مصطحبا أدواته وهو يدعو الله بأن يعظم له الرزق، ثم يذهب باذلا ما استطاع من جهده في المدرسة ولا يدري ما هي الحصيلة التي سيخرج بها آخر اليوم؟ والعملية التعليمية قائمة على التراكم، فأنت تضع البذرة، ثم تسقيها، ولا تدري متى تثمر، فقد ترى الثمرة، وقد لا تراها، وغالب الثمار لا تراها، ولذا فأنت تجزم بوجود الثمرة لكنك لا تدري عن وقتها، المهم أنك معلق بالأجر الأخروي فهو دافعك للثبات والاستمرار.
الركيزة العاشرة: تأديب الطلاب:
من الأخطاء التي يقع فيها بعض المعلمين -هدانا الله وإياهم- أنه يظن نفسه مسؤولا عن علم الطالب فقط أما أدبه وتربيته فلا تهمه وهذا فهم مغلوط، لأن المعلم مرب قبل أن يكون معلما، فإذا رأى من يدخل الفصل بلا استئذان، أو يرفع يده اليسار، أو يسب زميله ويلعنه، أو يعطس دون أن يحمد الله، أو يأخذ شيئا من زميله دون أن يشكر، فلا يسمح لهذه المواقف أن تمر دون نصيحة وتوجيه لطيف بأسلوب حكيم، وقد يستعمل أسلوب "ما بال أقوام"، والحديث في ذلك طويل طويل، لكن المهم هنا بيان أنها من ركائز المعلم.
هذه الركائز العشر للمعلم المؤثر، وفقنا الله وإياكم للقيام بحق هذه المهنة.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الخامسة مساءً من يوم الجمعة
التاسع والعشرون من ربيع الأول لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف
رؤى (23) خلاصة العريس
[23]
خلاصة العريس
كثير من الناس لا يهتم بالثقافة الزوجية إلا إذا عقد وقرُب زواجه، وإذا عقد لم يكن عنده الوقت الكافي للتعلم والتأسيس، وترك التعلم بالكلية مشكلة، والدخول للزواج خالي الذهن مشكلة أخرى، ولذا جاءت فكرة هذه الخلاصة والتي تقدم للمقبل على الزواج الخطوط العريضة التي يحتاجها لا سيما أول أمره، فيعمل بها حتى يتزوج ثم يشرع في تأسيس ثقافته الزوجية، وأذكر قبل زواجي أنني كنت أطلب من بعض من أتوسم فيهم العقل والتجربة وصاياهم الزوجية فلم أجد ما يشفي الغليل، وهذا من الأسباب الدافعة لهذه الخلاصة.
· أولا: مقدمات الخلاصة:
المقدمة الأولى: الحاجة إلى التعلم
لهذه الحياة قواعد، من عرفها وعمل بها سعد وأسعد، ومن تلك القواعد: كل شيء يُتعلم، فكل ما يخطر على بالك وما لا يخطر من أمور الحياة يمكن تعلمه، لكن أين المتواضع للعلم الراغب فيه المتحمس له؟!
والحياة الزوجية فرع من فروع هذه القاعدة فمن اكتسب الفقه الأسري والثقافة الزوجية وصل إلى مراده -بإذن الله- من السعادة والتوفيق، وتجاوز كثيرا من الأخطاء، وسلم من الأخطاء الكبرى التي يصعب حلها ولا تمحى آثارها من النفوس، والعكس بالعكس تجد من يتكبر عن التعلم غالبا لا يصل إلى الحياة التي يريدها، ويقع في كثير من الأخطاء التي وقع فيها من قبله وكان يمكنه تجاوزها.
ومن الدوافع للتعلم أيضا: أن كثيرا من الأبناء ينقلون ما رأوه من والديهم ليطبقوه مع أزواجهم، والمشكلة أن كثيرا مما يرونه ويعيشونه ليس ناضجا، فتكون تصوراتهم عن الأسرة مشوهة.
الجدير بالذكر هنا أن التعلم يكون قبل الزواج وبعده، فحاجة المتزوج للتعلم قبل الزواج من جهة تكوين التصورات الصحيحة، ومعرفة القضايا الرئيسية والتوجيهات الأساسية، وتكون الحاجة بعد الزواج للربط بين التجربة العملية والمعلومات النظرية، والتأسيس التفصيلي لكثير من الملفات والموضوعات.
المقدمة الثانية: طريقة التعلم
تعلم المتزوج نوعان:
النوع الأول: التأسيس المتكامل، ويحتاج بعد عون الله إلى أمرين:
o أحدهما: معرفة الخارطة الصحيحة والمنهج القويم، وذلك لأن الغبش في باب الأسرة كبير، ولا يدري الداخل إلى هذا الفقه ماذا يحتاج؟ وكيف يصل إليه؟ وقد كتبت مقالا في جواب هذا السؤال أسميته: "خارطة الثقافة الزوجية"، تجده في مدونتي.
o والآخر: وجود أستاذ يرشد في عملية التعلم ويجيب عما يطرأ من إشكالات.
النوع الثاني: ضبط الخطوط العريضة، وهو مرادنا في هذه الخلاصة، ولا يغني الثاني عن الأول، بينما يغني الأول عن الثاني.
المقدمة الثالثة: أقسام الناس في الزواج
ينقسم الناس في الزواج من حيث السعادة إلى قسمين:
القسم الأول: سعداء في حياتهم، وهؤلاء يسعدون في بيوتهم، ثم يسعدون خارجها.
القسم الثاني: أشقياء في حياتهم، وهؤلاء يشقون في بيوتهم، ثم يشقون خارجها.
وذلك لأن لأسرة المرء أثر بالغ عليه قبل الزواج وبعده، فقبل زواج الأبناء تجد الأسر المضطربة تخرج أبناء مضطربين وأحيانا منحرفين، والأسر المستقرة تخرج أولاداً مستقرين ناجحين، وبعد زواج الأولاد إذا لم يوفق الزوجان اضطربت حياتهما داخل البيت وخارجه، والفرق بين البيتين أن المرء ليس له أثر كبير في والديه، بينما له الأثر الكامل بعد زواجه، ولكل شيء ثمن، فثمن هذه السعادة ما يبذله الزوج لأجلها، وأنى له أن يذوقها ولم يدفع ثمنها، وهذا من أكبر الدوافع على التعلم، لأن التعلم يقودك إلى أن تكون من السعداء في حياتهم الزوجية.
· ثانيا: وصايا الخلاصة:
1- أكثر من دعاء الله سبحانه واسأله التوفيق، فقد قال جل وعلا: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ}، وقال تعالى: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}، وقال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}، وقال تعالى: {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي}، وقال تعالى: {لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، فهذه الآيات توقفك على حقيقة جلية وهي أن لا شيء لولا الله تعالى، وأنك محتاج إليه غاية الاحتياج في كل نفس من أنفاسك، ولذا توجه إلى الله واسأله كل ما تريد، ومن ذلك التوفيق في الحياة الزوجية.
2- أحسن نيتك في هذه العبادة، فالزواج عبادة لا عادة، وعلى قدر نيتك تنال من الأجر، فإذا كانت نية المتزوج أن يعف نفسه وزوجه، ويقتدي بخيرة الخلق، ويحقق أمنية النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الأمة، ويخرج أبناء صالحين يوحدون الله عز وجل فهنيئا له الأجور.
3- نظرتك للزواج تحدد تعاملك معه، فكيف تنظر للزواج؟ هل تراه الزواج سكنا أم عبئا؟ فمما يخفى على كثير من الأزواج أن السعادة تبدأ من النظرة، ولذا صحح نظرتك أولا ليصح عملك بعدها، والنظرة القويمة هي أن ترى الزواج سكنا، وكيف يكون الزواج سكنا؟ هذا سؤال كبير ينبغي أن يشغلك بحثا، وتأملا، وسؤالا، وقراءة، وقد أجبت عنه في مقال لي بعنوان: "لم فقدنا السكن؟" فأعطه حقه من القراءة والتأمل، لأن فيه خلاصة مركزة.
4- اعتن ببناء المودة، وهي أهم قضية تبدأ بها، فالسكن المعنوي يبنى كما يبنى السكن الحسي، وقاعدة ذلك المودة، وهي أهم ما تشتغل به أول الزواج، ولها أسباب:
o أولها: كثرة السوالف، ولذا فالمقبل على الزواج يُنصح بأن يكون زواجه في الإجازة، حتى يجد وقتا كبيرا يمكثه مع زوجته، وقد سعدت لما قرأت كلاما لابن عثيمين يؤيد فيه هذا الرأي.
من تزوج في الصيف استطاع أن يقضي وقتا كبيرا في السوالف، ويتمكن من كثرة الجماع والنوم والراحة، أما المتزوج في أيام العمل فإنه يجد صعوبة في تأسيس الحياة الزوجية، فيقل حديثه وتقل المودة تبعا لذلك، ولا يستطيع أن يأخذ الرجل حظه من الجماع، وكثير من الرجال يعتقد أن الفراغ أول الزواج عبأ وما درى أنه ميزة، وفي السوالف إشارات:
§ الأولى: أن السوالف طريق لكسب المودة ولتربية الزوجة، فالمرأة تحب الحديث كثيرا، ومن خلاله يمكن أن توصل لزوجتك ما شئت من القناعات والمفاهيم والأفكار والأحكام.
§ الثانية: جاهد نفسك على محبة السوالف مع زوجتك ولا تتململ حتى وإن كانت أحاديثها غير مفيدة، لأن طبيعة المرأة أنها عاطفية لا عقلانية مثلك.
§ الثالثة: هناك موضوعات تتعلق بك وأنت محتاج لترسيخها في زوجتك وإقناعها بها، كـــ "مكانة الزوج، والفرق بين شهوة الرجل والمرأة وغيرها"، وستتقبل منك زوجتك الحديث فيها بشروط:
· أن تتحدث عن حقوقها وما يهمها كما تتحدث عن موضوعاتك.
· وأن تتحدث بعلم لا بجهل وهذا يتطلب الفهم والإعداد.
· وأن يكون حديثك فيها رفيقا لا عنيفا.
· وأن يكون حديثك قليلا، لا كثيرا.
§ الرابعة: حدّث زوجتك عن مواقفك اليومية، فإنها تسعد بذلك كثيرا، وتفهم الحياة من خلال فهمك وتصورك، ولا تقل هذا حديث لا فائدة منه، فالمرأة عاطفية كما قدمنا، وكثير من النساء اليوم تتابع يوميات الرجال وتسعد بذلك -ولا شك في خطأ من يفعلن ذلك-، لكني أسوق هذا لإقناعك بالفكرة.
o وثانيها: حسن الخلق: فإحسانك إلى زوجتك بأقوالك وأفعالك من أهم أسباب المودة، ومن الكتب النافعة في ذلك: كتاب "اللمسات الحانية في بيت النبوة"، للشيخ عبد اللطيف الغامدي.
5- من طبيعة المرأة أنها تطيل الصمت أول الزواج، وذلك لأنها لا تعرف الرجل، وهي خائفة من أن تقع في الزلل معه، ولذا تبقى صامتة وتدقق في أقواله، وأفعاله، وتصرفاته، ومشاعره، واختياراته، وهذا أمر طبيعي، وجملة من الرجال يستغربون هذا الصمت ولا يفهمونه! وقد يقابلونه مقابلة خاطئة كأن يصمتوا هم ويقول الواحد منهم: أصمت كما تصمت! وكأن زوجته متعمدة، أو يعاتب زوجته كثيرا على صمتها، وهذا ناتج عن عدم الفهم.
6- رفقا بالقوارير، إياك والعنف، واعلم أنك ستأخذ كثيرا مما تريد بالصبر، واللطف، والتعليم، والتلميح، فالبصبر تنال كل مراداتك، وأكثر ما يقع فيه المتزوجون العجلة، وهذا مخالف لسنة الحياة، ومن التصورات الخاطئة عند بعض الرجال: اعتقاده أنه يستطيع أن يأخذ بالعنف كل ما يريد، وهذا خطأ ووهم، وذلك لأنه قد ينال بعض حقوقه أو كثيرا من حقوقه على الحد الأدنى، لكنه لن ينالها على الحد الأعلى، فضلا عن أن ينال الفضل.
7- ابدأ حياتك في الأمور المادية من الأدنى، كالنفقات والهدايا والتأثيث، فلا تؤثث بيتك أثاثا غاليا أول مرة، ولا تبدأ في النفقات بكثرة وسخاء، ولا تهدي بعد الهدية الأولى هدايا غالية، وإنما ابدأ من الأدنى في كل ذلك، فاجعل أثاث بيتك متوسطا، يناسب إمكانياتك، وابدأ نفقاتك بالقليل، واجعل الهدية الأولى غالية، ثم اختر هدايا متواضعة السعر، وذلك لأن الحياة طويلة، وستحتاج مع الأيام أن تغير أثاثك، وتزيد نفقاتك، وتكثر هداياك، فإذا بدأت من أسفل السلم سهُل عليك الصعود، وإذا بدأت من أعلاه سقطت من عليه!
8- اتفقا على عدم إخراج أسرار البيت عموما والمودة -ومنها العلاقة الخاصة- والمشكلات خصوصا، فما يكون في دائرة الحب لا يخرج، وما يكون في دائرة الخلاف لا يخرج، أما الدائرة العامة التي بينهما فلا بأس في خروجها، فتخرج الأمور العامة التي لا يُعرف منها حجم المودة والخلاف بين الزوجين، مع أهمية الصبر على ما يحدث من أخطاء لأن الزوجة قد تُخطأ في تقدير الأمور الداخلة في الدوائر، وقد يزل لسانها لمن تحب، كما أن الزوج قد يخطأ أيضا في هذا الأمر، وسبب الوصية بالسرية في الدائرتين هو المحافظة على أركان البيت حتى لا يستطيع أحد أن يهدها، فمن أخرج الدائرتين فبيته من زجاج، ومن أخرج العامة فقط فبيته من طوب، والأسر السعيدة هي التي تخفي الدائرتين، فيستمتع الزوجان ببعضهما دون علم الناس، وينهيان ما بينهما من خلاف دون علم الناس أيضا، وقد يظن بعض الأزواج أن إخراج المشكلات يعين على حلها، لكن الحقيقة في ثلاث:
o الحقيقة الأولى: أن المشكلات يسهُل حلها بين الزوجين، وتصعب إذا خرجت، وذلك لأن الأطراف إذا كثروا كثر التحريش واللغط.
o الحقيقة الثانية: ينسى الزوجان ما يقع بينهما من المشكلات لكن الناس لا ينسون، وإذا خرجت المشكلات ظلوا يُقيّمون الزوجين من خلال المشكلة التي عرفوها، وتجدهم دائما يسألون عنها.
o الحقيقة الثالثة: أن بينك وبين زوجتك من المصالح ما ليس بينك وبين أهلها، وبينها وبين أهلك، ولذا يقع الخلاف أحيانا فتحتاج لها أو تحتاج لك فتصطلحان، وهذا ما لا يفهمه كثير من كبار السن.
o الحقيقة الرابعة: لحل المشكلات الزوجية قواعد أهمها: (الدعاء، والصبر، والحوار، والرفق، وفهم المشكلة، وفهم الشخصية، وحسن الظن، وتأجيل ردة الفعل).
9- الحياة الزوجية تقوم على حائين، حاء الحب وحاء الحزم، فمن أراد كسب زوجته فليجمع في تصرفاته بين هذين، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصب الحب على زوجاته صبا، لكن حازم في المواقف التي تحتاج إلى حزم، واقرأ فصلا نفيسا جاء في كتاب "كيف عاملهم" للمنجد، في هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته لتدرك خمسين حالا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، منقسمة على الجانبين، ومن أتقن هذا الفصل دخل إلى الحياة الزوجية وهو يعرف كيف يتعامل مع زوجته في مختلف الحالات ولم يقع في الحيرة التي يقع فيها كثير من الرجال، يجدر هنا التنبيه على أمور:
o الأمر الأول: أن التوازن بين الحب والحزم لا يكون بأن تعطي كل منها 50%، فهذا لا يمكن، لأن أحدهما سيغلب، والصواب أن تكون الغلبة للحزم، فللحب 45%، وللحزم 55%.
o الأمر الثاني: تحتاج كل فترة أن تراجع نفسك في نسبة الأمرين وتعيد ضبطهما، لأنك مع مواقف الحياة ستجد أنك تزيد نسبة الحب أحيانا وتزيد نسبة الحزم أحيانا أخرى.
o الأمر الثالث: فرق بين الحزم والعنف، فالحزم هو أخذ الأمور بجد، والحزم مع الزوجة ليس من الإساءة لها وإنما من طرق تأديبها وتقويم سلوكها، فمثلا: تتمنع الزوجة كثيرا من الجماع أول الزواج ولا ترغب فيه، فإذا لم يحزم الرجل في هذا فهمت المرأة أن الجامع ليس ضروريا ولا يحتاجه الرجل كثيرا، ثم ظل هو يتألم طيلة حياته، وهناك الكثير من الأمور التي تتذمر الزوجة منها، لكنها مع الأيام إذا حزم زوجها فيها رأت ما في الحزم من الخير وسُرت بذلك.
10- اجعل قضية تعليم زوجتك من أولوياتك، لأن زوجتك كلما علا علمها وفهمها، انتفعت بذلك في تعاملك معها، وانتفعت في حسن تربيتها لأولادك، وفي هذه الوصية إشارات:
o الإشارة الأولى: تعليمها يستلزم أن تتعلم أنت أولا ثم تعلمها، ولا يصح أن تأمرها بالتعلم ولا تكون قدوتها في ذلك.
o الإشارة الثانية: تعليمها يكون من خلالك، فأنت الذي تباشر تعليمها وتفهيمها.
o الإشارة الثالثة: تعليمها يشمل ما تحتاجه من العلوم الشرعية، والعلوم الأسرية والتربوية.
o الإشارة الرابعة: المراد بالتعليم ما كان حقيقيا له أثر، أما نيل الشهادات فهو أسهل ما يكون اليوم لكن ليس له قيمة كبيرة على أرض الواقع.
o الإشارة الخامسة: تعليمها يشمل أمران:
§ تربيتها بالمعايشة.
§ إقامة درس ثابت لها.
11- أبعد زوجتك عن أمك إذا تيسر لك ذلك، لأنهما إذا اقتربتا من بعضهما كثرت الخلافات بينهما، فالأم تغار من زوجة ولدها أحيانا، وتشعر بأن هذه الغريبة قد سيطرت على ولدها وامتلكته! وأحيانا يكون القرب سببا في رغبة الأم في توجيه ولدها في تفاصيل حياته الزوجية، وتقابل هذه الرغبة برغبة الزوجة بأمور مغايرة فيقع الخلاف! وقد ترى الأم بعض ما كانت تتمنى حصوله لها أو تنشر ما تراه بين ولدها وزوجته فيقع الحسد، وهذا النوع من المشكلات يصعب حله، فالوقوف مع أحدهما يفقدك الآخر، والوقوف في المنتصف يفقدك الطرفين!
12- اعرف كيف يتحقق الاستقرار في الحياة الزوجية لئلا تخطأ الطريق، فمن الطبيعي أن تكثر المشكلات في بداية كل علاقة عموما، وفي الحياة الزوجية خصوصا، فلكل طرف شخصية، وثقافة، وطريقة، ومستوى في التدين والخلق، بالإضافة إلى أن الطرفان يدخلان إلى حياة جديدة لم يعتادا عليها، ولذا لا تستغرب المشكلات ولا تظن أنها دليل على سوء الطرف الآخر، بل هي حالة طبيعية تحصل في كل علاقة جديدة، والتعامل الأمثل معها هو حلها بالهدوء وكثرة الحوار، فنحن بحاجة إلى نترفق بأنفسنا، ونكثر من الحوار لنفهم بعضنا ونتفق على تفاصيل حياتنا، وقد يتساءل البعض فيقول: لم تكثر الخلافات أول الزواج؟ والجواب: أن ملفات الحياة كثيرة: (الطعام والشراب، التعامل، النوم، الشراء والميزانية، التعامل مع الأهل، الحمل وما يلحق به، إكمال الدراسة، السفر، الوظيفة، اختيار الأصدقاء ووصلهم.... إلخ)، وفي كل ملف قضايا كثيرة، وكل خلاف تناول لقضية من قضايا أحد الملفات، وكم نحتاج لتناول القضايا الرئيسية في كل الملفات؟ ربما نحتاج من خمس إلى سبع سنوات، فهذه الفترة التي يتحقق فيها الاستقرار -بإذن الله-، واعلم -أيها الموفق- أن الخلافات نوعان: إيجابية وسلبية، فالإيجابية هي التي تقع لأول مرة، أو وقعت من قبل وحاولنا حلها لكنها لم تُحل بعد، والخلافات السلبية هي الخلافات التي حللناها لكنها لا تزال تتكرر، وكثيرا ما يقع الخلط بين الأمرين ثم يحصل سوء الظن!
13- من الأمور الضرورية أن يعتني الزوج من أول حياته بالادخار قدر المستطاع، لأن المال قد يكون عنده كثير والمتطلبات قليلة، فليس عنده أولاد يأخذون من المصاريف ما يأخذون، والحياة كلما تقدمت صعبت، ولذا كن ذكيا في توفير المال وعدم تبديده على أمور لا فائدة منها بل قد تكون محرمة، كالتوسع في ليلة الزواج، والسفر للبلاد التي تكثر فيها المنكرات، فيجتمع على المرء الإثم مع ذهاب المال، فيكون خسر دينه ودنياه.
14- للرجل خصائص وللنساء خصائص، ثم لكل شخص نمط من أنماط الشخصية، تعرف على خصائص الجنسين عموما، وعلى نمط زوجتك خصوصا، لأن هذه المعرفة ستختصر عليك الكثير في التعامل.
15- يتساءل المتزوجون من طلاب العلم عن كيفية التحصيل مع الزواج؟ والجواب: المحافظة على رأس المال أولى من زيادته، فأهم ما تعتني به المراجعة، ولو لم يحصل لك في أيامك الأولى إلا المحافظة على محفوظاتك وشروحاتك لكانت نعمة كبيرة، فإن تيسر وقت للزيادة بعد ذلك فلا مانع، لكني أوصيك بأن تعطي زوجتك أول الزواج وقتا كبيرا لتأسيس المودة كما اتفقنا، وتجعل ساعة في اليوم أو ساعتين للعلم ولا تزد، إلا إذا انتهى الشهر الأول أو قارب فتعود للتحصيل تدريجيا.
16- اتخذ حكيما لاستشارته فيما أشكل عليك، ويقابل هذا من يحتقر الاستشارة ويغتر بنفسه، ومن يتخذ أحمقا لاستشارته، فكلا الطرفان لا يفلح، ومما لاحظته أن جملة من الأزواج لا يلجأ إلى المستشارين إلا بعد أن تمضي سنوات يجرب فيها كل الحلول التي يعرفها ولا يجد الأثر الذي يريده، فيذهب للمستشار بحثا عن الحل بعدما أفسد في حياته ما أفسد، وقد يكون الانتفاع بالاستشارة حينها قليلا بسبب كثرة الأخطاء التي ارتكبها.
هذا ما تيسر ذكره في خلاصة العريس، سائلا الله التوفيق لكل زوجين إلى ما يحب ويرضى.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الثانية عشرة من ليلة الخميس
الثامن والعشرين من ربيع الأول لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف
-
[١٢] ما الموقف من الأحداث الكبرى؟ المقدمة الأولى كل أحد يتمنى في هذه الدنيا أن يعيش حياة هادئة مستقرة، وأن يتفرغ لتحقيق ملذاته...
-
[18] أزاهير وريحان من سيرة الودعان أنعم الله علي بمعرفة شيخي المبارك عبد الرحمن بن فهد الودعان -حفظه الله تعالى- في شهر صفر من عام 1443ه...
-
[١٣] منهجية بناء الدعاة أثنى الله على عباده الدعاة إليه فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَ...




