السبت، 2 مايو 2026

رؤى (16) أدب البلاء

[16]

 أدب البلاء

التقيت بعد الإجازة الصيفية بأحد الفضلاء فرأيته وقد أصابه الذبول وظهر عليه، فسألته: خيرا إن شاء الله؟ فقال: ماتت أمي بداية الإجازة الصيفية، ومكثت من ذلك اليوم إلى اليوم في غرفتي أبكي، لم أخرج لأحد، ولم أحضر شيئا من المناسبات، ولم أتنزه، ولم أقم بشيء من شؤون أهل بيتي! وقد أصابني الاكتئاب وأنا في حالة نفسية سيئة، فجلست معه وحاولت أن أدله على بعض ما يعينه على الخروج من هذه الحالة ثم مضيت.

الابتلاءات تنزل بالناس جميعا في هذه الحياة الدنيا، لكنهم يختلفون في التعامل معها، منهم من يملك قواعد التعامل مع البلاء، ومنهم من لا يملك هذه القواعد ويسعى للاجتهاد في التعامل معه، وغالبا هذا الذي يجتهد لا يوفق، لأن العلم نور، ولأنه في حالة نفسية لا تسمح له بتحكيم عقله وإعماله، ولذا من النافع أن نتحدث عن أدب التعامل مع البلاء في هذه الوريقات:

1-   استشعر أنك في داء ابتلاء، قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وقال سبحانه: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}، فهذه الدار قائمة على الابتلاء، وهذا مفتاح فهم الدنيا، من عرفه لم يستغرب من نزول المصائب ونجح في التعامل معها، ومن أسباب شدة وقوع الحزن والألم على المبتلى: ظنه بأن الدنيا دار نعيم، فيستبعد نزول المصائب عليه، من موت أحبة، أو إصابة بالأمراض، أو نقص في الأموال، وتجد في بعض عبارات الناس من يقول: لم أكن أتوقع أن يموت أبي أو تموت أمي! ولم أكن أتوقع أن يذهب مالي! أو لم أكن أتوقع أن يصيبني كذا وكذا من الأمراض! بينما الموفق يستعد للبلاء قبل أن ينزل ويرضى به إذا نزل، فيربي نفسه على أن الابتلاء بمختلف صوره قد ينزل به ولا يمنع من ذلك شيء، ثم إذا نزل شيء منها يكون صابرا راضيا بتقدير الله سبحانه.

2-   افزع إلى الصلاة إذا نزل بك البلاء، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، عن عبد الله ابن مسعود قال: "لما التقينا يوم بدر، قام رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُصلِّي فما رأيتُ ناشداً ينشد حقاً له أشدَّ من مناشدة محمد -صلى الله عليه وسلم- ربَّه، وهو يقول: اللَّهمَّ إني أنشدك وعدَك"، وجاء أن ابن عباس نُعيَ إليه أخوه -وهو في مسير- فاسترجع وتنحَّى عن الطريق ثم صلَّى ركعتين، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقولُ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}.

3-   سيهجم الحزن على قلبك ولا بد، فتقبل وجوده، واعلم أنه سيخف شيئا فشيئا، وأعن نفسك على ذلك بالانشغال بما ينفعك، وأذكر أن شيخنا سعد الحجري دفن أمه بعد الظهر، وأعلن بعد الدفن عن استمرار درسه اليومي بعد المغرب، وهذا يخفف الحزن من جهة، ويمنع الانقطاع عن أعمال الخير من جهة أخرى، ولذا اكتب قائمة بأعمالك واشتغل بها، أد وظيفتك ولا تُقصّر فيها، وانطلق إلى هوايتك وانغمس فيها، ومارس الرياضة، ونم نوما كافيا، واحذر العزلة حتى يخف مصابك.

4-   مهما كان مقام المرء وعلوّه في العلم والقدر إلا أنه يذهل كثيرا لنزول المصاب، ومن توفيق الله لنا أن نُسليّه ونذكّره بالآيات والأحاديث والمعاني التي تخفف عنه، ولا نقول كما يقول بعض الناس: أنت من يصبرنا ولسنا نحن من يصبرك!

5-   تذكر أن من أهداف الشيطان أن يُحزنك، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وإذا عرفت هذا الهدف سعيت ألا يحققه الشيطان معك، ولهذا صور:

o   الصورة الأولى: ألا تطيل الحزن الذي نزل بك.

o   الصورة الثانية: ألا تُحزّن نفسك بعد انتهاء حزنك، فمن الناس من ينجح الشيطان معه في ذلك: فيستدعي المواقف، والصور، والأشعار، ليثير أحزانه السابقة ويعيدها.

o   الصورة الثالثة: لا تقبل بتكدير لحظات الفرح، فمما يفعله الشيطان أنه يُسرّب إليك شعور الحزن في لحظات الفرح، فتستغرب من هذا الشعور الذي لا تدري ما سببه وقد تستجيب له.

6-   تعلم الصبر واكتسبه، كثير من الناس لا يعتبر الصبر حلا، بل يعتبره موقفا سلبيا أدنى من حيلة العاجز -كما يقال-، والحق أنه أحسن الحلول وأفضلها وأنجعها، لأن الله أرشدنا إليه، ورتب عليه أعلى الدرجات، وأعظم الثواب والرحمة والاهتداء، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}، قال ابن سعدي: "الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله، ودلت هذه الآية على أن من لم يصبر فله ضد ما لهم فحصل له الذم من الله والعقوبة والضلال والخسار".

تأمل في هذا الموقف الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم تجده يتكرر مع جملة من الناصحين بالصبر: (مَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بامرَأةٍ تَبكي عِندَ قَبرٍ، فقال: اتَّقي اللهَ واصبِري، قالت: إليكَ عَنِّي؛ فإنَّكَ لَم تُصَبْ بمُصيبَتي)، فجملة من الناس يقول لمن يصبّره: أنت تتكلم عن الصبر وتوصي لكنك لم تذق الألم الذي ذقته! والجواب على ذلك: إذا ما فائدة الصبر؟ وما فائدة التصبير؟ ولماذا نكرر الخطأ الذي وقعت فيه تلك المرأة التي صبّرها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما فائدة النصوص التي جاءت في الصبر؟!

كيف تتعلم الصبر وتكتسبه؟ تعرف على الكتب التي تتحدث عن الصبر على البلاء واقرأ فيها، ودرّب نفسك على الصبر في يومك وليلتك، وإذا نزل بك البلاء فتذكر تلك الكتب وعد إليها حتى يخف عنك ما تجد، ومن هذه الكتب على سبيل المثال:

o   كتاب "رد البلاء بالصبر"، مصطفى شيخ إبراهيم.

o   كتاب "رد البلاء بالاستغفار"، مصطفى شيخ إبراهيم.

o   كتاب "محاضرات ومساحات عن البلاء"، د. سلطان العرابي.

o   رسالة "تحفة أهل البلاء"، طارق الحمادي.

o   رسالة "أصول جامعة نافعة في البلاء والابتلاء لابن قيم الجوزية"، أشرف عبد المقصود.

o   رسالة "وقفات مع آيات الصبر"، محمد الخضيري.

o   رسالة "36 كلمة عن الأمل"، سلطان العمري.

o   فصل "حزنه صلى الله عليه وسلم" من كتاب "أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم" للمنجد.

ويمكنك أن تستفيد من المحاضرات بدلا من الكتب، لكن الكتب أكثر نفعا وأعوّن على استحضار النصوص.

7-   من أجود علاجات البلاء: تذكر نعيم الجنة والتشوق إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يعجبه يقول: "لبيكَ، إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة"، ولا بأس أن تقول هذه العبارة في الابتلاء وتتذكر الآخرة التي تنسيك الدنيا وهمومها، ومن الكتب النافعة في الباب: "تهذيب حادي الأرواح" لسلطان الناصر، وهو تهذيب يحتاج إلى تهذيب لا نقصا في جهد المُهذّب وإنما إعانة لك على تلخيص ما تحتاجه من المعلومات في وريقات قليلة، فاشتغل بتلخيصه وقت المصيبة، وكذلك اشتغل بتلخيص بعض الكتب السابقة فإنها تُصبّرك من جهة، وتزيدك علما نافعا وعملا صالحا من جهة أخرى.

8-   اعرف كيفية التعامل مع أفكارك فإن لها أثرا كبيرا عليك، فمثلا من الأفكار الخاطئة:

o      اشتراط انتهاء البلاء سريعا، فيقول بعضهم: سأصبر إذا كان البلاء سينتهي في وقت قريب، أو كان البلاء خفيفا، فنقول: تأدب مع ربك، فالعبد لا يشترط على سيده.

o      ومن الأفكار الخاطئة: ظن المرء بأن الناس لم يصابوا بمثل مصيبته، والحقيقة ما من مصيبة تنزل عليك إلا وقد نزل على الناس مثلها أو أشد منها، فانظر في مصائبهم ليخف عليك مصابك.

o      ومن الأفكار الخاطئة: الظن بأن المصيبة هي نهاية الحياة، ومن نظر في أحوال الناس وجد أن هناك مصائب عظيمة نزلت بهم ومع ذلك عاشوا بعدها واستمرت حياتهم، ومن الكلمات العجيبة هنا كلمة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في لحظة موته: "لقد لَقِيتُ كذا وكذا زَحفًا، وما في جَسَدي شِبرٌ إلَّا وفيه ضربةٌ بسَيفٍ أو رميةٌ بسَهمٍ أو طعنةٌ برُمحٍ؛ فها أنا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي كما يموتُ العِيرُ! فلا نامت أعيُنُ الجُبَناءِ".

9-   تعامل مع البلاء تعاملا حكيما، فتنظر له على أنه فرصة لنيل الأجر والثواب، وفرصة لتربية النفس على الإيمان بقضاء الله وقدره، وفرصة لمعرفة كيفية التعامل مع هذه المواقف الصعبة.

10-                      إذا طال بك الألم ولم تعرف كيفية التعامل معه فابحث عن مستشار حكيم يأخذ بيدك ويبصرك بما يجب عليك.

اللهم ارزقنا الصبر على أقدارك والرضا بها..

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله الثانية ظهرا من يوم السبت

الخامس عشر من ذي القعدة، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف

السبت، 25 أبريل 2026

رؤى (15) التدريب الذي نريد

[15]

التدريب الذي نريد

قبل عشرين سنة كان التدريب في قمة ثورته وإقبال الناس عليه، ثم قلّت العناية به شيئا فشيئا، ثم تحول من التدريب الحضوري إلى الإلكتروني في أزمة كورونا، ثم عُدمت الدورات من ثلاث سنوات، ولم يعد لها وجود إلا في التدريب الإجباري داخل بيئات العمل، هذا التذبذب الذي مر به التدريب هو في نظري بسبب التصور المغلوط عنه وعدم فهمنا الصحيح له! فكيف نراه من أهم المهمات في وقت؟ ثم نتركه ولا نرى له قيمة في وقت آخر؟ ويمكن تلخيص النظرة الصائبة له في النقاط الآتية:

o   أولا: التدريب وسيلة هامة من وسائل التعليم ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يساعدنا في التأهيل على المهارات ونشرها، والمهارات من ضرورات الحياة، سواء المهارات الحياتية العامة، أو المهارات الخاصة بالوظائف والعلوم، ولذا يجب أن يستمر كما يستمر التعليم ولا يتوقف، وكل جهة حكومية أو خاصة أو تطوعية تحتاج أن تؤهل العاملين فيها باستمرار.

o   ثانيا: المال إذا دخل إلى العلم أفسده، والتدريب جزء من العلم، ولذا من دخل إلى التدريب بنية التكسب سواء أكان مدربا أو متدربا فإنه سيتركه ولا بد، فالمدربون الذي لم يجدوا مالا من تدريبهم تركوه، والمتدربون الذين لم يجدوا ترقيات من هذه الدورات تركوها! ولذا نحن نتعلم لنتقرب إلى ربنا ولنرفع جهلنا لا لنحقق بهذا العلم شيئا من المصالح الدنيوية.

o   ثالثا: الأصل في التعليم عموما والتدريب خصوصا أن يكون حضوريا، ولا يُنتقل للتعليم عن بعد إلا للضرورة، وتقدر هذه الضرورة بقدرها، ولنا تجارب كثيرة تشهد بفشل هذا النوع من التعليم والتدريب، وتُخبر بعدم فعاليته وأثره.

o   رابعا: ضرورة تركيز التدريب على المهارات وإكسابها، وغالب التدريب الذي قُدم في السنوات الماضية كان خاليا من التدريب! فهي عبارة عن محاضرات وورش عمل مطولة!

o   خامسا: أهمية دخول المتمكنين، وعدم دخول غيرهم اختيارا أو اضطرارا، لأنهم يفسدون صورة التدريب ويزهّدون الناس فيه، وصار بعض الناس يقول: التدريب لا قيمة له لأنه سوالف! والسبب في حصول هذا التصور من دخلوه اختيارا أو إجبارا وهم غير متمكنين!

بعد بيان الصورة المثالية للتدريب عموما، أنتقل للحديث عن الصورة المثالية للمدرب خصوصا، فالمدرب المؤثر يتصف بست صفات:

-       الصفة الأولى: التمكن العلمي في الموضوع الذي يتحدث عنه، فلا يُتصور أن يتكلم أحد في موضوع لا يتقنه أربع ساعات أو أكثر! فالمدرب الذي يحترم نفسه وغيره يختار الموضوع الذي يناسبه، ثم يقرأ فيه قراءة طويلة، ويستخرج أجود ما يجد ثم يكتبه في مذكرة خاصة تمثل المادة العلمية للدورة، ويعتبر أن اليوم التدريبي الواحد يحتاج منه إلى مائة ورقة كخلاصة لا كقراءة، لأنه ربما يقرأ خمس مائة صفحة ليكتب مائة صفحة، هذا على الحد الأدنى، وإذا كانت الدورة ثلاثة أيام فسيكتب ثلاث مائة صفحة، وهكذا، ولا يمكن الاستغناء عن القراءة بالمواد الصوتية والمرئية، لأن القراءة أمتن وأغزر، والمدرب غير المتمكن يُعرف من أول ساعة في الدورة، وذلك إذا أطال فقرة التعارف والحديث عن المخرجات المتوقعة من الدورة! ولذا قف بقوة وإلا لا تحرج نفسك وتضيّع أوقات المتدربين.

من الأمور التي تنتشر كثيرا في التدريب: الحقائب الجاهزة، وأراها في الغالب لا قيمة لها، لأنها مجرد رؤوس أقلام مصممة على عرض بور بوينت، وقد يرافقها وريقات قليلة كمادة يستفيد منها المدرب! لكنها في الحقيقة لا تغني عن تمكن المدرب وقراءته الطويلة في الموضوع وبناء رؤيته الخاصة، هذه الحقائب يمكن الاستفادة منها بعد الانتهاء من إعداد دورتك لتأخذ منها بعض ما فات عليك من الأفكار، أما أن تكون أصلا فهذا قد رأينا ضعفه كثيرا.

-       الصفة الثانية: إنضاج المادة العلمية، ويكون:

o      بقراءة المادة المستخلصة أكثر من مرة،

o      وحذف ما لا يناسب منها،

o      وإضافة ما يمكن إضافته من خبرات المدرب،

o      وربطها بالواقع، لأنه لا قيمة لمعلومات لا يجد الناس لها ارتباط بواقعهم وحياتهم، وأذكر من المضحكات المبكيات أن أحد المتدربين سأل مدربا كنت حاضرا في دورته فقال: كيف نطبق كلامك في الواقع؟ قال: أنا هنا أنظّر، أما الواقع الذي تعيشونه فلا علاقة لي به! وقال لنا آخر في دورة أخرى لما سألناه نفس السؤال: يمكنكم تطبيق كلامي بسهولة على الواقع، ولا يوجد إشكالات كما تتوهمون، فانظر للأول الذي هرب من المهمة، وللثاني الذي أنكر وجود الإشكال، والسبب أنهم لم ينضجوا مادتهم ولم يهتموا بمعالجة الواقع، وأنا أدرك أنها مهمة صعبة لا يُحسنها كل أحد، ومن لم يحسنها فليترك التدريب لمن يستطيع، فليس مجبورا على دخوله! كما أن هناك مهمة أصعب ستأتي في النقطة التالية.

o      ثم بعد ذلك يستخرج رؤية متكاملة من المادة العلمية، وهذه الرؤية تجمع بين معرفة إشكالات الواقع وتقديم الحلول التي ترتقي به، لأننا لا نريد التمسك بإشكالات الواقع، ولا نريد الجنوح للمثالية!

o      هناك أمر جليل إن استطاع عليه المدرب نفع الله به نفعا كبيرا، وهو تطعيم المادة التدريبية بالوحي، والاستفادة مما جاء فيه مما يتعلق بالموضوع، ويمكن الاستعانة بعد الله ببعض المشايخ أو طلاب العلم في ذلك،

o      كما أني أتمنى أن يعرض المدرب مادته العلمية على شيخ ليراجعها قبل تصميمها والتدريب عليها، حتى يسلم من نشر أفكار مخالفة للشريعة، لاسيما أنه سيدرب العشرات أو المئات في أماكن متفرقة، ولا يمكن لقياهم بعد ذلك.

o      أذكّر المدرب بأنه هذه المادة العلمية التي حضّرها لا يلقي منها إلا 70% ويترك باقي المادة لتعينه على الإجابة على ما يأتيه من الأسئلة، بخلاف لو ألقى كامل المادة سيجد أن جملة من الأسئلة التي تأتيه لا يستطيع الجواب عنها.

-       الصفة الثالثة: تحويل المادة العلمية إلى عملية، من خلال تحديد المهارات وخطوات إكسابها للمتدربين، حتى يفهم المتدرب المادة العلمية ثم يكتسب المهارات العملية، والتدريب عليها يكون جزأين، جزأ في الدورة، والجزء الآخر في البيت، واحتياج التدريب المنزلي يُرجح بألا تكون الدورات أقل من يومين، حتى يكتسب المتدرب أساسات المهارة ثم يطبقها بسرعة في الدورة، ثم يطبقها بتأن في البيت، ثم يعود ليسأل المتدرب عن الإشكالات التي واجهته في اليوم التالي ويكمل التدريب أيضا.

-       الصفة الرابعة: إدارة الوقت، فيدرك المدرب قيمة الوقت ولا يتعامل معه بعبثية، فيحدد المقدار المناسب من الوقت لدورته ولا يأخذ أكثر من ذلك، ثم يبدأ دورته في موعدها ولا يتأخر إكراما للمتأخرين! كما أنه يتعامل مع النقاشات والتمارين على أنها مساعدة على تحقيق أهداف الدورة لا مخارج لتبديد وقت الدورة الطويل!

-       الصفة الخامسة: الإحسان إلى المتدربين، ويكون ذلك بأمرين: إحسان الخلق، وإحسان التعليم، لأن من المدربين من يدخل بكبر وتعالي أو يتصنع الأخلاق في الدورة، وينقلب إلى شخص آخر بعدها انتهائها وإغلاق كاميراتها! وأما إحسان التعليم فيكون بإتقان مهاراته،

o      بشرح المعلومات بطريقة مشوقة جاذبة،

o      واستعمال عروض البور بوينت باحترافية،

o      وتجهيز أوراق العمل المطلوبة،

o      والرفق بالمتدربين في تعليمهم وتدريبهم،

o      وإكسابهم المهارات بتأني،

o      وفتح باب النقاش بعد تأسيس العقول بمقدمة نظرية تُوجّه العقول للرؤية المرادة،

o      وتجهيز مذكرة للمتدربين متوافقة مع عرض البور بوينت، ليسهل عليهم فهم المادة واكتسابها،

o      ولو كتب خلاصة لمادته العلمية في وريقات ليعطيها من طلبها، لكان ذلك إحسانا منه ونشرا للعلم ينفعه في الآخرة!

-       الصفة السادسة: التخصص قدر الإمكان، أو الطرح المتقارب للموضوعات، حتى يتمكن المدرب من التدريب في علم معين أو قضية معينة، فهو أفضل من التدريب المتشتت، الذي يدرب مرة في الأسرة، ومرة في الإدارة، ومرة في التجارة، ومرة في العلم الشرعي، وقد نقول: أتقن المهارات العامة ودرّب فيها، ثم اختر مجالا تتخصص في مهاراته بعد ذلك.

إن تم هذا فسنسعد بتدريب احترافي يجعل المتدربين يخرجون بمعلومات نظرية ومهارات عملية، وما أجمل العلم والعمل إذا اجتمعا.([1])

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله السادسة مساءً من يوم السبت

الثامن من ذي القعدة، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف



([1]) ولمزيد فائدة فقد كتبت مادتان في التدريب غير هذا المقال:

·         الأولى: استشارة: " كيف أعد دورة تدريبية؟".

·         الثانية: مقال: "التدريب الشرعي".

رؤى (16) أدب البلاء

[16]   أدب البلاء التقيت بعد الإجازة الصيفية بأحد الفضلاء فرأيته وقد أصابه الذبول وظهر عليه، فسألته: خيرا إن شاء الله؟ فقال: ماتت أمي ...