الأحد، 24 مايو 2026

رؤى (18) أزاهير وريحان من سيرة الودعان

[18]

أزاهير وريحان من سيرة الودعان

أنعم الله علي بمعرفة شيخي المبارك عبد الرحمن بن فهد الودعان -حفظه الله تعالى- في شهر صفر من عام 1443هـ، وانتفعت كثيرا بدروسه وتوجيهاته وتجاربه، وأحببت أن أدون في هذا المقال شيئا من سيرته ومواقفه، لأنفع بها نفسي وغيري، وسأقسم المقال إلى جزأين: الأول: في السيرة النظرية، والثاني: في المواقف العملية.

الجزء الأول: السيرة النظرية:

·       أولا: تعريف عام بالشيخ:

هو شيخنا الفقيه عبد الرحمن بن فهد بن إبراهيم الودعان، ولد عام 1386 هـ بالرياض، ودرس البكالوريوس في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، في قسم السُّنة، وتخرج عام 1408هـ، له من الأولاد اثنا عشر ولدًا؛ خمسة بنين، وسبع بنات -أسأل الله تعالى أن ينفع بهم-.

·       ثانيا: من الأعمال التي قام بها شيخنا:

1.    مدرس في متوسطة وثانوية الحائر التابعة لإدارة التعليم بمنطقة الرياض من عام: 1409هـ.

2.    مدرس في ثانوية الشفاء التابعة لإدارة التعليم بمنطقة الرياض من عام 1410هـ.

3.    مشرف مناهج العلوم الشرعية بالإدارة العامة للمناهج في مركز التطوير التربوي بوزارة التربية من عام 1415هـ وإلى 29/2/1435.

4.    تقاعد مبكرًا في 2/3/1435.

5.    ثم تفرغ للتعليم، والدعوة إلى الله، والتأليف.

·       ثالثا: المشاركات في تأليف الكتب الدراسية:

1.    عضو لجنة تأليف كتب الحديث والثقافة الإسلامية للصفوف الأول والثاني والثالث الثانوي.

2.    عضو لجنة تأليف كتب الفقه للصفوف الأول والثاني والثالث المتوسط.

3.    عضو لجنة تأليف كتاب الفقه للصف الثاني الثانوي.

4.    عضو لجنة مراجعة كتاب الفقه للصف الثالث الثانوي المعدل.

5.    عضو لجنة مراجعة كتب التفسير للمرحلة الثانوية.

6.    عضو لجنة تأليف كتب الفقه للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة ضمن المشروع الشامل لتطوير المناهج الدراسية.

7.    عضو لجنة تجويد المناهج الدراسية للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة (كتب العلوم الشرعية) المؤلفة ضمن المشروع الشامل لتطوير المناهج الدراسية.

8.    عضو لجنة تأليف كتاب الفقه (1) في النظام الثانوي الجديد.

9.    عضو لجنة تأليف كتاب الفقه (2) في النظام الثانوي الجديد.

10.                      عضو لجنة تعديل كتاب الحديث (1) في النظام الثانوي الجديد.

11.                      عضو لجنة تعديل كتب العلوم الشرعية للصفوف العليا من المرحلة الابتدائية.

12.                      عضو لجنة تعديل كتب التوحيد للمرحلة المتوسطة (الصفوف: الأول والثاني والثالث).

13.                      عضو لجنة تعديل كتب التفسير للمرحلة الثانوية (نظام المقررات).

·       رابعا: المشايخ الذين تلقى العلم عنهم:

1- حضور دروس سماحة الشيخ العلامة الإمام/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله- في التوحيد والحديث والتفسير والفقه.

2- حضور دروس سماحة الشيخ العلامة/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين -رحمه الله تعالى- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم عضو الإفتاء بالرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية سابقًا؛ وذلك في الفقه والحديث والعقيدة.

3- ملازمة درس الشيخ الفقيه الجليل/ عبد العزيز بن محمد الداود -رحمه الله تعالى- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا، ثم عضو الإفتاء بالرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية سابقًا؛ قراءة عليه في الفقه والتوحيد؛ من عام 1420هـ إلى 1430هـ.

4- ملازمة درس الشيخ الفقيه/ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم؛ القاضي بالمحكمة العامة بالرياض سابقًا (متقاعد حاليًّا)، قراءة عليه في الفقه وغيره؛ من عام 1410هـ إلى أواخر عام 1435هـ.

5- ملازمة درس الشيخ الفقيه/عبد المحسن بن ناصر العبيكان؛ القاضي بالمحكمة العامة بالرياض سابقًا، ثم المفتش القضائي بوزارة العدل، ثم المستشار بالوزارة نفسها، ثم عضو مجلس الشورى؛ ثم المستشار بالديوان الملكي سابقًا (متقاعد حاليًّا)، وذلك قراءة عليه في الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية، وغيرها؛ من عام 1413هـ إلى يومنا هذا (1447هـ).

6- سماحة الشيخ الفقيه مفتي عام المملكة عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ -رحمه الله تعالى-.

7- فضيلة الشيخ الفقيه القاضي سليمان بن إبراهيم بن راشد الحديثي.

8- فضيلة الشيخ الفقيه الأصولي المحدِّث الدكتور إبراهيم بن محمد الصبيحي -رحمه الله تعالى-.

9- فضيلة شيخنا المحدِّث الدكتور عبد الله بن حمود التويجري.

10- فضيلة الشيخ الفقيه الاقتصادي الدكتور حمد بن عبد الرحمن بن صالح الجنيدل -رحمه الله تعالى-.

11- فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك.

12- فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن حسن بن قعود -رحمه الله تعالى-.

13- فضيلة الشيخ الفقيه الدكتور عبد الله بن علي الركبان.

14- فضيلة الشيخ الفقيه زيد بن إبراهيم الحميدي.

·       خامسا: مؤلفات الشيخ:

1.    الذهب الأبيض-حقيقته وأحكامه الشرعية. (مطبوع)

2.    حكم مس شحمتي الأذنين عن عند رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام-دراسة فقهية حديثية. (مطبوع)

3.    الحديث القدسي كلام الله لفظا ومعنى. (مطبوع)

4.    الفوائد الثلاثية من الأحاديث النبوية (الجزء الأول). (مطبوع)

5.    الفوائد الثلاثية من الأحاديث الرمضانية. (مطبوع)

6.    التحفة الإسلامية لطالب الهداية الربانية (مشترك). (مطبوع)

7.    الآداب الشرعية من الأحاديث النبوية. (مطبوع)

8.    إفادة الأنام بصفوة أحاديث الأحكام. (مطبوع)

9.    الجوهرة السنية في القواعد الفقهية. (مطبوع)

10.   الأرجوزة السنية في القواعد الفقهية. (مطبوع)

11.   العقيدة الإسلامية. (مطبوع)

12.   الإلمام بمعنى قول الفقهاء الأعلام: من نوى الإقامة فوق أربع لزمه الإتمام. (منشور على الشبكة).

13.   الوسيط في أحكام الصيام. (منشور على الشبكة).

14.   المسك والعنبر في عشرين خطبة على المنبر. (منشور على الشبكة).

15.   الوجيزُ في مُهِمَّاتِ الصَّلاة.

16.   الوصية أهميتها وصفتها وأحكامها.

17.   الدروس المنتقاة من كلام الأئمة الهداة-الجزء الأول.

18.   الوجيز في صفة حج الإفراد.

19.   الوجيز في صفة حج التمتع.

20.   الوجيز في صفة حج القِرانِ.

21.   الوجيز في مسائل أركان الإسلام.

22.   الأربعون حديثًا في الأحكام الشرعية.

23.   القطاف الجنية من الدروس الفقهية. (منشور على الشبكة).

24.   الوجيزُ في أحكام المسح على الجوربين.

25.   الوجيزُ في الآداب الشرعية. (منشور على الشبكة).

26.   الفوائد الثلاثية من الأحاديث النبوية (الجزء الثاني).

27.   الدروس المنتقاة من كلام الأئمة الهداة. (الجزء الأول).

وله كتب كثيرة لم تكتمل وتطبع.

·       سادسا: دروس الشيخ:

شرح الشيخ -جزاه الله خير الجزاء- منار السبيل، والروض المربع، وتسهيل الروض المربع، وعمدة الفقه، وعمدة الأحكام، وبلوغ المرام، ومنهج السالكين، وكتابه الوجيز في مهمات الصلاة مرارا، وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها مرارا، وآداب المشي إلى الصلاة، والأجوبة الجلية في الأحكام الحنبلية مرارا، وثلاثة الأصول مرارا، وكتاب التوحيد، والجوهرة النقية في القواعد الفقهية مرارا، ومنظومة الأرجوزة السنية في القواعد الفقهية، وإفادة الأنام بصفوة أحاديث الأحكام مرارا، وصفة صلاة النبي r للشيخ ابن باز مرارا، والأصول من علم الأصول للشيخ ابن عثيمين، ومصطلح الحديث للشيخ ابن عثيمين، وغيرها من الكتب.

·       سابعا: أعمال متفرقة:

1- إمام مسجد منذ عام 1405هـ وإلى الآن (1443) (تخللها انقطاع لمدة سنة ونصف تقريبا).

2- إمام وخطيب جامع لولوة المديهيم بحي الحمراء بالرياض منذ عام 1426هـ وإلى الآن (1447). 

3- المشاركة في إقامة الدروس والمحاضرات العامة والكلمات التوجيهية.

4- المشاركة في التوعية والإفتاء ضمن حملات الحج الخيرية والأهلية.

5- عضو مجلس الإدارة في مكتب الدعوة بالنظيم والجنادرية بالرياض.

6- المشاركة في بعض برامج الإفتاء على قناتي صفا والرسالة.

الجزء الثاني: المواقف العملية

يسر الله مقابلة شيخنا في مكة والاعتمار معه، وكان في لقائي به فوائد كثيرة قولية وفعلية، أسوقها في هذا الجزء:

·       درس شيخنا على جملة من العلماء وأخبرنا أن ملازمته لهم طويلة جدا، فعلى سبيل المثال: درس على بن قاسم 26 سنة، ودرس على العبيكان 35 سنة ولا يزال يدرس عليه إلى الآن، ويقول: أجد عنده ما لا أجد عند غيره، ولن أتركه إلا بالموت!

·       قلت للشيخ مرة: أحبك في الله فقال: أحبك الله الذي أحببتني له، فقلت: لم قلت له أحسن الله إليك؟ أليست فيه؟ فقال: "ألتزم بلفظ الحديث هكذا وردت، ولا إشكال في فيه".

·       لما كنا في المسعى أخذ الشيخ بيدي ثم نظر إلي وتبسم وقال: "أحبك في الله"، فقلت: أحبك الله الذي أحببتني له، فأكمل كلامه قائلا: "أقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أخَذ بيدِ معاذ يومًا فقال: (يا معاذُ إنِّي واللهِ لأُحِبُّك) فقال معاذٌ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، وأنا واللهِ أُحِبُّك".

·       عندما خرجنا من الحرم استقبلنا عدة حلاقين وتخاصموا علينا فقال الشيخ لهم: (مايبغى جنجال) وكررها مرارا بلطف، ثم قال لنا: سنرضيهم جميعا بأن نتقسم عليهم!

·       تحدث الشيخ في أحد الدروس بحديث مؤثر حول كنوز الحسنات في العمل بالتيامن، ووجدت هذا عمليا عند الشيخ عندما قابلته، ومن ذلك: لما دخلنا إلى الحلاق قال له: "ابدأ بحلاقة الجزء الأيمن من رأسي ثم الأيسر، واعمل بذلك مع كل الناس محتسبا الأجر في الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم"، ومن المواقف أيضا: أنني جئت لأطيبه بعطر وقت الصلاة، فقال: "ابدأ بيميني، وهكذا أوصي زوجاتي".

·        كنا نتجاذب أطراف الحديث عن إلقاء الدروس فقال لي: "يُفتح علي في الدروس فتحا عجيبا، وبعض المسائل تكون مشكلة فإذا جلست للدرس حُلت بشكل يجعلني أتعجب من سبب هذا، ولا أراه إلا رزقاً من الله لي"، فقلت للشيخ: لدينا في الجنوب شيخ معروف ببذله الدعوي واسمه الشيخ أحمد المتعب قال لنا يوما: "أحضّر للمحاضرة لكني إذا جلست على الكرسي أقول كلاما جميلا لم أحضّر له أود لو أني سجلته ولا أراه إلا رزقا من الله للحاضرين"، فضحك الشيخ وقال: "شيخكم هذا غلبت عليه العبادة والورع فنسب الرزق للناس لا له".

·       أفادني الشيخ بفائدة عندما جئنا لنشرب من ماء زمزم فقال: "ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب ماء زمزم قائما"، فمن باب حب الفائدة ونشرها نصحت رجلا كان يشرب زمزم بما عرفت، وقلت له: من السنة الشرب جالسا لكن في زمزم شرب نبينا قائما، فاستغرب من كلامي وقلب يديه متعجبا، وقال: أنا أشرب جالسا ومضى، فقال لي الشيخ: "أخطأت في نصحك"، فقلت له: لماذا؟ فقال: "لأن من قواعد الدعوة ألا يُنصح العامة إلا بالأصول الواضحة، أما الدقائق كهذه فإنها تربكهم وقد تضلهم"، فقلت: جزاك الله خيرا، وكان مصداق نصيحة الشيخ في تعجب الرجل وعدم قبوله للنصيحة، فأصبحت الفائدة فائدتان!

·       جاء الحديث عن أهمية تشجيع الناس والثناء عليهم كأسلوب دعوي فقال الشيخ: "من أهم فوائد كتب الفضائل في السنة: أسلوب التشجيع في التربية".

·       مما قاله الشيخ: "جميع أسماء أولادي بأسماء الصحابة فما فوق، ولم أجد من زوجتيّ -جزاهن الله خيرا- إلا تأييدا".

·       لما ركبنا السيارة قال الشيخ: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِك مِن أَن أضِلَّ أو أزِلَّ أو أظلِمَ أو أُظلَمَ أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} ..." فسألت الشيخ: هل يقال الدعاء الأول في السيارة؟ فأجاب: "لا، هو عند الخروج من البيت، لكني أقوله أحيانا مرتين حتى يكرر أهلي معي ولا يضر تأخيره قليلا"، بعدها أوقفنا سيارتنا وركبنا مع سيارة أجرة فقال الشيخ دعاء الركوب مرة أخرى.

·       كان الشيخ يوجه بعض المعتمرين وينصحهم ومن ذلك أنه كان يأمر من جعل إحرامه تحت سرته برفعه، ويقول: "يجب ستر العورة لأنها من شروط صحة الطواف".

·       من التجارب التي أفادني الشيخ بها حول الخطابة يقول: "درست خطب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خطب أربعة من أشهر الخطباء المعاصرين، وعرفت مواطن القوة عندهم وبدأت استفيد منها، وكتبت شيئا من فوائد دراستي هذه لكني لم أكمل فيها، وحاليا في السفر أحب السماع لكشك لأنه أستاذ الخطابة في عصرنا، ومهاراته الخطابية لا تعني تبرير أخطائه، فلديه استدلال بكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كما أنه يطلب من الحضور الكلام أثناء الخطبة وغير ذلك، ومن التجارب أيضا: أنني أقف كل سنة أو سنتين لتطوير نفسي بالتأمل في خطبي والسماع لتسجيلاتها".

·       من الأمور التي أخبرني بها الشيخ يقول: "كنت في سنوات ماضية أجد وقتا كبيرا للتفكير والتأمل، ولذلك عندي دفاتر مليئة بالتأملات، أما الآن فلا أجد وقتا للتفكير -والله المستعان-"، وهذا فيه إشارة إلى شدة انشغال المرء بعد تصدره.

·       استفدت من الشيخ فائدة حول التدوين إذ يقول: "شرحت قديما عمدة الفقه، وكنت أتعب في التحضير للدرس ثم ألقيه دون أن أكتب، وندمت ندما شديدا لأني لم أكن أدوّن ذلك التحضير، وكثيرا من المواد التي كنت ألقيها".

·       من الطريف أن قال لي الشيخ: "ذهبت إلى الشيخ عبد الله الركبان وطلبت أن أدرس عليه، فقال: ماذا تريد؟ فحددت الكتاب ثم طلبت أن يكون الشرح لكتاب الزكاة ثم المعاملات، ولما درست على الشيخ عبد المحسن العبيكان طلبت أن تكون البداية من المعاملات"، فسألت شيخي الودعان عن السبب؟ فأجاب" لأن كثيرا من دراستنا على المشايخ نتم فيها الطهارة والصيام والحج ونتوقف في ثنايا الصلاة! فنبقى ضعافا في الزكاة والمعاملات، ولذلك سددت الخلل عندي بهذه الطريقة، وأضاف: "يندر أن يقام يوم علمي في أحكام الزكاة أو العمرة، ولذلك سألقي خلال الشهرين القادمين يومين علميين أحدهما في الزكاة والآخر في العمرة".

·       حول طريقة الشيخ في التأليف يقول: "قبل أن أشرع في التأليف أستوفي حظي من القراءة في الموضوع، لأنه على قدر القراءة يكون التأليف، فأذكر أنني قبل تأليفي لكتاب المعاملات للصف الثاني ثانوي مررت على جميع مكتبات الرياض، واشتريت كما كبيرا من كتب المعاملات، واعتكفت على قراءتها مع دراستي في حينها على أربع من المشايخ في فقه المعاملات، وجمعت معها مدارسة يومية مع أحد أقراني، ومكثت على ذلك ثمانية أشهر حتى شربت المعاملات ثم شرعت في تأليف الكتاب".

·       "عندي ثلاثة أهداف في حياتي: (العلم والدعوة والعبادة)، وقد كان ترتيبها قديما الدعوة ثم العلم ثم العبادة، وغيرتها قبل سنوات فأصبحت العلم ثم الدعوة ثم العبادة، وأطمح أن تكون العبادة الأولى فيما بقي من عمري".

·       تحدث الشيخ مرة عن أهمية مراجعة العلم والازدياد منه باستمرار، وقال كلمة جميلة: "علمك إن لم يزد نقص".

·       أوصاني الشيخ بتعلم فقه العبادات وتكراره مرارا، وقال: "حاجتك وحاجة الناس إلى فقه العبادات أكثر من باقي الفقه، و70% من أسئلة الناس في العبادات".

·       من طريقة الشيخ في التعليم التي ذكرها لنا يقول: "لا أحب أن يمل أحد مني، ولذا إذا مكث الطالب عندي مدة أقول له: إن شئت أن تذهب لغيري فلا حرج عليك".

·       كنا نتحدث عن الفوائد فقال الشيخ عبارة أعجبتني: "الفائدة تعتمد على المستفيد وليس على المفيد، لأنه هو الذي يشعر بها".

·       حدثني الشيخ بأن عنده نية لكتابة ٦٠٠ كتاب! فقلت: لكن وقتك ضيق ولا تستطيع إنجازها؟! فأفادني الشيخ قائلا: "أتعبد لله بأفكار المشاريع لأنها نية، ونية المؤمن خير من عمله، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (مَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كُتِبَتْ له حَسَنَةً، ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَعَمِلَها، كُتِبَتْ له عَشْرًا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ)، وكما أوصى الإمام أحمد ابنه صالح: (يا بني انو الخير فإن نية الخير خير فاستكثروا من النوايا)، ومن اللطائف إذا أتتني فكرة كتاب فإني أفتح لها ملفا في الحاسب وأكتب الفكرة وأدعها حتى يأتي وقتها"، ومن المفيد أن للشيخ خطبة رائعة بعنوان: "أهمية النية" وهي على قناته في اليوتيوب.

·       من الفوائد التي استفدتها من الشيخ أنه في أثناء إلقاء الدروس وحتى في حديثه معنا تأتيه خواطر وفوائد فيسارع لتدوينها، أو يطلب من أحد الطلاب أن يكتبها ويرسلها له، وهذا من حرصه على تقييد العلم، ومن المعلوم أن الملقي يُفتح له أثناء الإلقاء بفوائد لا تحضر أثناء التفكير المحض!

·       سألت الشيخ عن خطبة الجمعة فقال: "تحضير خطبة الجمعة مع حفظها يأخذ مني من ثلاث إلى خمس ساعات، ولست خالي الذهن، فعندي حصيلة علمية وكم من التجارب، لكن لا ألقي الخطبة بلا إعداد مطلقا، وعند الأزمات لا يقل وقت التحضير والمراجعة عن ساعة ونصف"، وقال أيضا: "قبل الخطبة أدعو الله كثيرا بالتيسير والتوفيق، وبعدها أجلس على الدرج للراحة وشرب الماء من دقيقة إلى دقيقة ونصف"، وقال أيضا: "لي ١٧ سنة خطيبا والخطبة هم يؤرقني ولا أتعامل معها كوظيفة، ومن عاملها كذلك قتلها، وكلما شكرني أحد أو أثنى زاد همي، وكما قيل لعبد الملك بن مروان: عَجِلَ عليك الشيبُ يا أمير المؤمنين. قال: "وكيف لا يَعجَل عليَّ وأنا أعرِضُ عقلي على الناس في كل جُمُعة مَرَّةً أو مرتين".

·       من العبارات النفيسة التي أفادني بها الشيخ قوله: "استقرأت جميع سلبيات والدي وتفاديتها مع أبنائي بحمد الله".

·       من السنن التي ذكرها لي الشيخ: ما جاء في قول النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: (اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فإنَّ الرَّجُلَ لا يَزَالُ رَاكِبًا ما انْتَعَلَ)، قال -حفظه الله-: "عملا بهذه السنة عندي ١٣ نعلا، منها حذاء خاص بالمطر، وثان خاص بالحج والعمرة، والبقية لداخل البيت وخارجه".

·       في أثناء حديثه عن التقاعد قال: "أول ما تقاعدت زدت عدد الدروس، لأن غرضي من التقاعد هو التعليم والدعوة إلى الله وإلا فلا زلت شابا" ثم ابتسم.

·       لاحظت أن الشيخ يفرق بين الحديث العام الذي يلقى في الدروس ويكتب في المؤلفات، وبين الحديث الخاص الذي يكون في السفر أو مع طلابه، فالشيخ يأخذ راحته في الحديث الخاص ويتنزل ويلقي حتى بالخواطر التي لم يحررها، بينما الحديث العام يحدّث بأجود ما يعلم، ويضبط كلامه ويتحرز كثيرا، وفهمت حينها لم كان الشيخ لا يحب التسجيل وقد منعه لسنوات؟ وأرى أن هذه الفائدة مهمة في الممارسة العملية لطالب العلم، فبعضهم يخطأ فيساوي بين الحديث العام والخاص!

·       مما أعجبني في طريقة الشيخ في دروسه أنه يستقبل الأسئلة الخاصة بالدرس أثناءه، فيفتح بعد كل مجموعة مسائل يشرحها المجال للسؤال فيما مضى، ويعلل ذلك حتى لا تمل الأذهان، وأما الأسئلة العامة فلها آخر الدرس، وعلل ذلك بسببين:

o      الأول: حتى لا ينقطع فهم الدرس بمسائل خارجية.

o      والثاني: لأن جميع الطلاب تهمهم الأسئلة المتعلقة بفهم الدرس أما الأسئلة العامة فيستأذن جملة منهم لعدم رغبتهم في سماعها، وإذا جاء ليجيب عن الأسئلة يبدأ من اليمين وحتى اليسار، وكأنه يعمل بسنة التيامن، ويعدل بين الأسئلة الحضورية والإلكترونية فسؤال من هنا وسؤال من هناك.

·       سألنا الشيخ أكثر من مرة عن طريقة ضبط الفقه وبعض الأبواب التي تصعب علينا منه، فأوصانا قائلا: "اضبط أصل الباب، والفروع بعد ذلك ستكون سهلة، وذلك بتكرار مختصر، وتكرار شرح الباب مرارا حتى ينضبط، فإذا ضبطت أصل الباب سهل عليك باقيه، أما الفروع فينساها حتى المشايخ الكبار"، وقال أيضا: "إذا استعصى عليك باب فاعكف عليه ثلاثة أشهر لا تخلطه بغيره، وانظر كيف تخرج بعد ذلك متمكنا فيه".

·       من العبارات المنهجية التي أفادنا بها الشيخ في دروسه: "لا أنتقل من قول إلى قول إلا بعد بحث ويقين، فالأصل أنني أبقى على أقوال مشايخنا والتي عملت بها سنين طويلة ولا أنتقل عنها إلا بيقين".

·       سألت الشيخ عن القزع هل يشترط أن يكون حلق بعض الرأس بالموس؟ فقال: لا، العبرة بالبروز فإذا كان الشعر الباقي بارزا فهو قزع، ثم لو قلنا بأن التخفيف ليس قزعا فهو من التشبه، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

·       حول إعارة المقيدات يقول شيخنا: "سافرت إلى أمريكا في رحلة دعوية قبل عشرين عاما، وكتبت كل ما يتعلق بها من خواطر وأفكار وتجارب وفوائد، وبعد العودة طلبني أحد الإخوة الدفتر فأعطيته مشترطا عليه أن يعيده، ولم أره من ذلك اليوم، وقد تحسرت عليه، وقبل مدة جاءني أحد الطلاب ليخدمني بكتابة أحد الدفاتر على الحاسب فأعطيته نسخة مصورة من الدفتر وطلبته أن يعيده، ولم أره من حينها، فأخذت على نفسي ألا أعطي دفاتري لأحد".

·       تحدثنا عن الكتب النافعة فقال الشيخ: "قال لنا أستاذنا في الجامعة عبد الرحمن الباني لو قيل لي ما أفضل ١٠٠ كتاب في هذا العصر؟ لجعلت منها الأعلام للزركلي، ولو قيل لي ما أفضل ٥٠ كتابا في هذا العصر؟ لجعلت منها الأعلام أيضا، وأقول أنا: لو سئلت هذا السؤال لقلت: الموسوعة الفقهية الكويتية، ففيها ترتيب عجيب لا يتخلف من أولها إلى آخرها رغم أنها ٤٤ مجلدا، والقوة فيها واحدة في مختلف الموضوعات".

·       من الكلمات المؤثرة التي قالها لن الشيخ وهو يوصينا بصلاة الضحى: "لم أترك صلاة الضحى -بحمد الله- منذ أربعين سنة إلا لشيء خارج عن الإرادة، وأستغرب من طالب العلم الذي لا يصلي الضحى".

·       انتقلت حديثنا للمشالح فقال الشيخ: "نصحنا شيخنا عبد العزيز الداوود بأن نلبس المشلح كطلاب علم على الأقل يوم الجمعة، تعظيما لليوم وتزينا، وقد عملت بهذه الوصية منذ سمعتها مباشرة، فظللت ألبسه عامين قبل أن أكون خطيبا، واستمريت على هذا بعد الخطابة، وأنا أوصيكم الآن بنفس الوصية".

·       إعجابي بالشيخ في حرصه على الكتابة لا ينقضي فهو يكتب كل شيء: المواعيد، والفوائد، والأفكار، والأسماء.

·       ذكرنا له خبر اثنين من المشايخ الباذلين في الساحة العلمية فدعا لهم، وقال: "كل من يخدم دين الله نحبه وندعو له، وإن تيسر لي زرتهم لنشجعهم ويشجعوننا، ونثبتهم ويثبتوننا"، وقد لاحظت أن الشيخ يتألم كثيرا من المشايخ الذي يغلقون بيوتهم ولا يبذلون العلم، وكثيرا ما ينصحنا ببذل العلم ونشره.

·       من المواقف اللطيفة: أنني استأذنت الشيخ في ثنايا الرحلة في الذهاب لحضور يوم علمي لأحد المشايخ، فأذن وقال: "أريد منك بعدما تعود ثلاثة فوائد من الدرس"، فلما عدت قرأت عليه جميع ما دونت من الفوائد، وكان يعلق على كل واحدة منها، ويضيف ويعدل ويبدي رأيه، بل من تواضعه أن أعجبته إحداها فقال: أرسلها لي لأوردها في أحد كتبي!

·       أشهد بحسن خلق الشيخ وأنه متفوق في هذا الباب جدا، وقد لحظت في الدروس وفي سفري معه أنه لا يخرج عن حد الخلق الحسن حتى وإن كان مزاجه متعكرا، وهذه جليلة لا يستطيع عليها كل أحد!

·       من الطريف أن أحد طلاب الشيخ جاء ليطيبه فقال الشيخ طيب رأسي، قلتُ: لم؟، قال: حتى يشم من يسلم على رأسي رائحة طيبة.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله في الثانية عشر ظهرا من يوم السبت

التاسع عشر من ذي القعدة لعام ثلاث وأربعين بعد الأربع مائة والألف

رؤى (18) أزاهير وريحان من سيرة الودعان

[18] أزاهير وريحان من سيرة الودعان أنعم الله علي بمعرفة شيخي المبارك عبد الرحمن بن فهد الودعان -حفظه الله تعالى- في شهر صفر من عام 144...