[27]
مهارات الغرس
تربية الأبناء رحلة يعيشها الأب مع ابنه فيها الحلو والمر، وكل منهما يتعلم من الآخر، فيتعلم الولد من ابنه أحكام الدين، وآداب الشريعة، وقيم الإسلام، وتجارب الحياة، ويتعلم الوالد طرق التربية ومهاراتها، ومن لم يدون ما تعلمه نسي تجاربه وأصبح هو وغير المجرب سواء، ولذا أحببت أن أدون في هذا المقال ما تعلمته في تربيتي لأولادي، سائلا المولى سبحانه أن يقر عيني وأعينكم بصلاحي أولادي وأولادكم.
1 | اصبر ثم رب:
طريق التربية طويل، من لم يصبر عليه لم يصل، ولذا اعلم صعوبة الطريق وطوله وكثرة عوائقه حتى تدخل إليه وأنت واسع الصدر لما سيقابلك، ومن ذلك إدراكك بصغر عقل من تربيهم وكثرة أخطائهم، فأنت تربيهم ويربونك، تربيهم على ما تريد، ويربونك على الحلم والصبر، لأن الأصل في التربية العفو، وإذا كنت ترى الأصل العقوبة فستتعب وتُتعب.
الصبر أهم ما يحتاجه المربي بعد الاستعانة بالله وحده، وعلى قدر صبرك يكون نجاحك في التربية، درس عظيم رسخ في نفسي مع تجارب الأيام، وكثرة المواقف، وسماع المربين، فالأصل في الأولاد النقص، والتربية رحلة نقلهم من النقص إلى الكمال، فعندما يأتي الوالد ويظن الأصل الكمال لم يفهم التربية ولم يستعد لها، ولذا يدخل في صراع طويل مع أولاده ينتهي بإهلاكهم نفسيا وجسديا أو استسلامه وتركه لمسؤوليته، ويأتي هنا السؤال: ما الذي يصبرني على تربية أولادي؟
1. استعانتك بالله سبحانه، فالعون كله منه.
2. استحضارك للأجر الأخروي الذي تناله بقيامك بهذه العبادة الواجبة.
3. إدراكك بأن نفسك التي بين جنبيك لا تصلح لك بسهولة، وأنت على قدر من العلم والعقل فكيف بهؤلاء الصغار؟!
4. تذكرك بأن هؤلاء الأولاد سيمكثون عندك فترة محدودة ثم يغادرونك لبناء بيوتهم، وحينها ستندم على تقصيرك في تربيتهم.
5. استشعارك بأن ما تبني فيهم صدقة جارية سيبنونه هم في أولادهم، وهم يستفيدون منك مادة التربية وأساليبها.
2 | علمه برك:
من قواعد الحياة: أن كل شيء يُتعلم، ومن ذلك البر، وكثير من الآباء يظن أن البر شيء يولد به الابن، أو أمر يحتاج إلى تنبيه يسير وسيعرفه الأولاد ويعملون به، ولذا تجده دائما يتذمر من عدم بر أولاده به، والحقيقة أن الأولاد يحتاجون أن تعلمهم البر بطريقين، علمي وعملي:
- الطريق الأول: الطريق العلمي: وذلك بأن تخبرهم بفضل بر الوالدين ومكانته، وتخبرهم بما تحب منهم وما تكره، وتخبرهم بالطريقة التي تحب أن يعاملوك بها، وهذا لا يفعله إلا من عرف نفسه قبل أن يعرف ولده، فمما أدركته من تجارب الحياة أن كثيرا من الأولاد يعانون معاناة كبيرة في بر آباءهم، لأن معيار الرضا غير واضح، ولذا تجد الولد يقول: والدي لا يرضى عني مهما قدمت له، أو يقول: لا أدري ما الذي يرضي والدي؟ فأنا في حيرة شديدة! فتعلمت من هذا أن أحدد معايير مناسبة لرضاي، وأقول لولدي: إذا فعلت كذا فأنا راض عنك، فإذا حقق ما أريد فإني أرضى عنه، ويرى ذلك في قسمات وجهي.
- الطريق الثاني: الطريق العملي: وذلك بأن تدربهم على برك، وتجبرهم على الطاعة الواجبة لك دون المستحبة، ولا تسمح لهم برفض الأوامر، لأنهم لا يعقلون.
وأضرب لذلك مثالا وقع لي مع ابني، فقد تكرر منه أن يأتيني ليحدثني عن أخبار يومه ومدرسته بعد عودتي من الدوام، فأخبرته أكثر من مرة ألا يحدثني في هذا الوقت لأني متعب، وقد فهم بعد أكثر من تنبيه هذا الأمر، وجاءني بعدها ذات مساء وسألني: هل الوقت مناسب لأناقشك؟ فقلت: نعم، تفضل، فحدثني بما يريد.
ومن سار على هذين الطريقين علم ولده البر بطريقة عملية، وسهله له، وأعانه عليه، وقد لا يدرك الولد هذا في صغره، لكنه سيدركه إذا كبُر ويحمده لك، فأنت علمته فضل البر، وجعلت معاييره سهلة، وعلمته كيف يبرك، ودربته عليه.
3 | المسؤولية عن التفاصيل:
مما أدركته أثناء اقتراب ابني عبد العزيز مني، عندما بدأ يصحبني إلى المسجد أنني مسؤول عن تشكيل تفاصيل عقله، فهو يسألني عن كل شيء، وأنا الذي أكوّن في ذهنه الأفكار والتصورات: (فكرة الزواج، فكرة العبادة، فكرة الدراسة، فكرة العلاقات، فكرة الحب، فكرة الكره...إلخ)، فأنا من أصنع المفاهيم في عقله لينطلق منها، ولذا فهي مرحلة حساسة، وتحتاج إلى صبر على طول الحوارات وتجويد لها، ومما تعلمته: أنني آخذ أسئلته على محمل الجد، وأجيب عنها بإجابات كاملة تناسب عقله، فلا أتجاهل السؤال ولا أحتقره، وإنما أجيب عنه بإجابة وافية، لأني أدرك إذا لم أجب عنه سيبحث عن إجابة عنه عند غيري، وسيجد غيري فرصة لتشكيل عقله، ولأنني بهذه الطريقة أضع ثقة ابني فيّ بأن يجعلني المصدر الصحيح لتلقي المعلومات، حتى يرجع إليّ كلما احتاج.
يسأل بعض الآباء فيقول: كيف أتحدث مع ابني؟ فنقول: مبدئيا ابنك هو من سيفتح معك الحوار، وسيسألك عن بدهيات الحياة، المطلوب منك أن تتعامل مع أسئلته باحترام، وتعطيها حقها من الجواب الصحيح المناسب لعمره، ولا تستغرب من أي سؤال يسأله، فهو يشكل فهمه الأول للحياة من خلالك.
ومن الضروري هنا أن تدرك أنه لا يمكن لعقل الطفل أن يستوعب كل ما تريده من المعلومات دفعة واحدة، ولذا فرّق له المعلومات على أجزاء، وهذا من صور الصبر في التربية، فصفة الصلاة ربما يتعلمها في ستة أشهر، ومن الجهل والقسوة بالأبناء إرادة تعليمهم القضايا الكبيرة كقضية الصلاة في مرة أو مرتين، بينما هم في أمس الحاجة إلى تجزئة الموضوع على مئات المعلومات.
مؤمن تمام الإيمان بأهمية فتح باب الحوار مع الأبناء في شتى الموضوعات عموما، والحساسة منها خصوصا، وأرى ذلك من أهم أسباب حفظ الأبناء من التصورات المغلوطة والسلوكيات المنحرفة -حفظ الله أولادنا وأقر أعيننا بصلاحهم، ومن المواقف التي وقعت لي أنني كنت ذات يوم مع ابني -وهو في العاشرة- في درس يتحدث عن خطر الفواحش، فلما خرجنا وركبنا السيارة قال لي ولدي: وش معنى اللواط والزنا؟ فشرحت له ذلك بأسلوب مؤدب يناسب فهمه، فلم أترك الجواب بالكلية، ولم أشرح له كل شيء.
4 | مهمة التعليم عليك لا على المدرسة:
قبل أن أكون معلما كنت أظن أن المعلمين قادرين على بناء الطلاب علميا وأن غالب مهمة التأسيس عليهم، لكن بعد أن دخلت التعليم ونزلت الميدان أدركت أن المعلم في أحسن أحواله لا يستطيع إلا أن يعطي طلابه رؤوس أقلام فقط، أما تأسيسهم، وتحفيظهم، وإتقانهم للمهارات، فإن الوقت لا يسعف لها في المدرسة، ولذا أصبحت أقول: أصل البناء على البيت والمدرسة مكملة، ومن لم يقتنع بهذا طال تذمره، وتأتي أهمية الأسرة في تأسيس أولادها إيمانيا وعلميا وخلقيا، لأنها المحضن الأول والأساس للأولاد، فالمدرسة هي المحضن الثاني، وهي محضن فرعي، وقد يأتي فيها من يقوم بالمهمة وقد لا يأتي، ولذا فالحمل الأكبر على الأسرة، فإن شارك بعض المعلمين في تحقيق الهدف لنا فله منا الدعاء، وإن لم نجد من يشاركنا فالمهمة علينا وسنقوم بها، ولأن مسؤولية الأسرة أكبر من مسؤولية المعلم، فالمعلم مسؤول عن مادته فقط، أما الأسرة فمسؤولة عن كامل التحصيل العلمي وعن التربية، وباختصار فالمعلم زارع، والأسرة ساقية وراعية وقاطفة، ومن حمّل الآخر مسؤوليته فقد ظلم نفسه.
التأسيس مشوار طويل يجمع بين المعلومات والمهارات مع متابعة يومية، وإذا لم يكن الوالد قادرا على التأسيس بنفسه فيمكن أن يستعين بعد عون الله ببعض المعلمين ويعطيهم مبالغ مالية مقابل تعليم أولاده، وقد قمت بهذا مع عبد العزيز فأدخلته روضة مميزة لمدة سنتين ليخرج منها متقنا للقراءة والكتابة، وقد كان هما كبيرا بالنسبة لي، لأني رأيت كثيرا من الطلاب لا يتقنون القراءة والكتابة، فتغلق عليهم كثير من أبواب الفهم والعلم مباشرة!
5| خلقك بريد وصولك:
حسن الخلق نصف التربية، ونصفها الآخر ما تملك من معلومات ومهارات، قال الإمام مالك رحمه الله: "ينبغي للرجل أن يُحسِن إلى أهل داره حتى يكون أحب الناس إليهم"، ولسوء الخلق صور، منها: كثرة الغضب والصراخ، والعتاب الدائم، والسخرية والاستهزاء، والسب والشتم، والتهديد، والضرب المبرح بسبب وبغير سبب، وهذه كلها تتعب المربي من جهة، وتتعب أولاده من جهة أخرى، وتضعف قدرته على تربيتهم، لأن سوء الخلق يولد النفور ثم العداوة، وهناك الكثير من الأبناء الذي يكرهون والديهم ولا يستجيبون لهم، ولذا فكل منهما يكره البيت والعودة إليه، وأنت إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل، فانظر إلى تعامله وأخلاقه مع أهل بيته، فإنه في بيته لا يتصنع ولا يجامل، بل يظهر على حقيقته.
نظن كثيرا أننا نستطيع بالغضب والعتاب والشدة أخذ ما نريد من أولادنا، لكن الحقيقة أن الشدة لها مواطن محدودة، فإذا تجاوز المربي استعمالها لم يعد لها قيمة في مواطنها ولا غير مواطنها! والحل هو في تحفيز المتربي والإحسان إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلَّا شانَه)، فبالرفق تستطيع بعد عون الله أن تقطع مسافات شاسعة في التربية، فالنفوس تحب الرفق والتشجيع والإكرام، وهذه كلها حوافز على المراد، فأنت تريد من ابنك أمورا كثيرة، وعلى قدر تفننك في الإحسان إلى ولدك وتحفيزه تأخذ منه مرادك، فجمال تعاملك، وحسن أخلاقك، وتلطفك له بالغ الأثر في طاعتك والبحث عن رضاك.
التحفيز نوعان: قولي وفعلي، ابدأ بالأول وأكرم أولادك به ثم انتقل للثاني ولا يشترط أن يكون كبيرا، حتى تستطيع الاستمرارية، كما أن التحفيز يخفف الضغط النفسي عليك فلا تعامل كل القضايا بغضب وعتاب، وإنما اجعل القضايا الأساسية والحساسة للغضب والعتاب، والأهداف والطموحات على خط التحفيز، والولد سينهض بنفسه بإذن الله، لأن في هذا الطريق مكاسب له من جهة، ولأن الفراغ يتعبه من جهة أخرى، فالحل في أن يشغله بتحقيق أهدافك.
إذا نظرنا إلى واقعنا نجد أننا نُغرق أبناءنا في كم كبير من الكماليات، دون أن نستغلها ونستفيد منها، والمفترض أن نقدم الكماليات مقابل أهداف يحققها أولادنا، فإن لم يفعلوا سحبناها منهم، وحينها نستفيد تحقيق أهدافنا أولا، ثم معرفتهم بأنها فضل لا حق.
6 |رب نفسك قبل تربية ولدك:
من روعة التربية أنها تربية لنفسك قبل أن تكون تربية لأولادك، فأنت القدوة في كل شيء، فأولادك يقتدون بأقوالك، وأفعالك، وأفكارك، ومشاعرك، والكلام الذي تتفوه به يأخذونه، والأفعال التي تقوم بها يقلدونها، والأفكار التي تتبناها يقتنعون بها، والمشاعر التي تعبر عنها يتشربونها، وإذا كان المرء يخاف إذا دخل إلى مكان فيه كاميرات ويتحفظ، فعيون أولاده وأسماعهم كاميرات دائمة تحتاج إلى تحفظ دائم، ولذا تبدأ تربيتك لأولادك من إصلاحك نفسك، والعناية بتربيتها وتهذيبها، فتربية الأولاد معينة لك على تربية نفسك، والآباء في ذلك قسمان: منهم من يغتنم هذه الفرصة فيسعى لتربية نفسه، وهذا هو الموفق الذي ينفع نفسه وأولاده، ومنهم من يقرر أن يربي أولاده بتوجيهات لا يطبقها، وينهاهم عن أفعال يمارسها، وهذا الذي يفسد أولاده بفساده، ويخسر ويخسرون! ومن هذا تدرك أن غالب ما تراه في أولادك هو منك أو من أمهم فأصلح الجذر يصلح لك الفرع.
7 | إحكام مسارات التربية:
إذا أردت أن تحيط بالجزئيات وتضبطها فاجعل لها أصولا ترجع إليها، وقد وجدت أن كل ما يدور في عملية التربية يعود إلى ثلاثة أصول:
١- بناء المعلومات.
٢- تكوين التصورات.
٣- إكساب المهارات.
فأنت إما أن تعلم ولدك معلومة لا يعرفها، أو تكوّن عنده تصورا لم يكن موجودا، أو تدربه على مهارة لا يتقنها، وبناء عليه فاجعل خطتك التربوية على هذه المسارات الثلاث، وحاسب نفسك على التقدم فيها.
8 | التربية بالمعايشة:
يذكر المربون أن للتربية أنواعا، منها: التربية بالمعايشة، بمعنى أن وسيلتك في تربية المتربي هي عيشك معه وقت طويلا، فتصبح التربية غير محصورة بزمان أو مكان، وإذا كان هذا في الأباعد مؤثرا فهو في الأقارب عموما والزوجة والأولاد خصوصا أشد تأثيرا، فعندما تعايش ولدك في كل أوقاتك تستطيع أن تؤثر فيه وتربيه على ما تريد، فهو معك في تناولك للطعام، وذهابك للمسجد، وشراءك من السوق، وزيارتك للناس، ولذا تستطيع أن تحاوره وتعلمه وتدربه في كل أوقاتك، وهذه مزية كبيرة في تربية الأولاد يغفل عنها كثير من الآباء ولا يستثمرها.
يقول عبد الملك بن مروان: "لاعبه سبعاً ثم أدبه سبعاً ثم صاحبه سبعاً"، وأقول: لاعبه ستا وصاحبه دهرا، لأن الحاجة للعب تكثر في السنوات الأولى، والتأديب وظيفة دائمة، أما الصحبة فتناسب في السابعة ولا تنتهي إلا بانتهاء العمر، ولن يقبل الولد مصاحبة أبيه في الخامسة عشرة وهو لم يصاحبه في السابعة، ومن جرب مصاحبة ولده وجد أنه محتاج لملء كثير من الأوقات والفرص التي تمر به في تربية ولده، فالمساحة كبيرة وقد لا يكون عندنا قدرة على ملء تلك المساحات، على خلاف تصوراتنا الأولية بأن أوقاتنا ضيقة عن الجلوس مع أولادنا وتربيتهم! وهذه ميزة تتحقق في الذكور أكثر من الإناث، ومن مزاياها أيضا: أن صحبة ولدك لك تكفيك الخلوة بالأجنبيات في الأسواق والمستشفيات!
9 |اجعل القرآن أول التربية وأوسطها وآخرها:
من أجل ما يعينك على تربية ولدك عنايتك بغرس ألفاظ القرآن ومعانيه في قلبه، فالقرآن هو سبيل الهداية، وكتاب النجاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تركتُ فيكم شيئينِ لن تضلوا بعدَهما كتابَ اللهِ وسنتي).
تجد جملة من الآباء الموفقين يعتنون بتحفيظ أولادهم القرآن لكن يُقصّرون في غرس معانيه في قلوبهم، ويستغربون من عدم تأثرهم بالقرآن، وذلك لأن التأثر بالقرآن يتحقق بالجمع بين ألفاظه ومعانيه، وإن سألت أين أضع تعلم القرآن في مسارات التربية؟ فأقول: حفظه في المعلومات، وفهمه في التصورات.
10 |أوائل التأسيس العلمي:
أشغلني سؤال مهم وهو: ما أول ما يُعلم ابن السابعة غير القرآن؟ وبحثت عن كتيبات مناسبة فوجدت أن غالب المواد الموجودة لا تصلح لهذا السن وما حوله، فعدد من كتب الأطفال كبيرة المحتوى، ولم تُكتب بما يناسب الأطفال، فطرأت علي فكرة المعدودات لسهولتها، وذلك بأن أجمع أهم المعدودات التي يحتاج الطفل أن يحفظها، فهي مهمة ومعدودة، ورأيت ألا أدخل فيها (أحكام الوضوء والصلاة، والأسماء الحسنى، والأذكار، والآداب، ومجمل العقيدة، والأخلاق)، لأن كل واحدة منها تتقن عبر منظومة خاصة من المنظومات الشعرية التي كتبت للأطفال، وقد سميت ورقتي بـــــ"معدودات الأشبال" -وهي موجودة في مدونتي-، بعد أن سميتها بمعدودات الأطفال وأقترح علي أحد إخواني تغير اسمها، لأنه سأل أولاده في المتوسطة والثانوية عن تلك المعدودات ووجدهم يجهلون كثيرا منها، فاقترح علي تغير اسمها حتى يتقبلها من كان في ذلك السن، وفي هذا فائدة وهي أن هذه المعدودات وتلك المنظومات ينتفع بها ابن السابعة والعاشرة والخامسة عشرة.
أنبه هنا إلى أن حفظ الطفل للمعدودات والمنظومات يحتاج غالبا إلى وقت طويل، فربما حفظها في شهرين أو ثلاثة، لأن الحفظ يكون عليه صعبا، خاصة لمثل هذه المعلومات الجادة، ومن النافع مع حفظها أو بعدها أن يقوم المربي بشرحها له حتى يتم انتفاعه بها وتستقر معانيها في نفسه، وإن سألتني أين أضع هذه الورقة في مسارات التربية فأقول: في مسار بناء المعلومات.
11 | أكثر التعليم وقلل العتاب:
مما استفدته من تجارب المربين ألا أكثر النصائح على ابني لأنها منفرة، وأستبدل ذلك بالسوالف وأضمنها ما أريد من المعلومات، وكثير من الآباء لا يحب الحديث مع ولده، لأنه مستعجل يريد أن يقدم النصائح مباشرة ويمضي، ومثل هذا لا يوفق في تربية ولده، أما الموفق فإنه يحدد الأمور التي يحتاجها ولده ثم يُضمّنها في أحاديثه معه.
نستعجل كثيرا في تربية أولادنا ونريدهم أن يصلوا إلى مستوياتنا في أسرع وقت، ونظن أن النصح الكثير الطويل سبيل ذلك، فيمل أولادنا ولا نحقق مبتغانا، ومن فقه المربي أن يجعل التعليم أصل والعتاب استثناء، وأن يبدأ بالأهم فالمهم، وتأمل في طريقة النبي صلى الله عليه وسلم تجده يعظ أصحابه قليلا ويعلمهم كثيرا، ولما خالفنا طريقته فأصبحنا نُعلّم قليلا أو لا نُعلّم أبدا ونعظ كثيرا ملّ أولادنا منا وتركوا السماع منا خاصة في سن المراهقة.
12 | اغتنم لحظات الصفاء:
من أوجه صعوبة تربية الأولاد عن غيرها من صور التربية أنها مستمرة على مدار الساعة لا تنفك للحظة، وهذا من أسباب زهد الولد في أبيه فالقرب الشديد يجعله لا يعرف مزاياه ويرى عيوبه بوضوح، ومن حلول هذه المشكلة: اغتنام لحظات الصفاء بالإحسان، فهناك أوقات كثيرة تمر عليك وأنت غاضب أو متعب فلا تستطيع أن تقدم فيها، أو تتصرف بتصرفات لا تليق، عوّض ذلك في لحظات الصفاء بالرفق بولدك، والإحسان إليه قولا وفعلا.
13 | المتابعة ركن التربية:
منشأ الانحرافات الكبيرة إهمال الأخطاء الصغيرة، فالتهاون في المتابعة يوقع الابن في أخطاء متتابعة كثيرة، ثم ترسخ هذه الأخطاء وتزداد وتكبر حتى يقع الانحراف الكبير والعياذ بالله ولات حين مندم، المراقبة تجعلك ترى كل شيء من وقت مبكر، والابن الذي يتميز والده بالمراقبة تجده يخاف أولا من الأخطاء، ويتردد كثيرا قبل أن يقدم على ما لا يحسن، ثم إن الأب يلاحظ كل شيء من وقت مبكر، وقد تكلمت عن المتابعة بالتفصيل في مقال: " متابعة الأبناء".
14 | دوّن ملاحظاتك التربوية:
من الأفكار النافعة للمربي أن يكون عنده مفكرة يدوّن فيها كل ما يمر به من ملاحظات على نفسه وأولاده، إيجابية كانت أو سلبية، كما يدوّن التجارب التي تمر به، والأفكار التي ينوي تطبيقها على أولاده، وسيكون من ثمار هذه الكتابة تجويد التربية، وتدوين الخبرات التي يمكن نقلها للآخرين.
هذا ما تيسر معرفته وذكره، والله أسأل أن يصلح أولادي وأولادكم، وأن يجعلهم قرة عين لنا.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الثانية عشرة من ليلة الثلاثاء
الحادي عشر من ربيع الآخر لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف

