الجمعة، 18 سبتمبر 2026

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أحب الدعوة وأتمنى المشاركة فيها، فلما دخلتها وأصبحت أدعو إلى الله في المساجد وجدت أن الأمر صعب، لأن الدعوة تحتاج إلى علم كثير وأنا أفقده، وبدأت أفكر في ترك الدعوة حتى أطلب العلم ثم أعود إليها مرة أخرى، فهل تنصحني بذلك؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فقد قال ربنا سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، أي: لا أحد أحسن قولا منه، وقد وفقك الله لأن تقول أحسن الكلام، وتسير على أحسن طريقة، فاعرف هذا الشرف واحمد الله عليه، ولا تظنن أن ما عندك من الخلل يدعوك إلى التنازل عن هذا الشرف وتركه، وسأوضح لك ذلك في النقاط الآتية:

·       أولا: العلم زاد الداعية، لكن ينبغي أن نتوسط في فهم صفة العلم له، فالناس في ذلك طرفان ووسط، فمنهم من يشترط أن يبلغ الداعية مبلغ العلماء وهذا خطأ، ومنهم من لا يرى بأن الداعية محتاج إلى العلم وهذا خطأ أيضا، والناظر في الواقع يجدهما جميعا، فيجد من يمنع الدعوة ويصعّب شرطها، ويجد المتهاون في العلم الذي يدعو الناس بالسوالف! والوسط تجده في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)، ففي هذا الحديث الأمر بإخبار الناس وإعلامهم بكل ما بلغك من القرآن والسنة، واقتصر هنا على الآية، ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآيات والعلم، ولو كان قليلا، ولو آية واحدة، بشرط أن يبلغ الآية صحيحة على وجهها، فهذا هو الوسط فالزمه.

·       ثانيا: هناك خلط بين الدعوة والتصدر، فالدعوة هي تبليغ ما تعرفه من الدين للناس، وفي مثل حالتك ممن يدعو في المساجد تعليم عامة الناس ووعظهم بما عندك، أما التصدر فهو أن يجلس المرء لتعليم طلاب العلم في المساجد وإفتاء الناس، فإذا جلست لتدريس طلاب العلم والإفتاء فقد تصدرت، والفرق بينهما أن شرط الدعوة سهل، وهو أن يكون عندك آية فأكثر وهذا لا يعدمه أحد، أما شرط التصدر صعب، وهو التمكن في العلوم الشرعية وشهادة العلماء لك بذلك، وإذنهم لك بالتدريس، وكما أننا ننكر على من يخالف شرط العلم ويتصدر قبل التأهل فإننا ننكر أيضا من يخالف شرط الدعوة ويتركها مع القدرة.

·       ثالثا: العلم ليس شيئا ثابتا إذا لم يكن عندك اليوم فلن يكون ما دمت حيا، بل هو شيء يزيد وينقص، وأنت بحاجة أن تكون ذا عزيمة وتنطلق في تحصيله على أيدي العلماء الراسخين بمنهجية صحيحة، فإن خالفت هذين ضيعت عمرك، فالدراسة على العلماء المتمكنين لا على غيرهم، والدراسة بالمنهجية الصحيحة عند أهل العلم، وليس على مزاجك ورغبتك.

·       رابعا: في تحصيلك للعلم إياك أن تطلب العلم على وجه أنه حل لمشكلة مؤقتة، بل اطلبه على وجه أنك بحاجته حتى الموت، لأنك إن استصحبت النية الأولى طلبت العلم قليلا ثم توقفت، ثم ضعفت في الدعوة، وغالبا ستنصرف إلى جانب آخر وقد يكون دنيويا، وذلك لأن الجانب الذي لا تجد فيه تجديد باستمرار ويكون عندك فيه أهداف عالية تسعى لتحقيقها ستتركه، أما إن طلبت العلم بالنية الثانية فستنفع نفسك والناس، وستكون دعوتك قوية مؤثرة مستمرة بإذن الله.

·       خامسا: رب نفسك على "لا أدري"، واكتب أي سؤال لا تعرف جوابه وابحث عنه، حتى تستطيع جوابه المرة الثانية.

·       سادسا: كتبت لك ولكل داع إلى الله "منهجية بناء الدعاة" وهي تعينك على كيفية تأهيل نفسك بطريقة عملية، فاطلع عليها في مدونتي واعمل بها.

·       سادسا: كيف تدعو حاليا وأنت قليل العلم؟ هناك جملة من الطرق المفيدة:

1.    اعتن عناية بالغة بالإعداد، لأنك لا تلام على قلة تحصيلك، لكنك تلام على ضعف إعدادك، فالكتب بحمد الله متوفرة، والتقنيات موجودة، عليك فقط أن تبذل جهدك في الإعداد، وأن يكون صفة ملازمة لك، وستجد بركته بإذن الله.

2.    اهتم بالتحضير الكتابي واحذر من الذهني، الذي تكتفي فيه بمجرد القراءة في الموضوع وكتابة رؤوس الأقلام، أو إلقاء الموضوع مباشرة من ذهنك دون كتابة، فإن هذه الطريقة أضعف أنواع التحضير، وتبقيك ضعيفا، بخلاف التحضير الكتابي فإنه يقويك حاليا ومستقبليا، أما القوة الحالية فبطرح الموضوع محررا متينا، وأما القوة المستقبلية فبإمكان إلقاء الموضوع ولو بعد زمن طويل بنفس القوة، وبتحقق بناء تراثك الدعوي، فتصبح كل الموضوعات التي ألقيتها جاهزة عندك، وحينها سيكون عطاؤك كثيرا دون تعب كبير، فكلما مضت الأيام زاد علمك وزادت موادك وقل جهدك.

3.    كرر الموضوع الوحد ولا تخجل، فإذا حضّرت موضوعا فألقه في أكبر عدد ممكن من المساجد، ولا تقل: الناس قد سمعوه، لأن كل من لم يسمعه فهو عليه جديد، وضابط التكرار أن تكرر الموضوع حتى تمل منه، فإذا مللت فحضّر موضوعا ثانيا وألقه وهكذا، فالتكرار في البدايات يكون كثيرا لقلة زادك، لكن إن مضت بك الأيام فستكثر موادك وستتمنى التكرار ولا تستطيعه!

4.    لا تلتزم بالخطابة الدائمة هذه الفترة، لأنها تحتاج إلى تحضير أسبوعي وهذا يصعب عليك، لكن اجعلها هدفا مستقبليا بعد أن يكثر علمك وتتقن مهارات الإعداد.

5.    اعتمد في المحاضرات والدروس على كتب العلماء وشروحاتهم، فمثلا: إذا أردت أن تلقي محاضرة في صفة الصلاة فلا تحضّر لها من الصفر، لأنك ستجد صعوبة ولن يكتمل لك الموضوع بسهولة، لكن خذ كتاب ابن عثيمين -رحمه الله- صفة الصلاة وألق منه، سيكون طرحك راسخا موثوقا، لكن افهم كلام الشيخ جيدا واسأل العلماء فيما أشكل عليك، فهذه الطريقة تجعل حديثك متينا وإن لم تكن متمكنا في الموضوع، وإن لم تستطع أن تجيب على ما جاءك من أسئلة، المهم أنك طرحت طرحا قويا، وقد رأيت بعض الدعاة يزدري هذه الطريقة ويرى أنها تقلل من قدره، لأنه يريد أن يلقي كل موضوع من نفسه، وأن تكون عنده مواد خاصة به كما للعلماء والمشايخ مواد خاصة فنقول:

1.    العبرة بنفع الناس لا بإظهار النفس، لأن الرغبة في البروز خلل في النية.

2.    كتب العلماء مبذول في جهود عظيمة، وقد وضعوا -رحمهم الله- خلاصات أعمارهم فيها، فهل تتركها وتعمد إلى تحضيرك الضعيف؟

3.    إذا كنت داعية وتترك كتب العلماء فهل تظن غيرك من عامة الناس سيقبل عليها؟

4.    المواد الخاصة ستتحصل لك بإذن الله مع الأيام إن زاد علمك.

5.    لا أحد يلزمك بالاعتماد على كتب العلماء، لكنها الطريقة الأنسب لنفع الناس لمن هو في مثل حالتك يعاني قلة العلم.

6.    الاعتماد على الكتب فيه خير كبير لأنه سيوقفك على ما لا تدرك من التفاصيل ولو حضّرت بنفسك وتعبت! وأنت إذا جربت هذه الطريقة لن تتركها لنفعها حتى وإن زاد علمك!

6.    ألا تطلب الارتجال أولا خصوصا في المواد الطويلة، فتلقي الموضوع من ورق حتى تتمكن منه، ثم تلقيه ارتجالا بعد ذلك، وسيكون إلقاؤك المرة الأولى والثانية ضعيفا، لكن نريد أن يكون بعدها إلقاء قويا مرتجلا.

·       سابعا: ذكرت في سؤالك أنك تريد أن تترك الدعوة حتى تطلب العلم ثم تعود إليها مرة أخرى، وأقول لك: علمنا مشايخنا أن من لم يدخل الدعوة في شبابه لا يكاد يدخلها في كبره، وقد رأينا صدق هذا مع مرور الأيام، فالصواب أن تدخل الدعوة وتشارك فيها بقدر استطاعتك وتتزود من العلم باستمرار، لا أن تنتظر حتى تبلغ مبلغا ثم تدخل، وفرّق بين الدعوة والتصدر، فالدخول للدعوة يكون مبكرا أما التصدر فيؤجل حتى التمكن، وتدريس العامة قنطرة تدريس الخاصة.

والله أعلم.

نافذة الاستشارات (43) | يبحث عن طريقة تربية النابغين

نافذة الاستشارات (43) | يبحث عن طريقة تربية النابغين

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أريد أن أستشيرك في أمر، وهو أن الله رزقني بولد هو الآن في السادسة من عمره، وأريد أن يكون نابغا، بأن يحفظ القرآن، ثم الصحيحين أو الكتب الستة، ثم متون العلماء، حتى يكون عالما من صغره، ولكني أحتاج إلى خطة تعينني في الوصول إلى هدفي، وأريد مساعدتك في ذلك.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فإن المتربي يحتاج إلى أمرين: تربية وعلم، والمربون ينقسمون بحسب هذين الأمرين إلى أربعة أقسام:

          القسم الأول: من يهتم بهما جميعا.

          القسم الثاني: من يهتم بالعلم دون التربية.

          القسم الثالث: من يهتم بالتربية دون العلم.

          القسم الرابع: من يهمل الأمرين.

ومن السهل أن يقول المربي: أنا من القسم الأول وأريد الاهتمام بهما جميعا، لكن الصعوبة والحقيقة ستظهر في الممارسة العملية، فالعناية بأحدهما صعب، والعناية بهما أصعب، والمربي ليس متفرغا للتربية، بل عنده أعمال كثيرة يؤديها في حياته، والمتربي ليس عنده قدرات مفتوحة، بل قدراته محدودة، ثم زد على ما سبق أن التعارض بين الأمرين حاصل لا محالة، وبناء على هذه المعطيات، فستكون الأولوية عندك لأيهما؟ للتربية أم للعلم؟ وذلك لأن القسم الأول فيه نوع مثالية، وإن كان بعض الآباء قد يوفق في تحقيقه، والقسم الرابع ليس محل حديثنا، بقي الثاني والثالث، والذي أفهمه من سؤالك أنك من أصحاب القسم الثاني، فرغبتك جامحة في صب العلم على ولدك صبا، لكني من أهل القسم الثالث، وأريد أن أعرض لك وجهة نظري فإن أعجبتك فخذ بها، وإن لم تعجبك فاسأل غيري ممن هو مقتنع بتقديم العلم على التربية وعنده خطط لذلك.

          أولا: ما المقصود بالتربية والعلم؟

المقصود بالجانب التربوي: العناية باكتساب الآداب، وتحصيل الأخلاق، وبناء التصورات، وإتقان المهارات، والمقصود بالجانب العلمي: الانكباب على الحفظ والقراءة وحضور الدروس، وجعل النصيب الأوفر للحفظ، والأصوب في نظري في تربية الأولاد أن يكون اهتمام المربي بالجانب التربوي أكثر من اهتمامه بالجانب العلمي.

          ثانيا: ما الأسباب الدافعة لتقديم التربية على العلم؟

1-      لأن الجانب التربوي أساسي بينما العلمي كمالي، والتربوي يغني عن العلمي ولا يغني العلمي عن التربوي.

2-      أننا نلحظ في المخرجات العلمية ضعفا، ويشتكي جملة من الآباء والمحفظين والمشايخ مما يرونه، فيقولون: حافظ للقرآن ويحلق لحيته ويطيل ثوبه، وحافظ للسنة ويسمع الأغاني، وحافظ للمتون ولا يصلي الفجر في المسجد! وليس المقصود خلو طالب العلم من الذنوب، لكن عندما تكون الذنوب كبيرة وظاهرة ومتكررة في الطلاب نعرف أن عندنا خللا يحتاج إلى إصلاح.

3-      لأن الجانب العلمي ثقيل على الأولاد وغالبا يسيرون فيه بغير قناعتهم، وينتظرون الفرصة المناسبة للتخلص منه، بينما لو بدأنا بالجانب التربوي وأخذنا من الجانب العلمي شيئا يسيرا، فإن احتمالية توجه الولد للعلم كبيرة، وإذا توجه توجه غالبا برغبة وقناعة فيكفينا عناء المرابطة معه، وأذكر أن أحد الآباء شكا لي حال ابنه فهو قد حفّظه القرآن في صغره، وختم في الأول المتوسط، لكنه يرفض المراجعة ويرفض أي برنامج علمي آخر، كحفظ السنة أو قراءة الكتب أو حضور الدروس، وقال لي: تعبت معه حتى حفظ، وأتعب معه الآن حتى يراجع، وأخشى أن ينسى القرآن ويذهب كل جهدي الذي بذلته! وأذكر أني سألت أحد المسؤولين في جمعية تحفيظ عن هذه المشكلة، فقال: هذه المشكلة التي لم نجد لها علاجا، فجملة من طلابنا يختمون في المرحلة المتوسطة ثم يرفضون المراجعة فضلا عن الإكمال في البرامج العلمية!

كل هذا يؤكد أننا نضغط على أولادنا حتى ينجزون هذه الإنجازات العلمية المبهرة لكنهم يعودون علينا بقطع الطريق تعويضا لما فاتهم من المتع!

4-      أن العناية بالجانب التربوي هو الموافق لطبيعة الأولاد، فهم يميلون للعب والأنس، أما الجانب العلمي فهو من طبيعة بعض الكبار لا كلهم.

5-      من الآثار التي وجدتها وأنست بها لأنها وافقت رأيي، ما قاله أشهب: "سئل الإمام مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن [أي حفظه]؟ قال مالك: ما أرى هذا ينبغي"، قال ابن رشد في كتابه البيان والتحصيل معلقا على أثر مالك: "إنما قال هذا لا ينبغي، من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع التشديد عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا، وترك الرفق به في ذلك".

هذا ما عندي، وأسأل الله أن يرزقني وإياك صلاح أولادنا ويعيننا على تربيتهم وتعليمهم.

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أحب الدعوة وأتمنى المشاركة فيها، فلم...