الاثنين، 7 سبتمبر 2026

لفتة (65) الفتور الدعوي

[65]

الفتور الدعوي

الاثنين 1448/3/25

الدعاة هم نور المجتمع، الذين يسير بسيرهم الناس، ويقتدون بطريقهم ومنهجهم، أترى كيف يكون الحال إذا ضعف النور أو غاب؟ مشكلة فتور الداعية من أشد المشكلات الدعوية التي تحتاج إلى بيان وعلاج، حتى نخفف من فقدان غياب الدعاة وانسحابهم، وفي هذه الأسطر تناول لهذه القضية، وسأورد أسباب الفتور وألحق كل سبب بذكر علاجه:

1-         ضعف الإيمان، وذلك أن قوة الداعية في إيمانه، فإذا كان محافظا على أوراده معتنيا بها أُعطي قوة على الدعوة إلى الله، أما إن فرط فإن الخلل يدب إلى النوافل ثم إلى الفرائض، ثم يبدأ الوقوع في المعاصي، فيجد الداعية بعد ذلك ضعفا ووهنا في الدعوة إلى الله، ودواء ذلك في أن يرسم لنفسه برنامجا إيمانيا ويحافظ عليه، ويحاسب نفسه باستمرار على هذا البرنامج، فلا تكون العبادة مبعثرة وإنما مرتبة وفق برنامج يناسبه.

2-         غياب التجديد، فالدعوة من طبيعتها التكرار، وبادئ الأمر يجد الداعية أن التكرار يُثبّت المعلومات في ذهنه، لكن بعد التثبيت يأتي الفتور بسبب الملل من التكرار، وحينها يحتاج الداعية أن يجدد في الموضوعات، والمواد، والأساليب، وليس للتجديد نهاية، ومن جدد باستمرار بقي نشيطا متحفزا على الإلقاء والنفع ولو كبر سنه.

3-         نسيان الاستعانة بالله على الدعوة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال السعدي: "أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة، وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي"، وقد يكون سبب ذلك اغتراره بنفسه وعلمه وقوته!

4-         الفهم الخاطئ للأثر، فجملة من الدعاة يفترون لأنهم يريدون أن تكون آثارهم كبيرة، وأن ينفع الله بهم البلاد والعباد، وأن يقبل عليهم الجميع، وأن تمتلئ المساجد لهم، فإذا رأوا ضعفا في الإقبال وقلة في الحضور، ولم يشاهدوا لدعوتهم آثارا ملموسة، قالوا: ليس للدعوة أثر ويكفي ما بذلناه سابقا! وعلاج ذلك في فهم الأثر فهما صحيحا، فالأثر المطلوب هو تحقيق البلاغ، قال تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}، وقال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، وغالب الأثر لا يراه الداعية، وهذا من رحمة الله به، فلو رآه لاغتر وهلك بغروره.

5-         فقدان العالم المربي والصاحب المعين، فمن أسباب ملل الداعية وفتوره انعزاله عن المشايخ والأصحاب، وقد يكون هذا مقصودا وقد يكون غير مقصود بسبب كثرة العمل، لكنه يكون مضرا مع الأيام، لأنه يحتاج إلى عالم مربي يجلس عنده ويستمد طاقته منه، وصاحب ألمعي يتدارس معه العلم وشؤون الدعوة، يقول ابن القيم -رحمه الله- عن حاله مع شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة)، فابحث عن عالم يدنيك وصاحب يقويك.

6-         تحميل النفس فوق طاقتها، وذلك بأن يأخذ الداعية من الأعمال أكثر من طاقته، ويتولى أمورا أكبر من قدرته، فيبذل كل جهده ثم يعجز عن إيفاء الأعمال حقها، فيكون سببا في فتوره وتركه للدعوة، وعلاج ذلك في الرفق بالنفس، وان يأخذ الداعية أعمالا يسيرة بادئ الأمر، وكلما زاد علمه ونشاطه وقدرته زاد من الأعمال وهكذا.

7-         العشوائية في العمل، فإن أكثر الناس مللا من الدعوة السائر بلا تخطيط وترتيب، فهذا يمل سريعا لأنه لم يدخل في شيءٍ فيشبعه ويشبع منه، وهو في الغالب مفرط في حقوق أهله، وعلاج هذا أن يرتب الداعية جدوله، ويضع لأهله وقتا، وللدعوة وقتا، ولحقوق الأخرى وقتا، ثم يخطط لدعوته تخطيطا دقيقا.

8-         اليأس والإحباط، ويقع هذا كثيرا أيام الفتن، فيشعر الداعية بالإحباط نتيجة علو الباطل، وتجده يردد عبارات من مثل: ما فائدة العمل؟ ماذا ينفع هذا العمل الصغير أم هذا الطوفان الكبير؟ من يستمع لي هذا الوقت؟ وعلاج هذا السبب في إدراكك بأن لست مطالبا بتغيير الناس ولا بإصلاح الواقع وإزالة الفتن، وإنما أنت مطالب بالبلاغ المبين، فإن بلّغت فقد برأت ذمتك، واحمد الله أنك مطالب بالبلاغ لا التغيير.

9-         التعامل مع الدعوة على أنها مشروع مؤقت، فتجد بعض الدعاة ينشغل بالدعوة وينشط لها زمن شبابه فقط، فإذا كبر رأى أنه قد تجاوز الدعوة، وأنه حان الوقت للانشغال بأعمال أكبر -وكأن الدعوة صغيرة!- كالأعمال الأكاديمية والإدارية! وعلاج هذا السبب في معرفة قدر الدعوة ومكانتها وتشرب فضائلها.

10-   التفريط في قراءة سير العلماء الباذلين، سواء من المتقدمين أو المعاصرين، فالمرء إذا سمع بأخبار العلماء والمصلحين عادت قوة نفسه ونشط من جديد للبذل والتعليم، ومما يؤثر أكثر صحبة العلماء الباذلين، فمرافقتك لعالم باذل يومين أو ثلاثة تؤثر في نفسك شهورا بل سنوات.

11-   قلة العلم، فالداعية ذا العلم القليل يمل سريعا، لأنه ليس عنده ما ينفع به نفسه وغيره، فهو عند التحصيل يدعي أن العلم القليل يكفي للناس، لكنه عند الممارسة يجد أن حاجات الناس كثيرة وليس عنده من العلم ما يسدها، وأن الحاجات التي يستطيع القيام بها قليلة فيمل ويغادر! وعلاج هذا الاستكثار من العلم واستمرارية التحصيل حتى النزع.

12-   الطبيعة البشرية، فالإنسان ينشط ويفتر بطبعه، وليست المشكلة في وقوع الفتور وإنما في غياب الحد الأدنى الذي ينزل إليه الداعية إذا فتر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِكُلِّ عملٍ شِرَّةً، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فترةٌ، فمنْ كان فترتُهُ إلى سنتي فقدِ اهتدى، ومَنْ كانَتْ إِلى غيرِ ذَلِكَ فقدْ هَلَكَ)، فينبغي أن يكون فتور الداعية على السنة، والسنة هي التوسط والاعتدال مع المداومة على العمل، فتُكمل دعوتك دون توقف مخلصا لله تعالى، لكنك تخفف عملك فترة مؤقتة بسبب ما يمر بك من ضعف، لا أن تترك الدعوة بالكلية.

13-   غفلة الداعية عن هذه المشكلة وأسبابها، فالعارف بمشكلة الفتور وأسبابها وعلاجها يكون مستعدا لها، واضعا الحد الأدنى الذي لا ينزل عنه، فإذا نزلت به لم يترك الدعوة واستطاع علاجها بشكل سريع.

أختم مقالي بما استفدته من شيخي فهد العيبان -وفقه الله- حيث اتصلت به يوما وشكوت له هذه المشكلة فأوصاني بأربع فقال:

          "أولا: التجأ إلى الله وتضرع بين يديه أن يفرج عنك.

          ثانيا: فتش عن سبب فتورك، هل هو يأس؟ أم التفات إلى الدنيا؟ أم ذنب؟

          ثالثا: تذكر أن هذا الفتور بلاء من الله وعليك أن تصبر عليه.

          رابعا: اعلم بأن الدعوة نعمة، وإن لم تحافظ عليها فقد تسلب منك".

  سؤال اللفتة: هل أبصرت أسباب الفتور وعلاجه؟

اللهم أعنا على أنفسنا ووفقنا لتهذيبها..

السبت، 5 سبتمبر 2026

لفتة (64) صراع التائب مع الشيطان

[64]

صراع التائب مع الشيطان

الاثنين 1448/3/18

خلقنا الله جل وعلا لعبادته وأخبرنا أن الشيطان عدو لنا فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، ومن رحمة الله بنا أنه لم يجعل للشيطان طريقا إلا الوسوسة، وأمرنا بمدافعتها فقال سبحانه: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، ومع أن الشيطان ليس معه إلا الوسوسة لكنه يحترف استعمالها حتى حقق بها أثرا كبيرا في الإضلال، واحترافه في أمرين:

          الأمر الأول: معرفة نقطة ضعف المسلم، فكل أحد منا له نقطة ضعف، فهذا يضعف عند المال، وهذا يضعف عند النساء، وهذا يضعف عند الخوف، وهكذا، فأول ما يبتدئ به الشيطان معرفة نقطة الضعف.

          الأمر الثاني: تكثيف الوساوس فيها، فهو يركز تركيزا كبيرا على نقطة الضعف ويكثر الوساوس فيها حتى يسقط الشخص من خلالها.

فهذان الأمران يقوم بهما الشيطان مع المسلمين عموما، وأما مع التائبين فإنه يزيد من كثافة الوساوس بشكل جنوني، فيستغرب التائب من هذا الضغط الشديد ويتهم نفسه بالمرض أو النفاق لعدم إدراكه لحرب الشيطان له، وسر ذلك أنه قد بذل مع هذا التائب جهدا طويلا لسنوات حتى يوقعه فيما أوقعه فيه، وهو لا يريد أن تضيع جهوده بالتوبة، ولذا يُكثّف الوساوس عليه قدر ما يستطيع، ويشتكي كثير من التائبين من هذه الوساوس ويقول: لا أدري لماذا أصابني بعد التوبة وساوس شديدة خاصة في الأمر الذي أضعف فيه؟!

وللشيطان الرجيم في وسوسته للتائب صور، أهمها:

1.    الوسوسة إليه بعدم التواصل مع المشايخ بحجة عدم الإثقال عليهم.

2.    الوسوسة الدافعة لتأنيب الضمير المبالغ فيه، والتي تدفع لليأس وترك الطاعة.

3.    الوسوسة إليه عند التقصير في شيء من الطاعات بأنه لا فائدة من سائر الطاعات باقي اليوم.

4.    الوسوسة إليه بعدم جدوى التوبة إذا لم يجد الآثار التي يريدها سريعا.

5.    الوسوسة إليه بتضخيم المعاصي التي كان يفعلها، وأن التوبة منها صعبة، وأن غفران ذنوبها أصعب.

6.    الوسوسة إليه بأن نفسه فاسدة، وأنه منافق، وأن التوبة والطاعة للأطهار فقط.

7.    الوسوسة بتقديم النوافل على الفرائض، كتقديم قيام الليل على صلاة الفجر.

8.    الوسوسة بالإكثار من الطاعات فوق ما يستطيع حتى يتعب وينقطع.

9.    الوسوسة للتائب بأنه يمكن أن يتوب دون توجيه شيخ حتى يتفرد به ثم يعيده.

وبعد ذلك ما العلاج؟

·       من رام علاج الوسوسة والانتصار على الشيطان فعليه بالاستعانة بالله جل وعلا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، والتعوذ بالله من الشيطان مستحضرا عند قولها الاستعانة بالملك سبحانه.

·       اعرف المعصية التي تضعف عندها وعالجها علاجا عميقا، وقد فصّلت ذلك في استشارة: "كيف أعالج الذنب الذي أحبه؟".

·       مجاهدة النفس وعدم الملل من ذلك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، قال ابن سعدي: "أي: الطرق الموصلة إلينا"، والمجاهدة هي وظيفة الحياة التي لا تنتهي إلا بخروج الروح، لأن الله قد قدّر قيام هذه الدنيا على التعب، ومن فهم أن المجاهدة على التوبة والاستقامة تكون مرة واحدة أو وقتا يسيرا فقد أخطأ الطريق، فإن المعركة مع الشيطان لا تنتهي إلا بخروج الروح، وتأمل -يا رعاك الله- في هذا الموقف العظيم: يروي عبد الله بن أحمد بن حنبل قائلاً: "حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده وبيده الخِرقة، وهو في النزع، فكان يغرق حتى نظن أنه قد قضى، ثم يفيق ويقول: لا بَعْدُ، لا بَعْدُ. ويشير بيده، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبتِ إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني! ما تدري؟ فقلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قام بحذائي، عاضًا على أنامله. يقول: يا أحمد! فتَّني؟ وأنا أقول: لا بعدُ، حتى أموت"، فهذا الإمام الفقيه أحمد بن حنبل يرى في سكرات الموت بأن معركته مع الشيطان لم تنته بعد، فكيف بنا نجاهد الشيطان مرتين أو مرتين ثم نترك ونستسلم؟!

·       إشغال الذهن بما ينفع، فكما أنك تشغل فراغ وقتك، فأنت بحاجة إلى إشغال فراغ ذهنك، لأن الذهن مثل الطاحونة لا يمكن أن يقف، فإن لم تشغله بالنافع شغلك بالضار، وقد فصلت عمليا في كيفية ذلك في مقال: "الحاجة إلى التفكير".

  سؤال اللفتة: هل أدركت طرق الشيطان وطرق مقاومته؟

اللهم انصرنا على أنفسنا وشياطيننا وأعدائنا..

لفتة (65) الفتور الدعوي

[65] الفتور الدعوي الاثنين 1448/3/25 الدعاة هم نور المجتمع، الذين يسير بسيرهم الناس، ويقتدون بطريقهم ومنهجهم، أترى كيف يكون الحال إذ...