[61]
قضايا التعليم الكبرى
الجمعة 1440/10/18
ستة عشر عامًا يمكثها الطالب على مقاعد الدراسة يدرس فيها عشرات المناهج، ويمر على آلاف المعلومات، ويتنقل بين أفياء العلوم، لكن الملاحظ أن الهم الذي يسيطر على كثير من المعلمين والأسر طيلة هذه الرحلة هو ضبط المعلومات الجزئية في المناهج، مع عدم العناية بالقضايا الكبرى للتعليم، وهذا ولد تفريطا في القضايا الأساسية التي لا ينبغي التفريط فيها، وذلك لأن الصواب أن نؤسس القضايا الكبرى ثم نجعل المناهج تابعة لها، وفي هذه الأسطر أتحدث عن تلك القضايا وأفصلها:
القضية الأولى: حب التّعلم
وهي أول ما يُعتنى به، لأنه إذا وجد الحب وجد النهم الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (مَنْهومانِ لا يَشْبَعانِ: مَنْهومٌ في عِلْمٍ لا يَشْبَعُ، ومَنْهومٌ في دُنْيا لا يَشْبَعُ)، فنحن نريد أن يكون نهمنا في العلم أشد من نهمنا في الدنيا، لأن العلم يحقق سعادة الدارين، وها أنت تجد أهل العلم يتحدثون لطلابهم كثيرًا عن فضل العلم، ويُدرّسون كتب أدب الطلب التي تهتم بذلك، وهذا من طرائق زرع حب العلم في النفوس، وقد سألت طلابي في المرحلة المتوسطة: لماذا نتعلم؟ وما فائدة المدرسة؟ فسكت غالبهم وأجب بعضهم بإجابات خاطئة! حينها أدركت أننا عندما نفرط في تغذية أولادنا بالدوافع الصحيحة نفقد رغبتهم في الأعمال الجادة!
فهل نتحدث كآباء لأولادنا عن أهمية العلم ونكرره عليهم صباح مساء؟ وهل نتحدث كمعلين لطلابنا عن أهمية العلم ونكرره باستمرار؟ فنحن إذا نظرنا في حال طلابنا وجدنا كرهًا للتعلم وتذمرًا منه، ونفورًا من الكتب والمعلمين، غير الفرح الذي تراه بالإجازات وغياب المعلمين وتعليق الدراسة، حتى أصبح التعليق والإجازة بشارة يبشر بها الأب أولاده! وثقافة التذمر التي تنتشر مجالسنا وشبكات تواصلنا أهم أسباب ذلك! فحديثنا عن التعلم في غالبه سلبي ونادرا ما يكون إيجابيا، فالطفل بطبيعته يحب المدرسة لكننا نقمع ذلك الحب ونزهده فيه حتى يتحول إلى كره ثم نستغرب من وقوع ذلك!
القضية الثانية: إتقان القراءة والكتابة
فهما مفتاح العلم، من لم يُحصّلهما لم يشم رائحته، وإن مكث على مقاعد الدراسة عشرين عامًا، والمؤلم أن الضعف في هذه القضية الأساسية ظاهر في جميع مراحل التعليم، وتراه في طلاب الأول الابتدائي وفي طلاب السنة الأخيرة من الجامعة، وقد لاحظت على أحاديثي مع المعلمين التي يذكر فيها هذا الموضوع أن الجميع يتفق على أنها مشكلة عامة في الذكور والإناث، والصغار والكبار! والبعيد عن ميدان التعليم قد يستغرب من هذا الكلام لكنها الحقيقة المرة! ولذا أنصح الآباء ببذل المال والجهد على تأسيس الأطفال تأسيسا متينا في المهارات الأساسية وأولها القراءة والكتابة، ومن فعل ذلك ارتاح راحة كبيرة.
القضية الثالثة: معرفة ما لا يسع المسلم جهله
وأظن أن المناهج تقوم بدورها في هذا الموضوع، لكن الخلل في الطلاب الذين لا يعتنون بضبط ما تعلموا، وفي أولياء أمورهم الذين لا يهتمون لذلك، ويلقون بكامل العبء على المعلم، والصواب أن المعلم زارع والأسرة ساقية وراعية وقاطفة، ومن المؤسف والله أن تجد طالبًا مكث ستة عشر عامًا على مقاعد الدراسة ثم تجده لا يحسن الوضوء، أو يجهل أحكام الغسل، أو لا يفرق بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، أو لا يعرف أركان الصلاة وسننها، ولذا فالنداء موجه للجميع بأهمية العناية بالمواد الشرعية، والحرص على دراستها وتدريسها بإتقان، والاهتمام بها أكثر من بقية المواد الأخرى، ولا يصح أن نقدم الرياضيات والإنجليزي على المادة التي نطبقها في كل يوم من حياتنا وسنسأل عنها في قبورنا! كما أؤكد على تكرار مهمات العلم وعدم الملل من ذلك، وإجراء مسابقات ودورات لترسيخها في النفوس.
القضية الرابعة: اكتشاف قدرات الشاب وتوجيهها نحو ما يحسنه
فإن أحد أهم أسباب ضعف أمتنا: عدم فاعلية أفرادها، وذلك لأنهم تائهون حائرون، لا يعرفون أنفسهم ولا أمتهم، وكثير من الشباب إن لم يشتغلوا بالشهوات والشبهات فهم على المباحات التي لا تعود عليهم بالنفع، لكن إذا وفق الشاب لسلوك طريق الخير ففي الغالب أنه لا يعرف قدراته والمجال الذي يحسنه إلا في وقت متأخر، ولذا كانت هذه من قضايا التعليم الكبرى، فنحن نريد ألا يتخرج الشاب من الجامعة إلا وقد عرف نفسه وقدراته ومواهبه، وامتلك خطة يسير عليها في بناء نفسه ونفع أمته، وإذا عرّف المعلم الطالب بقدراته فقد أحسن إليه أيما إحسان.
القضية الخامسة: امتلاك الطالب مفاتيح تخصصه
إذا عرف الشاب قدراته فإنه سيحدد التخصص المناسب له بسهولة، بعدها ينبغي أن يتقن الحد الأساسي من تخصصه، ويمتلك مفاتيح ذلك العلم، بمعرفته إجمالا، ومعرفة علمائه، ومصادره الأساسية وكيفية التعامل معها والبحث فيها، مع إدراك تاريخ العلم، وكيفية ربطه بالواقع، والقدرة على تبسيطه للناس ونفعهم بذلك، ويلحق بهذا ضبط مهارات التعلم ومهارات التفكير، هذا الحد الأدنى الذي يتحصّل على مقاعد الدراسة، أما الاستزادة والترقي فمهمة الطالب بعد تخرجه.
القضية السادسة: تهذيب نفس الطالب وتربيته
فالأدب قبل العلم، وما فائدة العلم بلا أدب، وعند تجاهل هذه القضية يخرج لنا قاض يرتشي، وطبيب خائن، ومهندس لص، وقل مثل ذلك ممن يتقلد المسؤوليات المختلفة بلا خلق وتربية، فيسعى لمصالح نفسه، ويضر الآخرين من الجهة التي أرادوا أن ينفعهم بها! ومن المفاهيم المغلوطة: الاعتقاد بأن التربية خاصة بالأطفال، وأن المسؤول عنها هما الوالدان، حتى ليخيل لبعض المعلمين أنهم مسؤولون عما بين دفتي الكتاب، وأما تأديب الطالب فلا يهمهم، ويرى الواحد منهم أمامه عشرات الأخطاء وكأنه لم يرَ شيئا! والصواب: أن التربية للصغار والكبار، وكل من يعتني بتوجيه الناس فهو مرب كالوالد، والحاجة لتهذيب النفس لا تنتهي إلا بخروج الروح!
سؤال اللفتة: كيف ستعتني بهذه القضايا مع أولادك وطلابك؟
اللهم ارزقنا العلم والأدب..


