الاثنين، 20 أبريل 2026

لفتة (54) المهمة الصعبة

[54]

المهمة الصعبة

الاثنين 1447/11/3

الناظر في أحوال التعليم اليوم بشقيه النظامي والمسجدي يلاحظ أن داء السرعة قد دب إليه واخترقه وأفسد فيه فسادا عريضا، فالمعلمون والأشياخ قد اعتادوا على السرعة وأحبوها، والطلاب ألفوها وطلبوها، وأصبح الراغب في التأني غريبا! والطالب للإتقان وحيدا! مع علمنا جميعا بسنة العلم وهي أنه لا يُنال إلا على مهل!

آثار هذا الخلل أصبحت ظاهرة وما سيأتي سيكون أشد وأشد إن لم نقف للمعالجة والتصحيح! انظر في طلابنا تجد من المعتاد وصول الطالب إلى المرحلة الجامعية وهو لا يتقن القراءة والكتابة، ولا يفرق بين أركان الإسلام والإيمان، ولو نظرت إليه وهو يتوضأ ويصلي لأصابك من الهم ما أصابك! إذا كان هذا الخلل في الأساسيات فما دونها من باب أولى، ولذا لا نستغرب وقوعهم بسهولة في الشهوات والشبهات، ولا نستغرب إعجابهم بالتافهين وتشرب ما عندهم من التصورات الساذجة والفاسدة!

أما إذا نظرت إلى طلاب العلم فإنك ستجد اهتمامهم بصورة العلم أكثر من حقيقته، يستكثر الواحد منهم من حضور الدورات السريعة ويكتفي بها، ويلاحق الإجازات ويجمع أكبر قدر منها، ويدمن مجالس التعليق ويسعد بها، لكن حقيقة العلم غائبة، والتمكن من العلم مفقود!

نحن بحاجة إلى وقفة صادقة لنناقش هذه المصيبة العظيمة، ونأخذ خطوات جادة في معالجتها، فلن يرتقي بنا وبطلابنا إلا التعليم الجاد، وأبرز معالمه: العناية البالغة بالتأسيس، وهي المهمة الصعبة التي يندر قيام المعلمين بها في المساجد والمدارس والجامعات!

التأسيس هو تدريس العلوم بطريقة متدرجة، مع العناية بإتقان الطالب لأصول العلم، وذلك بالشرح المتأني لها وإلزامه بحفظها وفهمها، وهذا يأخذ وقتا كبيرا، فتأسيس الطفل في القراءة والكتابة والحساب، وتأسيس طالب العلم على أصول العلوم ومتونها يحتاج إلى صبر في غرس تلك الأصول حتى تتمكن من نفس طالبها كما تمكنت من نفس معلمها.

التأسيس يتطلب أن تأخذ كل مسألة حقها من الشرح والبيان والتطبيق، فالمعلم إذا دخل لشرح كتاب لا يمر على المسائل مرورا، وإنما يقف على المسائل مسألة مسألة ويبين كل ما فيها للطالب، حتى يصبح هذا الطالب مالكا لكم كبير من المعلومات، وقدر متين من التصورات.

يعترض أهل العجلة عند الحديث عن التأسيس باعتراضين شهيرين:

-       الاعتراض الأول: أننا في زمن السرعة وطريقة التأسيس هذه كانت تصلح للأزمنة السابقة، والجواب: أن هذا اعتراض خاطئ، فطريقة التأسيس يُحتاج إليها في كل زمان ومكان، ومن أراد أن يبقى جاهلا أو يكتفي بالوجبات السريعة فله ذلك، لكن لا نلغي الطريقة الصحيحة في التعليم لنرضي كثيرا من الناس، فإن الكثرة ليست معيارا! وفرق بين تقديم وجبات سريعة في مقامات التذكير والتثقيف وبين أن تكون السرعة هي الأصل في تدريس العلم!

-       الاعتراض الثاني: أن التأسيس عند بعض المشايخ يأخذ وقتا أطول من الوقت المحتاج إليه، فنقول: الخطأ في التطبيق ليس دليلا على خطأ الفكرة، فإذا أخطأ شيخ وشرح كتاب صغيرا في مدة طويلة فليس هذا دليلا على خطأ فكرة التأصيل، وإنما الخطأ في التطبيق.

أخيرا.. هذه المهمة الصعبة -مهمة التأسيس العلمي- لمن أراد تطبيقها من المعلمين أو أراد الدراسة عليها من المتعلمين لا بد أن يجد من العوائق ما يجد:

-       فالمعلم والشيخ سيجدا اعتراض الطلاب ومن حولهم ومطالبتهم بالسرعة، وهما بحاجة أن يثبتا ويصبرا على هدفهما ويتعاملا مع العوائق حتى يصلا إلى ما يريدا أن يصلا إليه.

-       أما ولي الأمر فإنه لا بد أن يقتنع أن تربية أولاده وتعليمهم هي مهمته لا مهمة المدرسة، لأن المدرسة مكمّلة لا مؤسسة، ويتبع هذه القناعة بذل ماله ووقته على تأسيس أولاده وتمكينهم، ومن ترك ذلك طالت حسراته!

-       أما طالب العلم فالمهمة عليه أشق، لأن المعينات على هذه الطريقة في واقعنا قليلة، فالأشياخ والبرامج الذين يهتمون بتأسيس الطالب قلة! ولذا يحتاج أن يتعب تعبا كبيرا، ويستعين بالله وحده، ثم يسأل المشايخ في كيفية التعامل مع هذه المعضلة، ولا يرضى بالتعلم السريع الذي يخرجه مثقفا لا عالما!

تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا * وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ

سؤال اللفتة: هل عرفت المهمة الصعبة وأدركت ندرتها في واقعنا؟

اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح..

الأحد، 19 أبريل 2026

نافذة الاستشارات (17) | علاج توقف الأقران والشيوخ!

نافذة الاستشارات (17) | علاج توقف الأقران والشيوخ!

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي هو: كنت أتعاون مع أحد أصحابي على طلب العلم، وبعد مضي عشر سنوات فاجأني صاحبي ذات ليلة بقوله: قد أخذت من العلم ما يكفيني ولا أحتاج إلى تعلم بقية العلوم، فحاولت أن أقنعه بأن العلم كثير ولا ينتهي، وأنه ينبغي لنا أن نتزود منه حتى تفيض أرواحنا إلى الله ولم يقتنع بكلامي، فكيف أتعامل مع حالة الإحباط التي أعيشها؟ وكيف أرفع من همتي حتى لا أتوقف مثل صاحبي؟ والله يحفظكم.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

هذه المشكلة التي سألت عنها تقع لطالب العلم مع أقرانه أحيانا، ومع بعض مشايخه أحيانا أخرى، ومن الضروري معرفة كيفية التعامل معها، وفي يلي أسوق إليك جملة من الإشارات التي اسأل الله أن ينفعني بها وإياك:

-     أولا: تعرف على أسباب هذه المشكلة واحرص على السلامة منها، ومن تلك الأسباب:

o      قلة التعبد، فالعلم ثقيل، وعلى قدر نصيبك من العبادة تكون قدرتك على تحمله، فمن قصّر في عبادته عجز عن حمل العلم.

o      التصدر قبل التأهل، لأن من تصدر انشغل بالناس، ولم يجد وقتا للتعلم، ثم بعد فترة يزهد في العلم، وهذا من أسباب قلة العلماء، فالنابغ يُعجب بنفسه فيتصدر فيخسر وتخسر الأمة معه، ومما يدفع على التصدر عيش طالب العلم في البيئات الضعيفة التي يقل فيها العلم.

o      حرق المراحل، فبعض طلاب العلم إذا سمع حديث العلماء عن التدرج استهزأ به، وسعى في ختم كتب المرحلة الأولى سريعا، ثم الثانية، ثم الثالثة، والنتيجة فقدان الشغف في العلم، ثم يتبعه ترك العلم، بخلاف حال المتدرج فإنه يتقن العلم أولا، ويستمر شغفه ثانيا، وذلك لأن الحياة طويلة، والفراغ كبير، ومن سار في العلم بطريقة صحيحة وجد أن العلم يكفيه حتى الممات، أما من حرق المراحل فلا يجد أن العلم يكفيه في حياته!

o      الاشتغال بالجدل، يقول الإمام الأوزاعي -رحمه الله-: "إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل"، وتجد أن المشتغل بالجدل يصرفه الله عن العلم النافع -نسأل الله السلامة والعافية-.

-     ثانيا: لا تحتقر صاحبك ولا تقلده، فكلا طرفي الأمور ذميمُ، فاحتقار صاحبك خطأ، لأنك قد تُبتلى بما ابتلي به، وتقليده كذلك خطا آخر.

-     ثالثا: اجعل من قواعد حياتك أن تنافس نفسك لا الناس، فإن من نافس الناس كان بين حالين: إما أن يعجز عن الوصول إليهم، وإما أن يصل فيتوقف عن الترقي، أما من نافس نفسه فيسلم -إن شاء الله- من الحسد والتوقف، لأنه يرى جهله باستمرار.

-     رابعا: تيقن بأن هذه القضية لا تقبل أنصاف الحلول، فمن لم يتقدم تأخر، ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، والمرء مهما نال من العلم فإنه سيتراجع، وسينسى ما حصّله، وسيقع في حب الدنيا وشهواتها ولابد، ولذا لا تظنن أن الوقوف سهل بل هو في غاية الخطورة، فالعلم يعصمنا بتوفيق الله من كثير من المزالق، ومن تركه        ضر نفسه.

-     خامسا: اربط نفسك بأهداف عالية باستمرار، وكلما وصلت لهدف منها اطلب هدفا أعلى منه، وإياك إياك العجب بنفسك ولو كنت في بيئة تدفعك لذلك، فإن العجب مهلكة.

-     سادسا: ارتبط بمشايخ وأقران يمتازون بهمة عالية، وقلل علاقاتك بمن دونهم، حتى تبقى تحت تأثير أهل الهمم.

-     سابعا: ابذل النصح لصاحبك بين حين وآخر، وذكّره بأن الانقطاع عن العمل يُصّعب العودة عليه، قد يُبطّئ الإنسان السير لكن لا يقطعه، وطالب العلم لا يخلو من فترات يمل فيها من العلم ويشتاق لبعض المباحات، لكن لا يكون هذا سببا في تركه العلم.

-     ثامنا: لا تقبل التصورات التي يعطيك إياها في التزهيد من العلم، فتجد أن من ترك العلم يبدأ يزهد نفسه وغيره في بعض العلوم، وفي بعض الكتب، وتزهيده ذلك إما بسبب جهله بحقيقتها، أو بسبب رغبته في تخفيف ألم ترك العلم على نفسه.

والله أعلم وأحكم.

نافذة الاستشارات (16) | أعاني من الملل في حضور الدروس

 

نافذة الاستشارات (16) | أعاني من الملل في حضور الدروس

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتك، تقاعدت بحمد الله قبل فترة يسيرة وفتح الله علي في حضور المحاضرات والدروس، لكني منذ مدة بدأت أعاني من الملل، وأشعر بأن كثيرا من المعلومات معروفة لدي، فما الحل؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

-     أولا: هنيئا لك ما وفقك الله إليه من الانصراف آخر عمرك لتحصيل العلم النافع والجلوس في المساجد، فإنها نعمة كبيرة لم يوفق إليها كثير من كبار السن، واستشعار هذه النعمة يوجب شكرها، ومن صور شكرها المحافظة عليها، وسؤالك يعين على ذلك.

-     ثانيا: الدروس في المساجد نوعان: دروس لعامة المسلمين، ودروس لطلاب العلم، والدروس التي لعامة المسلمين غالبا تكون شبيهة بالمحاضرات من حيث سهولة مادتها وقلة معلوماتها، وعدم عنايتها بشرح كتب كاملة، ودروس طلاب العلم تمتاز باللغة الصعبة، وغزارة المعلومات، وختم الكتب.

وتشخيص الحالة التي تحصل لك: أنك إذا حضرت النوع الأول وجدت مللا، لأن المعلومات كانت بادئ الأمر غائبة عنك أما اليوم مع كثرة الحضور أصبحت معروفة مكررة، وإذا حضرت دروس النوع الثاني وجدتها صعبة لا تفهمها، والحل هو في حضور دروس متوسطة، تكون لغتها سهلة لكن معلوماتها غزيرة وتُختم فيها الكتب، وقد عرضت هذه الفكرة على بعض المشايخ فلم يقتنعوا بها، وقلت لهم: بأن هناك شريحة من عامة المسلمين تجاوزوا المعلومات الأساسية الموجودة في المحاضرات والكلمات والخطب والدروس العامة، وهم بحاجة إلى مادة أغزر لكن بلغة سهلة، وهذا النوع من الدروس يندر وجوده.

إذا ما الحل؟ الحل في حضور دروس طلاب العلم المبتدئين مما يتعلق بالعلوم التي تحتاجها، فاحضر دروس طلاب العلم التي تشرح ثلاثة الأصول، والأربعون النووية، ومنهج السالكين، والآداب الشرعية، والسيرة النبوية، وستجد كثيرا من المعلومات التي لا تعرفها، بلغة سهلة عليك بإذن الله تعالى.

-     ثالثا: السعادة مقرونة بالتعب، فإذا لم تتعب لم تسعد وتتجاوز الملل، وأنت محتاج للتعب في أمرين:

o      الأمر الأول: الصبر على حضور هذا النوع من الدروس، وما فيها من غزارة المعلومات، وصعوبة بعضها، والتدرب على ختم الكتب الصغيرة، وذلك لأن دروس العامة يقل فيها الختم، وتعتمد على المعلومات القليلة المتناثرة.

o      الأمر الثاني: التفاعل مع العلم، بتدوين الفوائد، وحفظ ما تيسر منها، ومراجعة الكتب، والعمل بالعلم، وتعليم أهل بيتك ما تعلمت، أما الاكتفاء بمجرد السماع فإنه يورث الملل ولا بد، فأنت بحاجة أن تبذل جهدا في تحصيل العلم والعمل به.

-          رابعا: إن وجدت في نفسك مزيد نشاط ورغبة في العلم فافتح على نفسك باب القراءة، فإنه فيه من المتعة ما لا يخطر لك على بال، لكن اصبر عليها حتى تكتسبها، وابدأ بقراءة الكتيبات الصغيرة، وقراءة الكتب الممتعة ككتب القصص والأشعار.

إن عملت بما قلت لك، فإني أضمن لك زوال الملل الذي سألت عنه بإذن الله تعالى، سائلا الله لي ولك العلم النافع والعمل الصالح.

لفتة (54) المهمة الصعبة

[54] المهمة الصعبة الاثنين 1447/11/3 الناظر في أحوال التعليم اليوم بشقيه النظامي والمسجدي يلاحظ أن داء السرعة قد دب إليه واخترقه وأف...