الأربعاء، 25 مارس 2026

لفتة (46) حروف خجلى

 

[46]

حروف خجلى

الخميس 24/8/1439

في هذا الزمن الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتشتد علينا وتزداد، وتكثر وتتنوع، وكثرتها تحير العبد في سبيل مواجهتها، وطرق مقابلتها، يبحث المؤمن عن سبل النجاة والسلامة وهذا مــــن أمارات توفيقه، من أبرز آثار هذه الفتن كثرة الأسئلة الصعبة التي تُفرض علينا، ومن تلك الأسئلة ما يطرحه على خجل بعض المتزوجين قائلا: رغم امتلاكي لأعظم سبب لإشباع الغريزة إلا أنني لا نشعر بالشبع، ويزداد جوعي يوما بعد يوم فما الحل؟ فأقول: قد وردني هذا السؤال في نافذة الاستشارات وأجبت عنه، وسأجيب اليوم عنه مرة أخرى بإجابة مختلفة راجيا الله أن ينفع الصادق بهما، وإجابتي سأجعلها في حروف:

الحرف الأول: سلم اللذة:

يمر الإنسان بدرجات هذا السلم دون أن يشعر وهذا أحد أسباب المشكلة، فأولى الدرجات يصعدها المرء عند بلوغه، فهذه المرحلة التي ينتقل فيها الشخص من الطفولة إلى البلوغ يحصل بها تغييرات كثيرة أبرزها: هذه الغريزة التي تجعل عنده ميلان إلى الجنس الآخر، ثم تأتي بعدها الدرجة الثانية من السلم وهي الأفكار والخواطر المتعلقة بحب الرجل للمرأة والعكس، ومجرد التفكير في ذلك يدخل المرء في جو من اللذة، تمر الأيام فيصعد الدرجة الثالثة وهي أن يتكلم أو يسمع ما يدور في فلك الغريزة لكن بدرجة خفيفة كالحديث عن مفهوم الحب مثلا -بنوعيه الجائز والمحرم-، وأذكر أن بعض المعلمين كان إذا أراد أن يشد انتباهنا إليه ونحن في المرحلة المتوسطة تحدث عن الحب!! ثم تمر الأيام ويجد الشاب أنه يتطلب لذة أكبر فيسلك من المسالك ما يسلك، وهكذا تمضي به الأيام حتى يتطلع للدرجة الأخيرة من السلم وهي "الزواج"، وهو منتهى درجات اللذة وأوج كمالها، إلى الآن قد يكون ما ذكر شيء طبيعي، لكن غير الطبيعي هو تطلع المتزوج إلى درجة أعلى مما في الزواج كما كان يتطلع في كل درجة من السلم إلى ما بعدها، وتكمن الخطورة في عدم إيمانه بأن الزواج هو آخر درجة في سلم اللذة، من اقتنع بهذا فإنه يحمد الله ويشكره على بلوغ هذه النعمة ويكبح جماح نفسه المتطلعة لمزيد من الشهوات، وذلك لأن النفس لا تشبع من الشهوات باختلاف أنواعها، والشهوة كماء البحر كلما ازداد المرء شربا ازداد عطشا، وخلاصة هذا الحرف: أن أول حل لمشكلتنا: القناعة بأن للذة حدا كما لكل شيء حد، يجب إيقاف النفس عليه وكبح جماحها عن تجاوزه.

الحرف الثاني: اللذة بين الواقع والخيال:

من المصائب الكبرى التي وجدت في زماننا: انتشار الإباحية و فشوها وليس ذلك بطريقة عفوية وإنما منظمة موجهة، وأخطر ما يكون على الناس عامة والمتزوجون خاصة مشاهدتها والتعلق بها، فإضافة على ما ينال المرء من إغضاب ربه ونقصان إيمانه وكتابة السيئات، يكتسب تصورات مغلوطة منكوسة عن العلاقة الخاصة، ثم يريد بعد ذلك أن يُنزّل هذه على تلك، وجهل المرء يغيّب فرق ما بين العلاقتين، وأوضح الفروق أن العلاقة المحرمة خيالية بينما العلاقة الحلال واقعية، وأنى لعبد أن يجعل الخيال في الواقع، فتلك اللقطات والصور التي يراها من يراها لم تخرج إلا بعد جهد كبير في صناعة الحرام والسعي لإخراجه بصورة مثيرة فاتنة، فتلك الأجساد اختيرت من بين آلاف الأجساد، وتلك اللقطات اختيرت من مئات اللقطات، مع جهود فرق متكاملة في التجميل والمكياج والتصوير والمونتاج، إضافة إلى اختيار أرقى الأماكن وأجملها لتصوير تلك المواد القذرة، ثم يرى المشاهد اللقطة الأخيرة دون معرفة بالجهود التي تراكمت لإخراج تلك الثواني، بينما الزواج علاقة واقعية يلتقي فيها رجل بامرأة وترتبط علاقتهما في الدنيا والآخرة، ويعيشون الحياة بكافة ألوانها في السعادة والتعاسة، والراحة والتعب، والرضى والغضب، وقل ما شئت من الأحوال المتضادة فهل يوجد عاقل يشبه هذه بتلك؟!! ومن الخصائص أيضا: أن شريك الحلال ثابت والحرام متغير، فالمتأثر والعياذ بالله بالحرام يكون في قلق دائم لأنه يريد الحلال كالحرام وهذا محال، وعند التأمل في الزواج نجد عظمة هذا التشريع وما ينبني عليه من ثمرات جليلة كاستمرار النسل، وبناء الأسرة المسلمة، التي هي لبنة بناء المجتمع، وكذلك فإن هذه متعة تبني وتلك متعة تهدم.

الحرف الثالث: ليكن نظرك إلى الأسفل:

أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الدنيا بجملة من الإرشادات ومن ضمنها هذا الحديث :(انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم) فمن علاجات مشكلتنا أن ينظر العبد إلى من هو أقل منه ممن لم يرزق بنعمة الزواج أصلا فيعرف نعمة الله عليه ويعينه ذلك على دفع ما في نفسه.

الحرف الرابع: أشغل ذهنك بالمفيد:

يتوهم المرء أحيانا أن مشكلته في الإشباع الجسدي لكنه يجدها في الفراغ الذهني، فهو مشبع جسديا لكن كثرة أفكاره في هذا الموضوع لا سيما في الحرام هي التي تشعل شهوته، وإذا كان يغذي تلك الخواطر الرديئة بمشاهدة الحرام فإنها تزيد عليه، ولو أشغل ذهنه بالمفيد لوجد حلال لمشكلته.

الحرف الخامس: طريق التعدد:

إن من رحمة الشريعة بالعباد أن فتحت باب التعدد لهم قال الله تعالى :(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) فهذا الباب حل لجملة من الإشكالات ومن ضمنها عدم تحقق إشباع الغريزة، لكن لا يسارع إليه المرء حتى يتأكد من صلاحيته له، وقدرته على القيام به.

سؤال اللفتة: زد على الحروف الخمسة ما تراه من حلول لهذه المشكلة؟

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن..

الثلاثاء، 24 مارس 2026

رؤى (13) منهجية بناء الدعاة

 

[13]

منهجية بناء الدعاة

أثنى الله على عباده الدعاة إليه فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، فهؤلاء الدعاة يقومون بإصلاح قلوب الخلق، وإرشاد بصائرهم، وتنوير الطريق لهم، وبوجودهم وقوتهم تصلح المجتمعات، وبغيابهم وضعفهم تفسد المجتمعات، ولما كانت لهم هذه المنزلة الشريفة كان من الأهمية بمكان العناية بتأهيلهم، والاهتمام بتأصيلهم، وعلى ضرورة هذه القضية إلا أنني لم أقف على منهجية في تأهيل الدعاة إلى الله، ولذا أحببت في هذا المقال أن أكتب مقترحا في هذا الشأن.

الداعية بحاجة إلى معلومات ومهارات، يتقنها ويمزج بينها ليقوم بوظيفته، ونحن نُقدّر أن كثيرا من الدعاة يريد زادا لا يستغرق تحصيله وقتا طويلا، وهو في نفس الوقت سيعتمد على العطاء منه حتى يموت!، ولذا حاولت أن أجمع بين هذه المعادلة الصعبة، ومن الله التوفيق والسداد.

 

البرنامج التأهيلي للداعي إلى الله

أولا: الزاد العلمي:

1- علم التفســــــير: المختصر في تفسير القرآن الكريم، لمركز تفسير، ودلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها لعمر عرفات.

2- علم الحديــــث: رياض الصالحين بحاشية هشام آل برغش، ويكمّله بمنجد الخطيب لأحمد السويدي.

3- علم التوحـــــيد: أصول الإيمان، لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

4- علم الفقـــــــــــــــه: الفقه الميسر، لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والأحكام الفقهية لأهم المسائل المعاصرة للدرر السنية.

5- علم الإيمـــــــــان: طريق الهجرتين، لابن قيم الجوزية.

6- علم السيــــــــــرة: مختصر السيرة النبوية من مصادرها الأصلية، لمهدي رزق الله.

7- علم الأصــــول: منظومة مفاتيح العلم، لوليد السعيدان.

8- علم الأخلاق: مختصر الأخلاق والسلوك، للدرر السنية.

9- علم الدعــــــوة: الوجيز في أصول الدعوة إلى الله لفايز الصلاح، والأربعون الدعوية لمحمد العريفي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد السبت، وشرح نظم أصول علم الدعوة لمحمد الحصم.

ثانيا: الزاد المهاري:

1- مهارات تدبر القرآن الكريم، ويعين عليها كتاب تكوين ملكة التدبر.

2- مهارات تدبر السنة والسيرة، ويعين عليها كتاب مفاتيح تدبر السنة لخالد اللاحم.

3- مهارات الإعداد، ولا أعرف مادة في الباب.

4- مهارات الانتفاع بالمراجع الدعوية، كــــ(موسوعات الدرر السنية، وموسوعتي التفسير الموضوعي، وموسوعة نظرة النعيم، وتطبيق جامع الأصول التسعة، وموقع تراث).

5- مهارات الإلقاء، ويعين عليها كتاب المتحدث البارع لياسر الحزيمي.

6- مهارات معرفة وبناء النفس، ويعين عليها نموذج بناء النفس لخالد القرني، وكتاب اكتشاف الذات لعبدالكريم بكار.

7- مهارات التخطيط الشخصي، ويعين عليها كتاب قصة حلم لمشعل الفلاحي.

8- مهارات معرفة مشروع العمر وتحديده، ويعين عليها كتاب مشروع العمر لمشعل الفلاحي، وكتاب مشروعك الذي يلائمك لمحمد المنجد.

9- مهارات التعامل مع الناس، والكتب في أنماط الشخصية ومهارات التعامل كثيرة.

 

إضاءات حول البرنامج:

·       لا تستطل البرنامج ولا تحتقره، فهو غني بما تحتاجه في وظيفتك -بإذن الله- لكن أعطه حقه من الدراسة والإتقان.

·       يزداد النفع بهذا البرنامج إذا أُقيم بصورة جماعية، فيقام لمدة عامين أو ثلاثة بمعدل يوم في الأسبوع من بعد العصر وحتى العشاء، ويُقسّم الوقت بين المسارين العلمي والمهاري.

·       إذا تعذرت إقامة البرنامج بصورة جماعية فيسعى الداعية في إتقان مقرراته بطريقة فردية.

·       الضابط لهذا البرنامج سيخرج بأمور:

o      أولها: المرور على العلوم الأساسية مرورا شاملا، فهو سيقرأ تفسير كاملا، ويقرأ كتابا في الحديث به ألفي حديث مع شرحها، ويمر على رؤوس مسائل الفقه من الطهارة حتى القضاء، ويمر على رؤوس مسائل اعتقاد أهل السنة، وسيقرأ السيرة النبوية كاملة مع الدروس المستفادة من أحداثها، وهذه مادة علمية دسمة، تؤصله علميا من جهة، وتجعله مستحضرا لكم كبير من مسائل الشريعة من جهة أخرى، وهذا الاستحضار نافع له في الإجابة عن أسئلة الناس، ونافع في سعة النظرة حين الإعداد للمواد الدعوية.

o      ثانيها: العناية بالعلوم التي يُقصّر في العناية بها جملة من الدعاة، وأولها: علم الإيمان، فإذا درس طريق الهجرتين لابن القيم -والذي ذكر بعض أهل العلم أنه من أنفس كتب ابن القيم- فُتح له هذا الباب الشريف، وكذلك العناية بعلم الأخلاق ودراسته بطريقة مفصلة ليكون حديث الداعية فيها مؤصلا.

o      ثالثها: معرفة القواعد التي تعين الداعية على الإجابة عن أسئلة الناس، فقد ذكر الشيخ وليد السعيدان أنه كان يراجع خمس عشرة ألف فتوى أفتاها، فلاحظ أن كل تلك الفتاوى تعود إلى خمس وثلاثين قاعدة، فأحب أن ينظمها ويشرحها لينتفع بها طلاب العلم.

o      رابعها: دراسة علم الدعوة دراسة علمية، لا مجرد الدخول إليه بالتجارب الشخصية والآراء الذاتية، هذه الدراسة في شقين علمي بدراسة بعض كتب الدعوة المتعلقة بالأمر والمتعلقة بالنهي، وشق عملي بإتقان المهارات التي يحتاج الداعية إتقانها، كالإعداد، والبحث، والإلقاء.

o      خامسها: إتقان مهارات تدبر الوحيين كتابا وسنة، وهي قضية جليلة ولها نفع كبير، فالنصوص كنوز ومهارات التدبر مفاتح تلك الكنوز، ومن ملكها استطاع أن يستخرج ما لا نهاية له من العلوم والهدايات، ولا أعرف دورات تقام في هذين الأمرين خاصة تدبر السنة، ولذا قد يتعب الداعية في تحصيلها.

o      سادسها: معرفة النفس وبناءها، وهي قضية نافعة جدا للمسلم عموما وللداعية خصوصا، ومن اعتنى بها وجد وضوحا في الرؤية، وتحديدا للأهداف، وترتيبا للأولويات، وتحقيقا للإنجازات -بإذن الله-.

o      سابعها: ضبط مهارات فهم الناس والتعامل معهم، فالداعية أكثر شخص يحتاج أن يفهم الناس ويعرف شخصياتهم، ويكون بصيرا بكيفية التعامل معهم، حتى يكسبهم ويوصل لهم بضاعته.

·       قد يكون هناك مراجع أفضل من التي دللت عليها، لكن هذا ما أوصلني إليه علمي، وأرجو إفادة القارئ الكريم.

·       يجب أن تكون عنايتنا بضبط مادة البرنامج أكثر من عنايتنا بإنجازه في وقت قصير، لأن المطلوب التمكن لا مجرد الختم.

هذا ما يسر الله ذكره وجمعه، وأسأل ربي سبحانه أن ينفع بهذا البرنامج وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله الثامنة مساءا من يوم الثلاثاء

الخامس من شوال، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف

لفتة (46) حروف خجلى

  [46] حروف خجلى الخميس 24/8/1439 في هذا الزمن الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتشتد علينا وتزداد، وتكثر وتتنوع، وكثرتها تحير العبد في ...