الثلاثاء، 26 مايو 2026

نافذة الاستشارات (22) | ما علاج الملل من الحياة؟

نافذة الاستشارات (22) | ما علاج الملل من الحياة؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعاني مللا كبيرا من الحياة، وأشعر أن كل ما فيها قد عرفته وذقته، ولا جديد يشعر بالشغف، فهل هناك علاج لهذا الملل؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فمشكلة الملل من الحياة لها ثلاثة أسباب: البعد عن الله، والإصابة بمرض نفسي، وغياب الأهداف، وإليك شيئا من تفصيل ذلك:

-          أولا: كتب الله جل جلاله أن السعادة مقرونة بطاعته، قال سبحانه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} قال ابن سعدي: "{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة، ولا يكون ذلك إلا عذابا"، فكيف هي طاعتك لله سبحانه؟

-          ثانيا: الأمراض النفسية تسبب الضيق وكره الحياة، ومن المكابرة أن يرفض المرء الذهاب إلى الطبيب النفسي ويدعي سلامته من الأمراض دون فحص طبي، فالذهاب للطبيب النفسي كالذهاب للطبيب الجسدي ولا عيب في ذلك ولا نقص!

-          ثالثا: من أهم أسباب الملل في الحياة غياب الأهداف والتفرغ لتحقيق المتع الدنيوية، فتجد بعض الناس يأكل حتى يمل، وينام حتى يمل، ويلعب حتى يمل، ولا يدري سبب الملل الذي هو فيه، ولماذا لم يعد يجد لذة للمتع المختلفة؟! والحقيقة أن سعادة الحياة تكون لأصحاب الأهداف، ويشترط هنا في الأهداف شرطان: أن تكون عالية ومتجددة، فالأهداف السهلة القريبة لا تحقق اللذة للإنسان، والأهداف إن لم تكن متجددة متتابعة، ينتقل المرء لهدف كلما انتهى من هدف سيغمره الملل أيضا، وأما قولك بأنك قد عرفت كل ما في الحياة وذقته فلعلك تقصد المتع الحسية أما المتع المعنوية كالإيمان والعبادة، والقراءة، والتأمل، وتحصيل العلوم المختلفة فلا أظن ذلك، وجرب تعرف.

والله أعلم.

رؤى (21) النهضة اليومية

[21]

النهضة اليومية 

كثيرون هم الذين يتمنون الإنجاز في حياتهم ويسعون إليه، لكن يغيب عن بالهم أن الإنجازات الكبيرة تتحقق من أشياء صغيرة يثبت الناجحون على فعلها، يقول مشاري الشثري: (لا تحدثني عن قدراتك الفائقة وآمالك الكبرى وخططك المستقبلية، حدثني فقط عن إنجازك اليومي فهو برهان آمالك وعنوان نهاياتك)، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال فالنهضة الحياتية التي تسعى إليها هي نتيجة لنهضتك اليومية، لكن السؤال كيف أضبط يومي؟ وكيف أغتنمه؟ وكيف أحقق النهضة اليومية؟ هذا ما أسعى للإجابة عنه في الأسطر القادمة.

أمران أساسيان ينضبط بهما يومك: الأول: قيامك بالورد العبادي والثاني: أخذ كفايتك من النوم، وإذا أخللت بأحدهما أو كليهما فتيقن أن يومك سيتعثر ويتخبط ولن تنجز فيه شيئا، فالعبادة روح المسلم ومنطلق سعادته وسبب نشاطه وقوته، وتأمل في قصة فاطمة -رضي الله عنها- عندما أرادت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادما قال لها: (...ألا أُخبركما بخيرٍ مما سألتماني قالا: بلى فقال: كلماتٍ علَّمنيهِنَّ جبريلُ عليهِ السلامُ فقال: تُسبِّحانِ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ عشرًا وتحمدانِ عشرًا وتُكبِّرانِ عشرًا وإذا آويتُما إلى فراشكما فسبِّحَا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبِّرَا أربعًا وثلاثين قال: فواللهِ ما تركتهُنَّ منذُ علَّمنيهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: فقال لهُ ابنُ الكَوَّاءِ ولا ليلةَ صِفِّينَ فقال: قاتلكمُ اللهُ يا أهلَ العراقِ نعم ولا ليلةَ صِفِّينَ). [مسند أحمد 2/149]، وقال الضياء المقدسي: "أوصاني شيخي فقال: أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه، فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ، قال الضياء: فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأت كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي". [ذيل الطبقات لابن رجب ٣ /٢٠٥]، وأما ما يتعلق بالنوم فمعلوم أن الجسد لا ينطلق في أداء العمل بنشاط حتى يكون قد أخذ حظه من النوم والراحة وعدم ضبط النوم يضيع اليوم.

ومن التصورات الخاطئة عند البعض أنه يظن أن ترك الأوراد العبادية سبب لاغتنام الوقت وحصول الإنجاز، ولذا تجده يدخل متأخرا إلى المسجد ويخرج مبكرا، تاركا قراءة القرآن والأذكار أو قائلا لها على سبيل السرعة بلا حضور قلب! وهذا كله من وسوسة الشيطان وتلبيسه، وفي المقابل تجد من يُقصّر في النوم بحجة الإنجاز، فيتأخر في الذهاب إلى الفراش فيكون عاقبة ذلك تضييع الصلاة التي تعقب النوم أو التفريط في الواجبات التي عليه، كالتأخر عن الدوام أو التفريط في مهام الوالدين! ولو قام في الوقت المحدد لقام كسولا، والصواب أن يتوازن فيُقدّر وقت جسده كما يقدر وقت أهدافه، ويعلم أن هذا الجسد يحتاج لإكرام لأنه الوسيلة إلى تحقيق مراداته.

وتذكر يا صاحبي أن الذنوب من أعظم موانع النهضة الحياتية، وقد فصل في آثارها ابن القيم في الداء والدواء، ومما قال: "قصر العمر ومحق بركته"، فالمرء يرى آثار المعصية في محق بركة يومه -نسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا-.

 

النهضة مرتبطة بالبركة والبركة في الصباح، والناجحون هم أصدقاء الصباح، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (اللَّهمَّ بارِكْ لأمَّتي في بُكورِها) [صحيح أبي داود 2606]، وأذكر أن أحد الأصدقاء اتصل بي ذات يوم يشكو عدم قدرته على الإنجاز وتحقيق الأهداف نظرا لكثرة الأعمال والارتباطات، فأوصيته بصباح عطلة الأسبوع، فقال: أتريد أن أترك نومة صباح عطلة الأسبوع؟ قلت: يكفيك نوم الليل كبقية أيام الأسبوع ولا مانع من القيلولة، فقال: عذرا فهذه النومة لها مذاق خاص! قلت: فعلا مذاقها أعظم من مذاق تحقيق الأهداف!

للصباح مزايا: كطول الوقت، ونشاط الشخص، مع هدوء الحياة غالبا، ومن بدأ في الإنجاز بعد الظهر أو العصر لم يشعر بكبير نشاط مع عدم إنجازه لجميع ما يحدد لنفسه، ومن لم يعتد على العمل الصباحي فهو بحاجة لمجاهدة نفسه.

في نهاية يومك حاسب نفسك على ما عملته في ذلك اليوم، واشكر الله على ما فيه من خير، واستغفر الله عن الذنب والتقصير، وبناء على تلك المحاسبة قم بكتابة جدول اليوم التالي، وإياك والاعتماد على الذاكرة في تحديد الأهداف اليومية، فإن الكتابة أقوى من الذاكرة، وأجود في ترسيخ الأهداف وتوجيه الهمة إليها، ونصيحتي لا تنطلق في يومك للعمل إلا وأهداف ذلك اليوم مكتوبة وواضحة تماما لأن النفس تنجز ما هو مقرر لها.

هناك أمر جربته ووجدت له نفعا وهو جعل أوقات النشاط للأعمال الذهنية، وأوقات الخمول للأعمال الجسدية، فمثلا بعد الفجر مباشرة يقضى في الحفظ أو الكتابة حتى يكل الذهن، وبعدها يُشتغل بالأعمال الجسدية كإنجاز أعمال البيت أو الأعمال الحاسوبية.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم:(لا تحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا) [صحيح ابن حبان 522]، هذا الحديث أصل من أصول النهضة اليومية وتطبيقاته كثيرة، أكتفي منها بتطبيقين:

التطبيــق الأول: أن الأعمال الكبرى تتحقق بتجزئتها إلى أجزاء صغيرة ينفذ كل جزء منها في يوم، وفكرة إنجاز الأعمال الكبيرة دفعة واحدة أو في وقت قصير هي أفكار خيالية، ومن احتقر هذا المعروف لم يحقق النهضة اليومية فضلا عن النهضة الحياتية.

التطبيق الثاني: إذا فات جزء من اليوم فلا يعني التفريط في باقيه، فتجد بعضهم يقول: "إذا لم أبدأ بالإنجاز من بعد صلاة الفجر مباشرة فذلك اليوم لا قيمة له" أو "إذا لم أبدأ في الإنجاز من يوم الأحد فسأنتظر الأحد القادم!"، وهذا كله مخالف للأصل السابق.

كثيرا ما نشتغل في موضوع الإنجاز بتتبع الأسباب المادية والتفكير بها دون استشعار لأهمية الدعاء والارتباط بالله في تحقيق رغباتنا وآمالنا {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. [البقرة: 186]

بما أننا نشير لعمل يومي فمن المهم أن نُذكّر ببعض الإشارات المهمة: أولها: أن اغتنام الوقت وتحقيق الإنجاز يأتي بالتدرج فإذا كنت لأول مرة تبدأ في التخطيط ووضع الأهداف فمن الطبيعي ألا تكون قادرا على اغتنام جميع اليوم بل ولا نصفه حتى، فإذا تيسر لك اغتنام ساعة أو ساعتين فهذا إنجاز ثم مع الأيام إذا ألفت نفسك سيزداد عدد الساعات المغتنمة، حتى تصل في وقت متأخر إلى اغتنام الدقيقة الواحدة، كما هو حال القدوات الكبار.

ثاني الإشارات: من الطبيعي أن يكون اغتنام أيام الأسبوع متفاوتا عندك فتجد ثلاثة أيام نهضت فيها بنسبة 90% ويومان بنسبة 60% ويوم بنسبة 20% ويومان لم تستطيع أن تنهض فيهما لظروف مرت مثلا، ومن الطبيعي كذلك أن النفس إذا لم تكن قد اعتادت الجد أن تنجز في أحد الأيام إنجازا كبيرا ثم تكسل بعده يومان أو ثلاثة، من إرهاق ذلك الإنجاز الضخم فلا تقسُ على نفسك يا صاحبي.

الإشارة الثالثة: ضرورة معرفة كيفية التعامل مع الفتور، فكل النفوس تمر بنشاط وفتور لكن السؤال كيف أتعامل معه؟ والجواب: حدد لك حد أدنى لا تنزل عنه مهما كانت الظروف، واليوم الذي تفتر فيه تقوم بالعمل في حده الأدنى ولا تنقطع عنه واليوم الذي تنشط فيه تقوم بالعمل في حده الأعلى، وإياك ثم إياك والانقطاع فإنه سبب من أسباب الفشل.

من أجمل الوصايا التي سمعتها من أحد إخواني أنه أوصانا فقال: "إذا شرعت في عمل فلا تفكر في غيره حتى تنجزه"، فهو ينبه إلى خطأ شائع وصورته أن يكون عند الشخص مجموعة أعمال في يومه، فيدخل في الأول ثم يتذكر الثاني فيقطع الأول ويشتغل بالثاني، أو يشتغل بالعمل الأول وهو يفكر في العمل الثاني أو الثالث، أو يعمل عملين في وقت واحد، ولا يمكن الجمع بينهما فينتهي يومه وهو لم ينجز أعماله أو أنجز كما بلا كيف، فعليك بالتركيز ثم التركيز ثم التركيز.

من الإشكالات التي نعاني منها نحن أبناء هذا الزمان: وجود أجهزة الجوال بين أيدينا ولا شك أن لها فوائد وثمرات كبيرة لكن في المقابل لها سلبيات أيضا، وكثير من أوقاتنا تضيع عليها وفيها، ولذا فمن أراد النهضة اليومية فهو بحاجة لمجاهدة نفسه على تحديد وقت قصير لاستخدام الجوال والتفرغ بعد ذلك للأهداف اليومية، وجعل استخدام الجوال كمتعة تقدم للنفس إذا أنجزت.

دوّن خلاصة ما حصل في يومك في سطرين فقط واكتب نسبة الإنجاز أو الاغتنام لذلك اليوم، وهذه الكتابة ستنفعك كثيرا في دفعك للإنجاز ولملاحظة أمور مهمة حول سيرك تحتاج لتعديل وإصلاح.

أخيرا.. من أسباب زيادة الإنجاز شكر الله تبارك وتعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فاشكر الله على كل ما يتحقق لك من إنجاز وما يستجد لك من نعم. [سورة إبراهيم، 7]

ماذا تنتظر بعد معرفتك لكيفية النهضة اليومية؟ انطلق واعمل بما عرفت مستعينا بالله، متمنيا لك التوفيق والإنجاز وخدمة دينك.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله في الثانية عشرة ظهرا من يوم السبت

السادس من ذي القعدة لعام إحدى وأربعين بعد الأربع مائة والألف

الاثنين، 25 مايو 2026

رؤى (20) علمتني الحياة


[20]

علمتني الحياة

كل يوم يزيد في حياة العاقل يضيف إليه تجارب وأفكارا جديدة، فتتحسن حياته كلما ازداد عمره، بخلاف الأحمق الذي يكرر أخطاءه ولا يستفيد من تجاربه فضلا عن تجارب الآخرين، وتزداد فائدة الإنسان إذا كتب تلك الأمور التي تعلمها مع الأيام ونفع بها نفسه وغيره، وقد كتب كثيرون بهذا العنوان: "علمتني الحياة"، وأحببت أن أشارك بكتابة بعض ما تعلمته، وأضيّف كل فترة ما استجد -إن شاء الله-، سائلا الله أن ينفع بهذه الكتابة كاتبها وقارئها.

·       علمتني الحياة: أن غالب أثري يكون على نفسي وأهل بيتي، ولذا ينبغي أن يكون غالب جهدي فيهما، وهذا لا يعني ترك نفع الناس والاشتغال بتعليمهم ودعوتهم، وإنما يعني ترتيب الأولويات، لأن مما يقع لجملة من أهل الفضل انشغالهم الكامل بالناس مع إهمالهم لأنفسهم وأسرهم.

·       علمتني الحياة: أن توقع جميع الاحتمالات -خاصة الأسوأ منها- وتهيئة النفس له، من أسباب السعادة والصبر والتوفيق، أما السعادة فلأنك لا تقلق مما يحصل غدا، وعندك الحل المناسب لكل احتمال، وأما الصبر فلأنك لا تصاب بصدمة مما يأتي ولو وقع أسوأ التوقعات، وأما التوفيق فلأن خطتك لتحقيق أهدافك حاضرة في جميع الأحوال والأجواء.

·       علمتني الحياة: أن (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، ومن العبث أن أضيع وقتي بمحاولة إقناع من لم يألفني بأن يقبل بي أو يحبني، فهناك في المقابل من يحبني بلا سبب ويتمنى أن أوافق على مصاحبته!

·       علمتني الحياة: أن العلاقات تُفتتح باللطف والهدوء، فقد كنت سابقا ابدأ العلاقات بقوة، فمن أقابله أحاول أن أتعرف عليه في أسرع وقت، وآخذ كل ما عنده دفعة واحدة، ورغبتي في هذا تجعلني أمطره بعشرات الأسئلة المتتالية والموجهة على طريقة تحقيق! لذا لا أجد قبولا في بعض الأحيان، مع نفور جملة من الناس واستغرابهم من طريقتي، ثم أصبحت هادئا أترك التعرف على من أمامي بطريقة تراكمية مع الأيام، فوجدته أدعى للقبول وأرسخ للعلاقة.

·       علمتني الحياة: أن ما يلقيه الداعية له أثر على الناس، لكن غالب هذا الأثر خفي، وفي خفائه خير له، فلو كان ظاهرا لربما أعجب واغتر، ولربما ألف هذا الأثر ولم يعد يشكل له شيئا، وهذا نلمسه من أنفسنا في الأعمال التي نرى أثرها، لكن عندما يكون الداعية مرتبطا بالغيب وانتظار ما يكون يوم القيامة يتحفز أكثر للبذل والنفع، مع التنبيه على أنه لا يصح للداعية أن يحدد صورة التأثير، فقد يكون رفعا لجهل، أو تثبيتا لمتردد، أو فتحا لآفاق، أو تعريفا بكتاب، أو زيادة في يقين، أو دلالة على خير، أو حلا لمشكلة.

·       علمتني الحياة: أن من أراد أن ينجح في العلاقات فعليه بأمرين: ألا ينشغل بحقوق الناس عليه، وألا يحاسب ويعاتب، نعم هي ثقيلة على النفس لكنها الطريق الوحيد لكسب قلوب الناس، فأنت تنشغل بحقوق الناس عليك، وبذل الخير لهم، وفي نفس الوقت لا تحاسبهم ولا تعاتبهم على تقصيرهم معك، وعدم قيامهم بحقوقك، فإن سألت ما الثمن؟ فالجواب: الأجر والثواب، فحسن الخلق عبادة وليست عادة من العادات، أو مشروعا للمقايضة وتبادل المصالح!

·       علمتني الحياة: أن من لم يشتغل بالدعوة في شبابه لم يشتغل بها في كبره، على خلاف ما يظنه كثير من طلبة العلم، فإن بعضهم يؤخر نفع الناس بحجة أنه لم يحصل العلم الكافي، فإذا نبغ في العلم لم يستطع نفع الناس.

·       علمتني الحياة: أن أقبل على من أقبل علي وأترك من صد عني، فقد جرت سنة الحياة أن كل أحد يتمنى مصاحبة من هو فوقه في العلم أو المال أو الجاه، لكن هذا الشخص الذي أعجبتَ به وتريد مصاحبته لا يرضى بك صاحبا لأنك أقل منه ويريد من هو أعلى منك! ويأتيك من هو أقل منك فتصد عنه بحجة أنه أقل منك، وإذا استمريت على ذلك بقيت بلا صاحب، وخسرت فرصة بذل الخير وإسعاد من هم أقل منك، والتوفيق أن تعرض نفسك على من هو أعلى منك فإن لم يقبل، قبلت بمن هو أقل منك، فكونك تنفعه وينفعك على قلة خير من أن تبقى وحيدا تنتظر من يلتفت إليك! وقد يبارك الله لك في هذا الذي التفت إليه فيصل إلى ما تتمنى مع الأيام فتسعد، وذلك لأن الناس لا يبقون على حالة واحدة!

·       علمتني الحياة: أن الداعية هو المستفيد الأول من الدعوة، على خلاف ما كنت أظنه سابقا من أن الناس هم المستفيدون فقط والداعية مجرد ناقل للخير، لكن الحقيقة ما يحصل له من الأجر والثواب، والتثبيت على الحق، ومراجعة العلم، ومحبة الناس، ونزول البركة، هي أعظم مما يحصل للناس من الانتفاع بعلمه.

·       علمتني الحياة: أن الكتابة سر من أسرار الحياة، فمن يكتب العلم والخواطر والأفكار يرتقي على غيره، لأنه يجمع الفائدة سواء المتحصلة من مصادر العلم، أو المتحصلة من التفكر والتأمل، ومثل هذا يبقى علمه معه، يُحدّث به في أي وقت، ويراجعه إن نسي، وينشره إن أراد، وكثيرا ما يعرض النسيان للذاكرة القوية، لكن الآفات المتعلقة بالكتابة أقل بكثير، خاصة إذا وُفّق الإنسان في حفظ كناشاته وجعل لها نسخا إلكترونية.

·       علمتني الحياة: أن بث العلم يحتاج إلى مجاهدة كما أن تحصيل العلم يحتاج إلى مجاهدة، فبث العلم يحتاج إلى علاقات وتنسيق، وصبر على الناس، وذهاب إليهم، وتحمل ما يعرض من مشاق، وإعداد للمواضيع، ثم ضبطها، ثم إلقائها وتكرار ذلك للناس، وهذا كله يحتاج إلى مجاهدة.

·       علمتني الحياة: أن الوصول إلى القمة سهل لكن الصعوبة في الثبات عليها، وهذا تجده واقعا في حياة الناس، فكثيرون هم الذين يحدثونك عن الإنجازات التي حققوها في سنوات سلفت، لكن القليل من يحدثك عن إنجازاته وأعماله الحاضرة!

·       علمتني الحياة: أن الناس لا تُقبِل على نتاج الشاب، لكنه إن لم ينتج في شبابه تعب في كبره، وبيان ذلك أن الشاب إذا تكلم أو ألف لم يجد إقبال الناس عليه، لصغر سنه، وحداثة تجربته، وقلة علمه، فهم يثقون بمن شابت لحيته في العلم، وفهم الحياة من جوانبها، لكن لا بد أن يستمر في التعلم والإنتاج وهو شاب حتى ولو لم يجد من يقبل عليه، وذلك لأن هذه هي السن الذهبية للعمل، فإذا كبر وتصدر أقبل الناس عليه إقبالا شديدا، لكنه لن يجد وقتا لتحرير العلم وإنتاجه!

·       علمتني الحياة: أنه لا يمكن للرجل أن ينعم بزوجته ويأخذ ما يريد منها وهو يهينها ويحتقرها، فالأخذ فرع عن العطاء!

·       علمتني الحياة: أن اختبارات الجدية أفضل طريق لحفظ الوقت في التعامل مع الآخرين، فهناك الكثير ممن يطلبك أمورا لا يريدها على الحقيقة، فإذا وضعت له اختبارا أو اختبارين عرفت صدقه وحفظت وقتك!

·       علمتني الحياة: أننا كثيرا ما نتمنى القرب من مشايخنا الكبار، لكن هذا القرب من آثاره فقدان حرارة التلقي! وكم من شيخ كنت أجله وأتلقى عنه بحرارة فلما اقتربت منه رأيت ما زهدني في الأخذ عنه!

·       علمتني الحياة: أن أشتغل في لقيا الناس بالسماع أكثر من اشتغالي بالكلام، لا سيما مع أهل العلم والفضل، وذلك لأن السماع منهم يثريني ويفتح لي آفاقا أستفيد منها، بخلاف الكلام فإني أخرج من المجلس كما دخلت، ويعينني على تطبيق هذه الفكرة أن غالب الناس لا يحبون السماع ولا يميلون إليه.

·       علمتني الحياة: أن القوة لأسرة الفتاة قبل الزواج، ثم تنتقل القوة مع الفتاة إلى الزوج، وإذا لم تستفد الأسرة من قوتها قبل الزواج -باختيار الكفؤ والحزم في ذلك-، فإنها لن تستطيع أن تفعل شيئا بعد الزواج.

·       علمتني الحياة: ألا أبذل رأيي إلا لمن طلبه طلبا جازما، وذلك لأن غالب الناس لا يرى لرأيي قيمة وإنما يسأل عنه ليزجي الوقت أو ليرد عليه!

·       علمتني الحياة: أن كبار السن لا يحبون الاعتراض، ولذا حاول ما استطعت أن تستجيب لهم ما لم يكن معصية، واكتم وجهات نظرك عنهم، لأنك ستخسرهم أو يقل قدرك عندهم.

·       علمتني الحياة: أن أفضل علاج للفراغ وجود أهداف عالية مستمرة يسعى المرء إلى تحقيقها، ومن تحقق له ذلك كانت سعادته عنده يتذوقها متى أرادها.

·       علمتني الحياة: إن إطالة السوالف مع العامة تجر إلى ما لا يحمد عقباه.

·       علمتني الحياة: ضرورة تحصيل الصبر، لأن المصائب تنزل بالمرء فجأة، ولا بد أن يكون عنده زاد من الصبر وإلا وقع في الاعتراض والتسخط والحزن، ويُحصّل ذلك بقراءة نصوص الصبر وتدريب نفسه عليه في المواقف اليومية.

·       علمتني الحياة: أن غالب الناس ليسوا جادين في تغيير حياتهم وحل مشكلاتهم.

هذه أربعة وعشرون درسا، ولا تزال التجارب تعلمنا.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله الثانية عشر ليلا من يوم الثلاثاء

التاسع من ذي الحجة لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف

نافذة الاستشارات (22) | ما علاج الملل من الحياة؟

نافذة الاستشارات (22) | ما علاج الملل من الحياة؟ السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعاني مللا كبيرا من الحياة، وأشعر أن كل ما ف...