[28]
تعليم الرجل صاحبته
سألني أحد الأحبة فقال: أريد أن أرتقي بثقافة زوجتي فما هي الكتب التي أشتريها لها؟ فقلت: ما سألت عنه نافع، لكن الأنفع أن تدرك أن تعليمها مسؤوليتك بالدرجة الأولى، والمطلوب أن تقوم به بنفسك، فقال: لم أفهم مقصودك! فاشرح لي مرادك، فكتبت هذا المقال له ولكل زوج موفق.
س1) هل تحتاج الزوجة إلى العلم؟
الجواب: نعم، فالعلم حاجة لكل البشر، ويتأكد هذا في حق الزوجة من وجوه:
- الوجه الأول: أن التصرفات نتيجة التصورات، وكلما كانت التصورات صحيحة متينة كانت الأقوال والأفعال كذلك.
- الوجه الثاني: ندرة البرامج التي تؤهل المرأة كزوجة، فالمرأة تتعلم في المدرسة والجامعة علوما كثيرة ليس من بينها القيام بدورها كزوجة وأم.
- الوجه الثالث: لأن كل أحد يعمل بحاجة إلى علم يعينه على إحسان عمله، والمرأة تعمل في رعاية زوجها وتربية أولادها، وتمر بها كثير من المواقف اليومية التي تحتاج فيها إلى علم يبصرها ويهديها، وأنت كقائد لهذه الأسرة مسؤول عن تأهيل زوجتك، ولا يصح أن تضعها في هذا الميدان من دون علم ثم تعاتبها على الأخطاء والقصور!
س٢) هل تعليم الرجل زوجته بنفسه ضرورة؟
جاءت عدة أحاديث في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، مما يؤكد أهمية هذا الأمر، ومن الأحاديث التي جاءت في تعليمه لعائشة -رضي الله عنها- قوله صلى الله عليه وسلم: (مَهلًا يا عائِشةُ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه)، وقوله: (يا عائِشةُ لَولا قَومُكِ حَديثٌ عَهدُهم بكُفرٍ، لَنَقَضتُ الكَعبةَ فجَعَلتُ لَها بابَينِ: بابٌ يَدخُلُ النَّاسُ، وبابٌ يَخرُجونَ)، ومن الأحاديث التي جاءت في تعليمه لجويرية بنت الحارث -رضي الله عنها-: (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ مِن عِندِها بُكرةً حينَ صَلَّى الصُّبحَ وهي في مَسجِدِها، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أن أضحى وهي جالِسةٌ، فقال: ما زِلتِ على الحالِ التي فارَقتُكِ عليها؟ قالت: نَعَم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد قُلتُ بَعدَكِ أربَعَ كَلِماتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لو وُزِنَت بما قُلتِ مُنذُ اليَومِ لَوزَنَتهُنَّ: سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه، عَدَدَ خَلقِه، ورِضا نَفسِه، وزِنةَ عَرشِه، ومِدادَ كَلِماتِه)، وكذلك: (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ عليها يَومَ الجُمُعةِ وهي صائِمةٌ، فقال: أصُمتِ أمسِ؟ قالت: لا، قال: تُريدينَ أن تَصومي غَدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطِري)، إذا فتعليمك لزوجتك مهم لأسباب:
1. لأنك مسؤول يوم القيامة عن أهلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والأميرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهلِ بَيتِه، والمَرأةُ راعيةٌ على بَيتِ زَوجِها وولَدِه، فكُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه).
2. لأن ميل المرأة للهو أكثر من ميلها للجد والتعلم، ولذا يأتي دور الرجل في القيام بالتعلم والتعليم الذي هو من أدواره.
3. لأن المقصود تربية الزوجة وتعليمها وليس تعليمها فحسب، والتربية تحتاج إلى مرب، ويفهم بعض الناس هذا فهما خاطئا فيقول هل زوجاتنا غير متربيات؟ والجواب: أن التربية كالتعليم نحتاجها جميعا ولا تنتهي حاجتنا لها حتى الموت، والموفق من اختار أصلح زوجة يجدها، ثم سعى لتكميلها بالتربية، حتى تتحقق له أهدافه الأسرية.
4. لأن الوصول للمعرفة المنتقاة صعب، فهناك معلومات كثيرة مبذولة، لكن ما أجود تلك المعلومات؟ وكيف تصل إليها المرأة؟ لا شك أن هذا يحتاج إلى جهد وتعب، ويستطيع على ذلك الرجل أكثر من المرأة.
5. لأن فهم الرجل أدق من فهم المرأة.
6. لحاجة المرأة للحوار، فمجرد الحصول على المعلومة لا يكفي، بل لا بد من جلسات حوار بين الزوجين لترسيخ تلك المعلومات، ومعرفة كيفية نقلها إلى الواقع العملي.
7. حتى تعلمها اختياراتك، ففي القضايا الأسرية والتربوية آراء متعددة، ويحتاج الرجل أن يختار لزوجته الآراء التي يقتنع بها ويريدها أن تعمل بها.
8. لحاجة المرأة للتوجيه والمتابعة، فقد تعلم المعلومة لكنها لا تفهمها، وقد تعلمها وتفهمها لكنها تتكاسل عن تطبيقها فتحتاج إلى توجيه الرجل ومتابعته.
س٣) ماذا أُعلّم زوجتي؟
تحتاج الزوجة بدرجة أساسية إلى سبع خلاصات:
- الأولى: خلاصة في العقيدة.
- الثانية: خلاصة في أحكام العبادات عموما، وأحكام النساء خصوصا.
- الثالثة: خلاصة في السيرة النبوية.
- الرابعة: خلاصة في الأخلاق والآداب.
- الخامسة: خلاصة في قصص الأنبياء.
- السادسة: خلاصة في الحياة الزوجية.
- السابعة خلاصة في تربية الأبناء.
وأقصد بالخلاصة، أن تتعلم المسائل، ثم تفهمها، ثم تعلمها لزوجتك، لا أن يكون أول اطلاعك عليها في وقت تعليمك لزوجتك، فإن هذا سيكون مملا لك ولها، ولن يكون حديثك محررا، وقد يقول قائل: إن هذه الخلاصات السبع كثيرة، فأقول: إن معايشتك لأهلك تحتاج إلى أكثر من هذه السبع، ومن جرب عرف، فأنت تعيش مع زوجتك وأولادك حياة كاملة، فيها الاعتقاد، والعبادات، والآداب، وغير ذلك، ولا بد أن يكون عندك زاد تنفق كبير منه.
س4) إن أردت الزيادة على الخلاصات السبع فماذا أزيد؟
كتبت مقالا أسميته بـــ"منهجية بناء المدعوين"، وأقصد بالمدعوين عامة المسلمين، لأن الناس ينقسمون إلى دعاة ومدعوين، وضمنت هذه المنهجية أهم الفنون التي يحتاجها المسلم، مع جملة من الكتب المقترحة، فهذه المنهجية تفيدك في أمرين:
- أولا: تدلك على الكتب التي ستأخذ منها الخلاصات السبع.
- ثانيا: تفيدك بالمنهجية الكاملة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم من العلم، إن رمت تحقيقها مع زوجتك وأولادك.
وأنبه هنا إلى أن كثرة المواد في المنهجية مزية لا عيب، فهذه المواد الكثيرة تمكنك من الطرح الطويل والمتجدد، أما قلة المواد فقد تفرحك مؤقتا بإنهائها، لكنك ستبقى بلا زاد سنوات طويلة، وليس عندك جديد تتحف به زوجتك وأولادك.
س5) كيف يعلم الرجل زوجته؟
تعليمها يكون بطريقين:
- الطريق الأول: التعليم المباشر: والذي يتحقق من خلال إقامة الدروس في البيت، وتكون نافعة إذا روعي فيها الأمور الآتية:
o أن تكون دروسا قصيرة كربع ساعة أو نحوها.
o أن يكون له موعد ثابت يوميا حتى يتم الالتزام به.
o أن يُحضّر الزوج للدرس قبل الإلقاء.
o أن نبدأ بالكتب الصغيرة السهلة.
o أن نراعي أوقات المرض والانشغال.
o من المفيد التجديد في أماكن الدرس دفعا للملل والسآمة.
- الطريق الثاني: التعليم غير المباشر: والذي يتم بالمعايشة والقدوة والسوالف.
س6) ما الأخطاء الواقعة في تعليم الرجل لزوجته؟
هناك عدة أخطاء تقع، منها:
o إلقاء الرجل مسؤولية التعلم على زوجته.
o ختم الكتب سريعا من أجل التخلص، والصواب التأني في تعليمها وغرسها في نفس الزوجة.
o الظن بأن حضور الزوجة للدروس والدورات يكفي، والحقيقة أنها مفيدة، لكنها لا تغني عن تعليم الرجل لزوجته.
o أن تكون الدروس طويلة مملة.
o ألا يحضّر الرجل قبل الدرس.
o الاعتقاد بأن الحاجة للتعليم في أول الزواج فقط.
o عدم الانطلاق من الوحي في المعلومات الأسرية والتربوية، والاعتماد الكامل على الكتب الغربية المترجمة، المليئة بالمخالفات الشرعية.
o إهمال تعليم المرأة في الفترة الذهبية -وهي أول الزواج-، التي يكون الفراغ فيها كثيرا، والذهن صافيا، والعوائق قليلة.
o ترك مراجعة ما تم تحصيله.
o تقديم المهم على الأهم، كإدخال المرأة برامج حفظ الكتب الستة، فإن حفظ المرأة للأربعين بشرحها، وضبطها للسيرة النبوية أنفع بكثير من حفظها للكتب الستة -على جلالتها-.
س٧) هل يحضر الأولاد هذه المجالس؟
الجواب: لا، لا يحضرونها لسببين:
الأول: حتى يكون ذهن الزوجين صافيا.
والثاني: حتى يأخذا راحتهما في الحوار في الأمور الزوجية والتربوية.
وفي المقابل يُقيم الأب لأولاده مجلسا خاصا في تعليمهم.
س8) ماذا يفعل الرجل البعيد عن زوجته؟
بعد الرجل إما أن يكون دائما وإما أن يكون مؤقتا، فإن كان دائما فهذا خطأ كبير، يترك زوجته وأولاده في بلد، ويذهب لتحصيل الرزق في بلد آخر، ومثل هذا يخسر أهله، لأن زوجته لا تستطيع أن تربي الأولاد بمفردها، فينحرفون وقد تنحرف معهم أيضا! والسبب تقديم الرجل للدنيا على الدين! ولذا أقول ناصحا: قدّم الدين على الدنيا، وخذ أهلك لبلد عملك حتى ولو لم يبق لك شيء للادخار، أو اجلس مع أهلك وتحمل ضعف المعيشة، أما من كان سفره مؤقتا لأسبوع أو أسبوعين فيكمل تعليم زوجته عبر الاتصالات.
س9) كيف العمل إذا كانت الزوجة أعلم من الزوج؟
إذا كان الذي يسأل هذا السؤال هو الزوج فنقول: تواضع للعلم ولا تقدم رفعة نفسك على انتفاعك وانتفاع أسرتك، واختر إما أن تسند مهمة التعليم لزوجتك، فيكون بينك وبينها لقاءات لكن هي من تلقي وتدير، وإما أن تشاركها فتلقي مرة وتلقي هي مرة أخرى، بشرط أن تحضّر للدروس تحضيرا جيدا.
وإن كان الذي يسأل هذا السؤال هي الزوجة فنقول: تواضعي لزوجك أولا، ثم اهتمي بهذه المجالس ثانيا، فإن قلبتي المعادلة خسرتي الأمران معا، فالرجل بطبيعته يحب التقدير والاحترام، وسيختبر تواضعك له وانقيادك لرأيه، وقد يشاغب في البداية ويعارض بعض الآراء التي يسمعها منك ومن المختصين فإن رأى مطاوعتك له سلمك الراية، وإن رأى منازعتك انتصر لنفسه وقطع هذه المجالس، والطريقة المناسبة لإقامة هذه المجالس أن تجتمعا على مشاهدة الدورات والحلقات المرئية في اليوتيوب، فهو أهون عند زوجك من تعليمك له كل شيء.
س10) من أهمل تعليم زوجته فماذا تفعل؟
هذه من المشكلات التي تقع لجملة من الزوجات، فتجد زوجها مهملا لا يرغب في التعلم والتعليم، فهذه تعلم نفسها بنفسها -والله المستعان-.
س11) ما الحل إذا رفضت زوجتي التعلم؟
إذا رفضت زوجتك التعلم فابحث عن سبب ذلك ثم عالجه، فإن كان السبب هو سوء خلقك فحسّن خلقك حتى تقبل منك، وإن كان السبب عدم مشاركتك فشاركها التعلم، وإن كان السبب ضعف معلوماتك وعدم نضجها فتعلم وتمكن، وإن كان السبب ضعف شخصيتك فقو شخصيتك، وإن كان السبب انشغالها فاختر وقتا مناسبا، وإن كان السبب كسلها فاربط التعلم بالكماليات، فزوجتك تتطلب أشياء كثيرة ليست من الأساسيات، اجعل بعض هذه الكماليات مقابل تعلمها وستستجيب -بإذن الله-.
بهذا الأسئلة يتم فهمنا لهذه الفكرة المهمة، والتي نحتاج إلى تفعيلها في بيوتنا.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في العاشرة والنصف من ليلة الجمعة
الثامن والعشرين من ربيع الآخر لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف


