الأربعاء، 8 أبريل 2026

لفتة (53) الحياة نماذج

 

[53]

الحياة نماذج

الأربعاء 1447/10/20

يبحث كثير من الناس عن الارتقاء في الحياة، والوصول إلى درجات عالية فيها، والحقيقة أن لذلك مفاهيم وطرائق، نتناول أحدها في هذا المقال، وهو مفهوم النموذج، وإليك إضاءة عليه:

1| ما هو النموذج؟

النموذج هو: عبارة عن خطة عمل يعتمدها المرء ويسير عليها، ويمكن صناعة النموذج لأي جانب من جوانب الحياة الرئيسية أو الفرعية.

2| أقسام الناس في النموذج:

الناس في حياتهم من حيث التنظيم ينقسمون إلى قسمين:

-       القسم الأول: المنظمون: الذي يحبون أن تكون حياتهم وأمورهم مرتبة، ويسيرون فيها بتنظيم ومنهجية.

-       القسم الثاني: العشوائيون: الذي يكرهون التنظيم ويحبون العيش الفوضوي.

ومفهوم النموذج سيسعد كثيرا أصحاب القسم الأول، وسيزيد من إنجازهم، أما القسم الثاني فسيرونه معيقا لسيرهم، مقيدا لحريتهم، ولذا سيقل إقبالهم عليه.

وينقسم الناس من حيث استعمال النماذج إلى ثلاثة أقسام:

-       القسم الأول: من لا يستعمل النماذج.

-       القسم الثاني: من يستعمل النماذج ويحب صناعتها.

-       القسم الثالث: من يستعمل النماذج ويحب أخذها جاهزة.

3| ثمرات النموذج:

-       الثمرة الأولى: سهولة العمل، فمن كان عنده نموذج يعمل عليه كان العمل عليه سهلا، لأن خطواته واضحة له تمام الوضوح.

-       الثمرة الثانية: كثرة الإنجاز، فخطوات العمل إذا كانت واضحة مرتبة لا يبقى أمام العامل إلا التقدم نحو الإنجاز.

-       الثمرة الثالثة: قلة الأخطاء، لأن النموذج يُعتمد بعد طول تعلم وتأمل، فتصبح أخطاء المرء في حياته قليلة.

-       الثمرة الرابعة: تحقيق الشمولية، وذلك لأن كثرة النظر في النموذج قبل اعتماده يعين على شموليته لكل أجزاء الجانب الذي صُنع له.

4| مراحل النموذج:

-       المرحلة الأولى: صناعة النموذج، فحياتك عموما تحتاج إلى نموذج عام، ثم كل جانب من جوانبها يحتاج إلى نموذج خاص، ثم أهم القضايا التي تشتغل بها تحتاج إلى نموذج، وعليك أن تتدرج في البدء بصناعة النماذج من الأهم إلى المهم.

-       المرحلة الثانية: العمل به، فبذل الجهد في رؤى لا يُعمل بها ضياع للعمر.

-       المرحلة الثالثة: تطويره، حتى ينضج عمل المرء ويكون أكثر إتقانا.

5| كيف نصنع النموذج؟

-       أولا: دعاء الله سبحانه أن يهديك ويوفقك.

-       ثانيا: البصيرة بالجانب الذي تريد أن تصنع له النموذج، فإذا أردت أن تصنع نموذجا لتعمل به في الجانب الإيماني، فتقرأ فيمن كتب في المنهجيات الإيمانية وتعرف جوانب علم الإيمان لتشملها في نموذجك، وإذا أردت أن تصنع نموذجا أسريا فتطلع على ما كُتب في جانب الأسرة وإدارتها والتخطيط لها، وكلما زاد اطلاعك قوي نموذجك.

-       ثالثا: الاستفادة من تجارب أهل الخبرة.

-       رابعا: تطبيق النموذج والتأمل فيه، فبالتأمل ستقف على كثير من التفاصيل والملاحظات التي لا تجدها في الكتب، فتستفيد منها.

-       خامسا: لا تخف من بناء نموذج خاص بك والافتخار به، فالحياة مغامرة، ومغامرتك محسوبة وأنت ستستفيد مما عند الآخرين ثم تبني، يحق لك أن تخاف لو بنيت نموذجك دون تعلم، أما ما جاء بعد تعلم فتعتمده دون خوف.

6| نشر النموذج:

إذا صنعت نموذجا وفتح الله لك فيه، فانشره للناس طلبا لإفادتهم وكسب الأجر والثواب، وستجد من الفوائد أن في ملاحظات الناس واستعمالهم له ملاحظات تفيدك في تطويره.

إذا قرأت المقال وأردت أمثلة على النماذج فقد منّ الله علي بكتابة بعضها تجدها في مدونتي، كنموذج بناء النفس، ونموذج علاج الذنوب، ونموذج الثقافة الزوجية، ونموذج بناء الدعاة، ونموذج بناء المدعوين.

سؤال اللفتة: هل اتضحت لك خارطة صناعة النماذج والعمل بها؟

اللهم اهدنا وسددنا..


لفتة (52) أدب الحزن

 

[٥٢]

أدب الحزن

السبت ١٤٤٧/١٠/١٦

التقيت بعد الإجازة الصيفية بأحد الفضلاء فرأيته بحال غير الذي أعرف، فقد أصابه الذبول وظهر عليه، فسألته: خيرا إن شاء الله؟ فقال: ماتت أمي بداية الإجازة الصيفية، ومكثت من ذلك اليوم إلى اليوم في غرفتي أبكي، لم أخرج لأحد، ولم أحضر شيئا من المناسبات، ولم أتنزه، ولم أقم بشيء من شؤون أهل بيتي! وقد أصابني الاكتئاب وأنا في حالة نفسية سيئة، فجلست معه وحاولت أن أدله على بعض ما يعينه على الخروج من هذه الحالة ثم مضيت.

كل أحد منا تمر به المشاعر بألوانها، شعور الفرح، والحزن، والغضب، والندم، والألم، لكل السؤال: هل نعرف التعامل القويم مع كل شعور منها؟ هذا الموقف الذي رأيته من صاحبي هو نموذج خاطئ في كيفية التعامل مع شعور الحزن، ولذا فهذا حديث حول أدب الحزن:

1-   استشعر أنك في داء ابتلاء، قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، فهذه الدار قائمة على الابتلاء بأنواعه، ومن أسباب شدة وقوع الحزن على الإنسان: ظنه بأنه في دار النعيم، فيستبعد نزول المصائب عليه، من موت أحبة، أو إصابة بالأمراض، أو نقص في الأموال، وتجد في بعض عبارات الناس من يقول: لم أكن أتوقع أن يموت أبي أو تموت أمي! ولم أكن أتوقع أن يذهب مالي! أو لم أكن أتوقع أن يصيبني كذا وكذا من الأمراض! بينما الموفق يتقبل وقوعها، ويكون مستعدا لوقوع ذلك، وهذا وإن كان مؤلما إلا أنه من العقل، ويعين على تخفيف المصيبة إذا نزلت.

2-   افزع إلى الصلاة إذا نزل بك البلاء، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، عن عبد الله ابن مسعود قال: "لما التقينا يوم بدر، قام رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُصلِّي فما رأيتُ ناشداً ينشد حقاً له أشدَّ من مناشدة محمد -صلى الله عليه وسلم- ربَّه، وهو يقول: اللَّهمَّ إني أنشدك وعدَك"، وجاء أن ابن عباس نُعيَ إليه أخوه -وهو في مسير- فاسترجع وتنحَّى عن الطريق ثم صلَّى ركعتين، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقولُ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}.

3-   سيهجم الحزن على قلبك ولا بد، فتقبل وجوده، واعلم أنه سيخف شيئا فشيئا، وأعن نفسك على ذلك بالانشغال بما ينفعك، وليس ذلك من نقص محبة الميت، وأذكر أن شيخنا سعد الحجري دفن أمه بعد الظهر، وأعلن عن استمرار درسه اليومي بعد المغرب، وهذا يخفف الحزن من جهة، وفيه عدم الانقطاع عن أعمال الخير من جهة أخرى.

4-   مهما كان مقام المرء وعلوّه في العلم إلا أنه يذهل كثيرا لنزول المصاب، ولذا فمن توفيق الله لنا أن نسلي المصاب ونذكّره بالآيات والأحاديث والمعاني التي تخفف عنه، ولا نقول كما يقول بعض الناس في تعزيته: أنت من يصبرنا ولسنا نحن من يصبرك!

5-   يظن جملة من الناس أن البقاء في الحزن وعدم الخروج منه أو التحزن بعد انقضاء الحزن من علامات محبة الميت، وهذا خطأ كبير، وهو من وساوس الشيطان، فالمحبة لا علاقة لها بدوام الحزن، والميت لو كان حيا لم يرض لمن يحبه هذا الحال البئيس!

6-   تذكر أن من أهداف الشيطان أن يحزنك، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وإذا عرفت هذا الهدف سعيت ألا يحققه الشيطان معك، ولهذا صور:

o   الصورة الأولى: ألا تطيل الحزن الذي نزل بك.

o   الصورة الثانية: ألا تُحزن نفسك بعد انتهاء حزنك، فمن الناس من ينجح الشيطان معه في ذلك: فيستدعي المواقف، والصور، والأشعار، ليثير أحزانه السابقة ويعيدها.

o   الصورة الثالثة: ألا تقبل بتكدير لحظات الفرح، فمما يفعله الشيطان أن يُسرّب إليك شعور الحزن في لحظات الفرح، فتستغرب من هذا الشعور الذي لا تدري ما سببه وقد تستجيب له.

7-   تعرف على بعض الكتب التي تتحدث عن الصبر على البلاء واقرأ فيها، حتى إذا نزل بك شيء من الأحزان يوما تذكرتها فعدت إليها حتى يخف عنك ما تجد، ومن هذه الكتب على سبيل المثال:

o   كتاب "رد البلاء بالصبر"، مصطفى شيخ إبراهيم.

o   كتاب "رد البلاء بالاستغفار"، مصطفى شيخ إبراهيم.

o   كتاب "محاضرات ومساحات عن البلاء"، د. سلطان العرابي.

o   رسالة "تحفة أهل البلاء"، طارق الحمادي.

o   رسالة "أصول جامعة نافعة في البلاء والابتلاء لابن قيم الجوزية"، أشرف عبد المقصود.

o   رسالة "وقفات مع آيات الصبر"، محمد الخضيري.

o   فصل "حزنه صلى الله عليه وسلم" من كتاب "أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم" للمنجد.

8-   تعامل مع الحزن تعاملا إيجابيا، بحيث تنظر له على أنه فرصة لنيل الأجر والثواب، وفرصة لتربية النفس على الإيمان بقضاء الله وقدره، وفرصة لمعرفة كيفية التعامل مع هذه المواقف الصعبة.

سؤال اللفتة: هل تعلمت أدب الحزن؟

اللهم أعنا على التعامل مع أقدارك المؤلمة..

لفتة (53) الحياة نماذج

  [53] الحياة نماذج الأربعاء 1447/10/20 يبحث كثير من الناس عن الارتقاء في الحياة، والوصول إلى درجات عالية فيها، والحقيقة أن لذلك مفاهي...