الخميس، 29 أكتوبر 2026

نافذة الاستشارات (47) | ماهي مجالات عطاء طالب العلم؟

نافذة الاستشارات (47) | ماهي مجالات عطاء طالب العلم؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أطلب العلم بحمد الله ومنته وأتمنى أن يكون لي أثر على الناس، ولكني لا أزال في أول الطريق وليس عندي حصيلة علمية فكيف أنفع الناس؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فإني أحسبك والله حسيبك من الأخيار الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ)، وممن يطبق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنِ استَطاعَ مِنكُم أن يَنفَعَ أخاه فليَفعَلْ)، وذلك لرغبتك في نفع الناس واهتمامك بإيجاد طريق ذلك، وأحب أن أخبرك أولا بأن حياة طالب العلم تنقسم إلى بناء وعطاء، فهو محتاج أن يبني نفسه، وكذلك يعطي وينفع الناس، والمقام ليس مقام حديث عن البناء، ولذا سنتحدث عن العطاء، وفيه ثلاثة أسئلة:

          السؤال الأول: ما هي قواعد العطاء؟

          السؤال الثاني: ما هي مجالات العطاء؟

          السؤال الثالث: كيف أتوازن بن البناء والعطاء؟

وقد أجبت بحمد الله عن السؤال الأول في مقال: "قواعد العطاء"، وعن السؤال الثالث في استشارة: "التوازن بين البناء والعطاء"، وهذا أوان الإجابة عن السؤال الثاني، وهو في النقاط الآتية:

1)    شرط العطاء العلمي صعب، وهو التمكن في العلم والرسوخ فيه، والعطاء قبل تحقق هذا الشرط يسمى عند العلماء تصدرا قبل التأهل، وقد حذروا منه كثيرا في كتب أدب الطلب، ومن خالف تحذيرهم وتصدر فوّت العلم على نفسه وعلى الناس، وقد تحدثت عن هذه القضية بإسهاب في مقال: "مثبتات الخمول لطالب العلم"، أتمنى أن تقرأه بتركيز وتتأمل فيه.

2)    ما هي المجالات التي يمكن أن تنفع الناس بها؟ هناك مجالات كثيرة أذكرك لك منها ست مجالات:

·       1. المجال الدعوي: والمقصود أن تشارك في الدعوة إلى الله، وهذه المشاركة نوعان:

o      النوع الأول: المشاركة في الدعوة بالتنسيق: وهو أسهل من الإلقاء، وفيه تعتني بتنسيق الكلمات والمحاضرات والدروس، وهي نوعان:

§       الأول: أن تكون منسقا لمسجد واحد.

§       الثاني: أن تكون منسقا لجملة من مساجد مدينتك وذلك بأن تعمل في جمعية دعوية.

o      النوع الثاني: المشاركة في الدعوة بالإلقــــاء، وهي نوعان أيضا:

§       الأول: أن تقوم بالدعوة الخاصة في مسجد واحد، فتكون إماما لأحد المساجد القريبة من بيتك، وتشتغل بدعوة الناس من خلال إمامتك، وإلقاء الكلمات والدروس والخطب، واستضافة الدعاة، وإقامة حلقات التحفيظ، وتفعيل البرامج النسائية وما إلى ذلك.

§       الثاني: أن تقوم بالدعوة العامة في مختلف المساجد، وذلك بأن تلقي الكلمات، والمحاضرات، والدروس، والخطب لكل من يطلبك ومن لا يطلبك.

·       2. المجال التربوي: وفيه تشتغل بتربية جملة من الشباب، في حلقات التحفيظ والمحاضن التربوية.

·       3. المجال الإغاثي: وفيه تشتغل بإعانة الفقراء والمساكين والأيتام.

·       4. المجال الإداري: وفيه تتولى عملا إداريا في أحد الجمعيات الخيرية.

·       5. المجال الأسري: وفيه تشتغل بجانب الأسرة إما وقائيا أو علاجيا بحسب قدرتك ورغبتك.

·       6. المجال الإعلامي: وفيه تنفع المسلمين بتصميم الصور، وإنتاج المقاطع، ونشر التلاوات والدروس.

وهناك مشاريع أخرى كخدمة المساجد بناء وصيانة، وبناء المقابر وإصلاحها، وغير ذلك.

3)    ما سبق من مجالات يحتاج إلى تأهيل، وإياك أن تدخل للعمل قبل ذلك، فتظلم نفسك والناس، وقد أكرمنا الله بكثرة المواد التأهيلية في كل جانب منها.

4)    إذا كنت تروم نفع الناس والجلوس لتدريسهم فأهم الجوانب لك الجانبين الدعوي والتربوي، لأنك بعد تمكنك ستشتغل بدعوة العامة وتربية الخاصة، وإذا لم تمتلك أدواتهما في الشباب فستخسر كثيرا، وإذا كنت تروم جانبا آخر كالإدارة أو الإغاثة فاشتغل به.

5)    تأهيل نفسك في المجالات الست له صورتان:

·       الأولى: صورة العجلة: والتي تجد صاحبها يقدم ما عنده بشكل خفيف مختصر بلا تأهل.

·       الثانية: صورة الإتقان: والتي تجد صاحبها متمكنا مما يقدم، ويطرح ما عنده بطريقة احترافية مؤثرة.

والذي أنصحك به أن تكون من أصحاب الصورة الثانية، وذلك بأن تمتلك المعلومات والمهارات المتعلقة بالمجال الذي اخترته، ويكون عندك مواد محررة في مختلف الموضوعات، حتى تنفع الناس بها عاجلا وآجلا، وسيكون انتفاع الناس بك حين تتقدم وتتصدر أكبر وأكثر، وكثير من طلاب العلم لا يأتي على أذهانهم فكرة تكوين التراث الخاص في الجوانب غير العلمية، ولذا تجدهم غالبا ضعاف فيها، ومن تصدر لم يجد وقتا لتحرير المسائل العلمية فضلا عن غيرها، فهذا من الاغتنام الذكي لشبابك.

6)    تمكن في الجانب العلمي من ناحية الحفظ، والفهم، والقراءة، واكتساب المهارات، وجهز رؤاك في هذا الجانب وموادك، ولا يصح أن يغيب هم النفع عنك، فإذا تصدرت لا يكون عندك منهجيات ولا مشروع جاهز تقدمه لطلاب العلم وتنفعهم به!

7)    اجعل العطاء عندك على مسارين:

·       المسار الأول: مسار البذل الحالي: وفيه تقدم ما أنت متمكن فيه.

·       المسار الثاني: مسار الإعداد: وفيه المشاريع التي تعمل على تحضيرها لتقدمها لاحقا.

فطالب العلم الموفق يجمع بين البناء والعطاء، وفي العطاء بعض وقته لبذل ما هو قادر عليه، وبعض وقته الآخر لتحضير ما يود تقديمه لاحقا، وسيجد نفسه بعد سنوات قد تمكن من جهة وقد كثرت مشاريعه التي يستطيع نفع الناس بها من جهة أخرى.

وبهذا تتم الإجابة على الأسئلة الثلاثة حول عطاء طالب العلم، والحمد لله أولا وآخرا.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

لفتة (68) ما موقفك؟

[68]

ما موقفك؟

الأربعاء 1448/5/17

للموفقين في الحياة صفة بارزة، وهي ملازمتهم للحق والصواب، ومجانبتهم للباطل والخطأ، لكن كيف يصل المرء إلى هذه الصفة العظيمة؟ يصل إليها بعنايته باتخاذ المواقف الصحيحة، وكيف يتخذ المواقف الصحيحة؟ هذا ما سنتحدث عنه في مقالنا هذا.

·       (1) ما معنى أن يكون لك موقف؟ يمر بنا في كل يوم ما لا يحصى من الأقوال والأفعال، والمواقف، والمنتجات الحسية كالسلع والمعنوية كالكتب والمقاطع المرئية، والسؤال هل ستقبلها أم ترفضها؟ ولماذا؟ الإجابة على هذين السؤالين هما المقصود باتخاذ الموقف.

·       (2) ما ثمرة أن يكون لك موقف؟ هناك جملة من الثمار، أهمها:

1-      البصيرة في العمل، فأنت لا بد أن تتكلم وتفعل، فماذا ستختار من الأقوال والأفعال؟

2-      تمييز ما كان موافقا للشريعة وما كان مخالفا لها.

3-      وضوح مواقفك وقدرتك على التعبير عن آرائك.

4-      شكر الله على نعمة العقل باستعماله الدائم.

·       (3) هل يلزم من اتخاذ المواقف إعلانها للناس؟ لا يلزم، فالمهم أن تتخذ الموقف لنفع نفسك، فتعرف ما الذي تقبل وما الذي تترك؟ أما إخبار الناس به فهذا يخضع لأمرين:

          أحدهما: جودة الرأي الذي أنتجته، فإذا كان رأيك جيدا قويما فيمكن أن تفيد الناس به.

          والآخر: تقدير الآخرين لرأيك، فإذا كان هناك من يرى لرأيك قيمة فتخبره به، أما من لا يهتم برأيك فإنك لا تخبرهم حفاظا على وقتك من الضياع وعلى عقلك من التسفيه.

·       (4) هل لا بد أن يكون لك موقف من كل شيء؟ يردد الناس كثيرا: "لا يلزم أن يكون لك رأي في كل شيء"، فنقول: نعم صحيح، ولكن يلزم أن يكون لك رأي في قضايا كثيرة.

·       (5) هل يمكن أن أستفيد في بناء المواقف من غيري؟ نعم يمكن، ولا يلزم أن تبني كل المواقف بنفسك، والناس في هذا على أقسام:

القسم الأول: من يعتمد على الناس في اتخاذ جميع المواقف.

القسم الثاني: من يعتمد على نفسه دائما ويرفض أن يستفيد من الناس شيئا.

القسم الثالث: من يأخذ من الناس أحيانا ويبني بنفسه أحيان أخرى.

فأما الأول فإن الحيرة تصيبه، لأن الناس يختلفون كثيرا ولا يعرف كيف بأي الآراء يعمل؟ ولأنه ستمر عليه مواقف كثيرة لن يجد للناس فيها رأيا، وأما الثاني فسيحرم من الخير الذي عند الآخرين، لأنه لا يمكن للمرء أن يكون متقنا لكل جوانب الحياة، ولذا حجزه كبره عن انتفاعه بما عند الناس، وأما الثالث فهو الموفق الذي يكون له ملكة في التفكير والحكم، ويستفيد مما عند الآخرين دون أن يكون أسيرا لهم، لأنه يعلم أن كثيرا مما يمر به يعرفه أهل الخبرة من العلماء والمربين والأطباء ولذا لا يزهد فيما عندهم.

·       (6) ما المعينات على اتخاذ المواقف؟ هناك عدة أمور تعين المرء:

          أولها: دعاء الله سبحانه، وطلب التوفيق منه.

          وثانيها: الاهتمام بالتعلم الدائم وعدم التوقف عنه ألبتة.

          وثالثها: الاهتمام بالتجارب قراءة وسماعا.

          ورابعها: معرفة مواقف الناس والسماع منهم قبل اتخاذ الموقف، وهذا يعينك على معرفة جميع الآراء وتمحيصها والحكم عليها.

          وخامسها: كثرة التفكير والتأمل، ويعين عليه أن تجعل عندك مفكرة تحوي الأمور المهمة التي تريد أن تكوّن فيها موقفا، ثم تعالجها موقفا موقفا، وهذه المفكرة تُحدثها باستمرار حتى تفارق الحياة.

          وسادسها: التأني والتدرج في اتخاذ المواقف، وعدم إرادة الحكم على كل شيء في وقت وجيز.

          وسابعها: إتقان مهارات التفكير.

·       (7) ما آثار ترك اتخاذ المواقف؟ الحيرة والاضطراب، وكثرة التنقل بين الآراء، ومجانبة الحكمة والسداد.

  سؤال اللفتة: ما موقفك من فكرة اتخاذ المواقف؟

اللهم سدد منا القول والعمل..

نافذة الاستشارات (47) | ماهي مجالات عطاء طالب العلم؟

نافذة الاستشارات (47) | ماهي مجالات عطاء طالب العلم؟ السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أطلب العلم بحمد الله ومنته وأتمنى أن يكو...