[35]
ثمن غياب الكبار
الثلاثاء 11/6/1447هـــ
جعل الله للعلماء مكانة عظيمة فقال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وهذه العظمة بسبب ما لهم من الأثر الكبير، فهم الذي يعلّمون الناس الدين، ويربونهم على الفضائل، ويصلحون قلوبهم، ويوجهونهم للحق.
وعندما يغيب العلماء، أو يقلون، أو يضعف أثرهم، يحصل من الخلل في حياة الناس شيء كبير، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسنة من سنن الحياة فقال: (ما مِن عامٍ إلَّا والَّذي بعدَهُ شرٌّ منهُ حتَّى تلقَوا ربَّكم)، ومن الشر الواقع في السنوات الأخيرة: قلة العلماء وضعف أثرهم، وقد فاقم المشكلة سهولة التصدر والنشر من خلال الشبكة العنكبوتية، فقد كان الجاهل لا يعرفه الناس وأصبح اليوم موجها للناس!!، فانظر للفرق الكبير الذي حصل والفساد العريض الذي وقع!
ونحن بحاجة أن ندرك أن لكل شيء ثمنا، وثمن هذه الفجوة ندفعه نحن عامة المسلمين، فمثلا: من أدوار العلماء تعليم العلم، ومع هذه الفجوة نصبح نحن المطالبون بتعليم أنفسنا، وهذا يجرعنا مرارة البحث عن العلم المتقن الأصيل ثم مجاهدة أنفسنا على تحصيله، ومن أدوار العلماء: التوجيه، ومع هذه الفجوة يقع عبء تشكيل الرأي الصحيح علينا، وهذا يجرعنا مرارة المرور على كثرة الآراء وتمحيصها واستخراج الرأي الصحيح منها، وليس كل أحد ينشط لتعليم نفسه أو تكوين الآراء الحكيمة فضلا عن بقية الأدوار! فهل أدركت غلاء الثمن وصعوبة الإشكال؟!
لا تحاول الهروب بسبب صعوبة المشكلة وتعقد الواقع، فنحن نعيش في زمن ٍكثيرٌ من إشكالاته معقدة، تأمل إشكالية قلة العلماء، وإشكالية ضعف الأمة وهوانها، وإشكالية استشراء الشهوات وصعوبة الزواج، وما لم نفهم أن التعقيد من سمات عصرنا، وأنه لا خيار أمامنا إلا الصبر وبذل الوسع، خسرنا الدنيا ونسأل الله ألا نخسر الآخرة.
أول خطوة في الطريق القويم بناء قاعدة فهم صحيحة، فإذا لم يكن عند الناظر قاعدة ينطلق منها وأصول يُفرّع عليها وإلا ظل متخبطا ما حيي، لأن المعلومات كثيرة ومتعارضة، ومن صعوبة الفهم أن كل صاحب فهم يجد لفهمه دليلا وتعليلا، فيغتر الضال ويُحبط المهتدي، وبناء القاعدة يكون بالجلوس عند العلماء حتى تبنى تلك القاعدة وما تحويه من أصول في نفوسنا، ويتفاوت الناس في الوقت الذي يحتاجونه لذلك، وقلةٌ هم الذين يُكوِّنون هذه القاعدة بالتلقي غير المباشر، وإن حصل فيحصل في سنوات طويلة أكثر من المدة التي يمكثها من يجالس العالم مباشرة.
وهذا الكلام موجه لكل مسلم، فكل مسلم بحاجة أن يجلس عند العلماء ويأخذ عنهم الأصول الكبرى والتصورات الأساسية، ويفهم بمجالستهم كثيرا من التفاصيل، وأما من رام طلب العلم فله بعد هذه القاعدة حديث آخر، لكن نبهت على هذا لكثرة من يظن أن الجلوس عند العلماء خاص بطلبة العلم.
مما يبين صعوبة التلقي عن العلماء عبر الشبكة: أن المتلقي كثيرا ما يقع فريسة للخبثاء الذين يحرفون كلام العلماء ويوجهونه لما أرادوا من المقاصد الرديئة، وهذا ما يسلم منه مُجالِس العلم ومُلازِمهم.
تأمل أخي الموفق في عالم أفنى زهرة شبابه للناس ثلاثين عاما أو أربعين، يُعلّم، ويُوجه، ويربي، ويفتي، ويخطب، ويؤلف، ثم بعد كل هذا يأتي سفيه متعالم يبدعه أو يفسقه أو يكفره!، ومن كان جاهلا من عامة المسلمين لمثل هذا المكر فإنه يضرب بالعالم عُرض الحائط وينتهي كل شيء! ثم نجد مع الأيام أنه لم يبق لنا عالم أو طالب علم نتلقى عنه! فكلهم اتهموا بأنهم كفار، وزنادقة، ومنحرفون، وضالون! فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثاني الخطوات: أن يكون لك برنامج لتحصيل العلم الشرعي خصوصا والثقافة العامة عموما، ويكون لك من اقتناء الكتب الأصيلة حظ وافر، وكلما زاد نصيبك من العلم زادت بصيرتك.
ثالث الخطوات: الارتباط بمن يتيسر لك من أهل العلم، لتعود إليه في كل ما أشكل عليك، فلن تستطيع فهم كل ما تسمع، ولا التمييز بين كل ما ترى، ولذا فتحتاج إلى من يبصرك ويهديك.
وبهذا تدرك أن غياب العلماء يوجب عليك الاشتغال الكبير بالعلم، من جهة بناء قاعدة لفهمه، ثم وجود برنامج ثابت لتحصيله، مع الارتباط بشيخ لسؤاله واستشارته.
سؤال اللفتة: هل عرفت ثمن غياب الكبار وعزمت على دفعه؟
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه..


