مدونة سنا الفكر
الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
رؤى (23) خلاصة العريس
[23]
خلاصة العريس
كثير من الناس لا يهتم بالثقافة الزوجية إلا إذا عقد وقرُب زواجه، وإذا عقد لم يكن عنده الوقت الكافي للتعلم والتأسيس، وترك التعلم بالكلية مشكلة، والدخول للزواج خالي الذهن مشكلة أخرى، ولذا جاءت فكرة هذه الخلاصة والتي تقدم للمقبل على الزواج الخطوط العريضة التي يحتاجها لا سيما أول أمره، فيعمل بها حتى يتزوج ثم يشرع في تأسيس ثقافته الزوجية، وأذكر قبل زواجي أنني كنت أطلب من بعض من أتوسم فيهم العقل والتجربة وصاياهم الزوجية فلم أجد ما يشفي الغليل، وهذا من الأسباب الدافعة لهذه الخلاصة.
· أولا: مقدمات الخلاصة:
المقدمة الأولى: الحاجة إلى التعلم
لهذه الحياة قواعد، من عرفها وعمل بها سعد وأسعد، ومن تلك القواعد: كل شيء يُتعلم، فكل ما يخطر على بالك وما لا يخطر من أمور الحياة يمكن تعلمه، لكن أين المتواضع للعلم الراغب فيه المتحمس له؟!
والحياة الزوجية فرع من فروع هذه القاعدة فمن اكتسب الفقه الأسري والثقافة الزوجية وصل إلى مراده -بإذن الله- من السعادة والتوفيق، وتجاوز كثيرا من الأخطاء، وسلم من الأخطاء الكبرى التي يصعب حلها ولا تمحى آثارها من النفوس، والعكس بالعكس تجد من يتكبر عن التعلم غالبا لا يصل إلى الحياة التي يريدها، ويقع في كثير من الأخطاء التي وقع فيها من قبله وكان يمكنه تجاوزها.
ومن الدوافع للتعلم أيضا: أن كثيرا من الأبناء ينقلون ما رأوه من والديهم ليطبقوه مع أزواجهم، والمشكلة أن كثيرا مما يرونه ويعيشونه ليس ناضجا، فتكون تصوراتهم عن الأسرة مشوهة.
الجدير بالذكر هنا أن التعلم يكون قبل الزواج وبعده، فحاجة المتزوج للتعلم قبل الزواج من جهة تكوين التصورات الصحيحة، ومعرفة القضايا الرئيسية والتوجيهات الأساسية، وتكون الحاجة بعد الزواج للربط بين التجربة العملية والمعلومات النظرية، والتأسيس التفصيلي لكثير من الملفات والموضوعات.
المقدمة الثانية: طريقة التعلم
تعلم المتزوج نوعان:
النوع الأول: التأسيس المتكامل، ويحتاج بعد عون الله إلى أمرين:
o أحدهما: معرفة الخارطة الصحيحة والمنهج القويم، وذلك لأن الغبش في باب الأسرة كبير، ولا يدري الداخل إلى هذا الفقه ماذا يحتاج؟ وكيف يصل إليه؟ وقد كتبت مقالا في جواب هذا السؤال أسميته: "خارطة الثقافة الزوجية"، تجده في مدونتي.
o والآخر: وجود أستاذ يرشد في عملية التعلم ويجيب عما يطرأ من إشكالات.
النوع الثاني: ضبط الخطوط العريضة، وهو مرادنا في هذه الخلاصة، ولا يغني الثاني عن الأول، بينما يغني الأول عن الثاني.
المقدمة الثالثة: أقسام الناس في الزواج
ينقسم الناس في الزواج من حيث السعادة إلى قسمين:
القسم الأول: سعداء في حياتهم، وهؤلاء يسعدون في بيوتهم، ثم يسعدون خارجها.
القسم الثاني: أشقياء في حياتهم، وهؤلاء يشقون في بيوتهم، ثم يشقون خارجها.
وذلك لأن لأسرة المرء أثر بالغ عليه قبل الزواج وبعده، فقبل زواج الأبناء تجد الأسر المضطربة تخرج أبناء مضطربين وأحيانا منحرفين، والأسر المستقرة تخرج أولاداً مستقرين ناجحين، وبعد زواج الأولاد إذا لم يوفق الزوجان اضطربت حياتهما داخل البيت وخارجه، والفرق بين البيتين أن المرء ليس له أثر كبير في والديه، بينما له الأثر الكامل بعد زواجه، ولكل شيء ثمن، فثمن هذه السعادة ما يبذله الزوج لأجلها، وأنى له أن يذوقها ولم يدفع ثمنها، وهذا من أكبر الدوافع على التعلم، لأن التعلم يقودك إلى أن تكون من السعداء في حياتهم الزوجية.
· ثانيا: وصايا الخلاصة:
1- أكثر من دعاء الله سبحانه واسأله التوفيق، فقد قال جل وعلا: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ}، وقال تعالى: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}، وقال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}، وقال تعالى: {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي}، وقال تعالى: {لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، فهذه الآيات توقفك على حقيقة جلية وهي أن لا شيء لولا الله تعالى، وأنك محتاج إليه غاية الاحتياج في كل نفس من أنفاسك، ولذا توجه إلى الله واسأله كل ما تريد، ومن ذلك التوفيق في الحياة الزوجية.
2- أحسن نيتك في هذه العبادة، فالزواج عبادة لا عادة، وعلى قدر نيتك تنال من الأجر، فإذا كانت نية المتزوج أن يعف نفسه وزوجه، ويقتدي بخيرة الخلق، ويحقق أمنية النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الأمة، ويخرج أبناء صالحين يوحدون الله عز وجل فهنيئا له الأجور.
3- نظرتك للزواج تحدد تعاملك معه، فكيف تنظر للزواج؟ هل تراه الزواج سكنا أم عبئا؟ فمما يخفى على كثير من الأزواج أن السعادة تبدأ من النظرة، ولذا صحح نظرتك أولا ليصح عملك بعدها، والنظرة القويمة هي أن ترى الزواج سكنا، وكيف يكون الزواج سكنا؟ هذا سؤال كبير ينبغي أن يشغلك بحثا، وتأملا، وسؤالا، وقراءة، وقد أجبت عنه في مقال لي بعنوان: "لم فقدنا السكن؟" فأعطه حقه من القراءة والتأمل، لأن فيه خلاصة مركزة.
4- اعتن ببناء المودة، وهي أهم قضية تبدأ بها، فالسكن المعنوي يبنى كما يبنى السكن الحسي، وقاعدة ذلك المودة، وهي أهم ما تشتغل به أول الزواج، ولها أسباب:
o أولها: كثرة السوالف، ولذا فالمقبل على الزواج يُنصح بأن يكون زواجه في الإجازة، حتى يجد وقتا كبيرا يمكثه مع زوجته، وقد سعدت لما قرأت كلاما لابن عثيمين يؤيد فيه هذا الرأي.
من تزوج في الصيف استطاع أن يقضي وقتا كبيرا في السوالف، ويتمكن من كثرة الجماع والنوم والراحة، أما المتزوج في أيام العمل فإنه يجد صعوبة في تأسيس الحياة الزوجية، فيقل حديثه وتقل المودة تبعا لذلك، ولا يستطيع أن يأخذ الرجل حظه من الجماع، وكثير من الرجال يعتقد أن الفراغ أول الزواج عبأ وما درى أنه ميزة، وفي السوالف إشارات:
§ الأولى: أن السوالف طريق لكسب المودة ولتربية الزوجة، فالمرأة تحب الحديث كثيرا، ومن خلاله يمكن أن توصل لزوجتك ما شئت من القناعات والمفاهيم والأفكار والأحكام.
§ الثانية: جاهد نفسك على محبة السوالف مع زوجتك ولا تتململ حتى وإن كانت أحاديثها غير مفيدة، لأن طبيعة المرأة أنها عاطفية لا عقلانية مثلك.
§ الثالثة: هناك موضوعات تتعلق بك وأنت محتاج لترسيخها في زوجتك وإقناعها بها، كـــ "مكانة الزوج، والفرق بين شهوة الرجل والمرأة وغيرها"، وستتقبل منك زوجتك الحديث فيها بشروط:
· أن تتحدث عن حقوقها وما يهمها كما تتحدث عن موضوعاتك.
· وأن تتحدث بعلم لا بجهل وهذا يتطلب الفهم والإعداد.
· وأن يكون حديثك فيها رفيقا لا عنيفا.
· وأن يكون حديثك قليلا، لا كثيرا.
§ الرابعة: حدّث زوجتك عن مواقفك اليومية، فإنها تسعد بذلك كثيرا، وتفهم الحياة من خلال فهمك وتصورك، ولا تقل هذا حديث لا فائدة منه، فالمرأة عاطفية كما قدمنا، وكثير من النساء اليوم تتابع يوميات الرجال وتسعد بذلك -ولا شك في خطأ من يفعلن ذلك-، لكني أسوق هذا لإقناعك بالفكرة.
o وثانيها: حسن الخلق: فإحسانك إلى زوجتك بأقوالك وأفعالك من أهم أسباب المودة، ومن الكتب النافعة في ذلك: كتاب "اللمسات الحانية في بيت النبوة"، للشيخ عبد اللطيف الغامدي.
5- من طبيعة المرأة أنها تطيل الصمت أول الزواج، وذلك لأنها لا تعرف الرجل، وهي خائفة من أن تقع في الزلل معه، ولذا تبقى صامتة وتدقق في أقواله، وأفعاله، وتصرفاته، ومشاعره، واختياراته، وهذا أمر طبيعي، وجملة من الرجال يستغربون هذا الصمت ولا يفهمونه! وقد يقابلونه مقابلة خاطئة كأن يصمتوا هم ويقول الواحد منهم: أصمت كما تصمت! وكأن زوجته متعمدة، أو يعاتب زوجته كثيرا على صمتها، وهذا ناتج عن عدم الفهم.
6- رفقا بالقوارير، إياك والعنف، واعلم أنك ستأخذ كثيرا مما تريد بالصبر، واللطف، والتعليم، والتلميح، فالبصبر تنال كل مراداتك، وأكثر ما يقع فيه المتزوجون العجلة، وهذا مخالف لسنة الحياة، ومن التصورات الخاطئة عند بعض الرجال: اعتقاده أنه يستطيع أن يأخذ بالعنف كل ما يريد، وهذا خطأ ووهم، وذلك لأنه قد ينال بعض حقوقه أو كثيرا من حقوقه على الحد الأدنى، لكنه لن ينالها على الحد الأعلى، فضلا عن أن ينال الفضل.
7- ابدأ حياتك في الأمور المادية من الأدنى، كالنفقات والهدايا والتأثيث، فلا تؤثث بيتك أثاثا غاليا أول مرة، ولا تبدأ في النفقات بكثرة وسخاء، ولا تهدي بعد الهدية الأولى هدايا غالية، وإنما ابدأ من الأدنى في كل ذلك، فاجعل أثاث بيتك متوسطا، يناسب إمكانياتك، وابدأ نفقاتك بالقليل، واجعل الهدية الأولى غالية، ثم اختر هدايا متواضعة السعر، وذلك لأن الحياة طويلة، وستحتاج مع الأيام أن تغير أثاثك، وتزيد نفقاتك، وتكثر هداياك، فإذا بدأت من أسفل السلم سهُل عليك الصعود، وإذا بدأت من أعلاه سقطت من عليه!
8- اتفقا على عدم إخراج أسرار البيت عموما والمودة -ومنها العلاقة الخاصة- والمشكلات خصوصا، فما يكون في دائرة الحب لا يخرج، وما يكون في دائرة الخلاف لا يخرج، أما الدائرة العامة التي بينهما فلا بأس في خروجها، فتخرج الأمور العامة التي لا يُعرف منها حجم المودة والخلاف بين الزوجين، مع أهمية الصبر على ما يحدث من أخطاء لأن الزوجة قد تُخطأ في تقدير الأمور الداخلة في الدوائر، وقد يزل لسانها لمن تحب، كما أن الزوج قد يخطأ أيضا في هذا الأمر، وسبب الوصية بالسرية في الدائرتين هو المحافظة على أركان البيت حتى لا يستطيع أحد أن يهدها، فمن أخرج الدائرتين فبيته من زجاج، ومن أخرج العامة فقط فبيته من طوب، والأسر السعيدة هي التي تخفي الدائرتين، فيستمتع الزوجان ببعضهما دون علم الناس، وينهيان ما بينهما من خلاف دون علم الناس أيضا، وقد يظن بعض الأزواج أن إخراج المشكلات يعين على حلها، لكن الحقيقة في ثلاث:
o الحقيقة الأولى: أن المشكلات يسهُل حلها بين الزوجين، وتصعب إذا خرجت، وذلك لأن الأطراف إذا كثروا كثر التحريش واللغط.
o الحقيقة الثانية: ينسى الزوجان ما يقع بينهما من المشكلات لكن الناس لا ينسون، وإذا خرجت المشكلات ظلوا يُقيّمون الزوجين من خلال المشكلة التي عرفوها، وتجدهم دائما يسألون عنها.
o الحقيقة الثالثة: أن بينك وبين زوجتك من المصالح ما ليس بينك وبين أهلها، وبينها وبين أهلك، ولذا يقع الخلاف أحيانا فتحتاج لها أو تحتاج لك فتصطلحان، وهذا ما لا يفهمه كثير من كبار السن.
o الحقيقة الرابعة: لحل المشكلات الزوجية قواعد أهمها: (الدعاء، والصبر، والحوار، والرفق، وفهم المشكلة، وفهم الشخصية، وحسن الظن، وتأجيل ردة الفعل).
9- الحياة الزوجية تقوم على حائين، حاء الحب وحاء الحزم، فمن أراد كسب زوجته فليجمع في تصرفاته بين هذين، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصب الحب على زوجاته صبا، لكن حازم في المواقف التي تحتاج إلى حزم، واقرأ فصلا نفيسا جاء في كتاب "كيف عاملهم" للمنجد، في هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته لتدرك خمسين حالا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، منقسمة على الجانبين، ومن أتقن هذا الفصل دخل إلى الحياة الزوجية وهو يعرف كيف يتعامل مع زوجته في مختلف الحالات ولم يقع في الحيرة التي يقع فيها كثير من الرجال، يجدر هنا التنبيه على أمور:
o الأمر الأول: أن التوازن بين الحب والحزم لا يكون بأن تعطي كل منها 50%، فهذا لا يمكن، لأن أحدهما سيغلب، والصواب أن تكون الغلبة للحزم، فللحب 45%، وللحزم 55%.
o الأمر الثاني: تحتاج كل فترة أن تراجع نفسك في نسبة الأمرين وتعيد ضبطهما، لأنك مع مواقف الحياة ستجد أنك تزيد نسبة الحب أحيانا وتزيد نسبة الحزم أحيانا أخرى.
o الأمر الثالث: فرق بين الحزم والعنف، فالحزم هو أخذ الأمور بجد، والحزم مع الزوجة ليس من الإساءة لها وإنما من طرق تأديبها وتقويم سلوكها، فمثلا: تتمنع الزوجة كثيرا من الجماع أول الزواج ولا ترغب فيه، فإذا لم يحزم الرجل في هذا فهمت المرأة أن الجامع ليس ضروريا ولا يحتاجه الرجل كثيرا، ثم ظل هو يتألم طيلة حياته، وهناك الكثير من الأمور التي تتذمر الزوجة منها، لكنها مع الأيام إذا حزم زوجها فيها رأت ما في الحزم من الخير وسُرت بذلك.
10- اجعل قضية تعليم زوجتك من أولوياتك، لأن زوجتك كلما علا علمها وفهمها، انتفعت بذلك في تعاملك معها، وانتفعت في حسن تربيتها لأولادك، وفي هذه الوصية إشارات:
o الإشارة الأولى: تعليمها يستلزم أن تتعلم أنت أولا ثم تعلمها، ولا يصح أن تأمرها بالتعلم ولا تكون قدوتها في ذلك.
o الإشارة الثانية: تعليمها يكون من خلالك، فأنت الذي تباشر تعليمها وتفهيمها.
o الإشارة الثالثة: تعليمها يشمل ما تحتاجه من العلوم الشرعية، والعلوم الأسرية والتربوية.
o الإشارة الرابعة: المراد بالتعليم ما كان حقيقيا له أثر، أما نيل الشهادات فهو أسهل ما يكون اليوم لكن ليس له قيمة كبيرة على أرض الواقع.
o الإشارة الخامسة: تعليمها يشمل أمران:
§ تربيتها بالمعايشة.
§ إقامة درس ثابت لها.
11- أبعد زوجتك عن أمك إذا تيسر لك ذلك، لأنهما إذا اقتربتا من بعضهما كثرت الخلافات بينهما، فالأم تغار من زوجة ولدها أحيانا، وتشعر بأن هذه الغريبة قد سيطرت على ولدها وامتلكته! وأحيانا يكون القرب سببا في رغبة الأم في توجيه ولدها في تفاصيل حياته الزوجية، وتقابل هذه الرغبة برغبة الزوجة بأمور مغايرة فيقع الخلاف! وقد ترى الأم بعض ما كانت تتمنى حصوله لها أو تنشر ما تراه بين ولدها وزوجته فيقع الحسد، وهذا النوع من المشكلات يصعب حله، فالوقوف مع أحدهما يفقدك الآخر، والوقوف في المنتصف يفقدك الطرفين!
12- اعرف كيف يتحقق الاستقرار في الحياة الزوجية لئلا تخطأ الطريق، فمن الطبيعي أن تكثر المشكلات في بداية كل علاقة عموما، وفي الحياة الزوجية خصوصا، فلكل طرف شخصية، وثقافة، وطريقة، ومستوى في التدين والخلق، بالإضافة إلى أن الطرفان يدخلان إلى حياة جديدة لم يعتادا عليها، ولذا لا تستغرب المشكلات ولا تظن أنها دليل على سوء الطرف الآخر، بل هي حالة طبيعية تحصل في كل علاقة جديدة، والتعامل الأمثل معها هو حلها بالهدوء وكثرة الحوار، فنحن بحاجة إلى نترفق بأنفسنا، ونكثر من الحوار لنفهم بعضنا ونتفق على تفاصيل حياتنا، وقد يتساءل البعض فيقول: لم تكثر الخلافات أول الزواج؟ والجواب: أن ملفات الحياة كثيرة: (الطعام والشراب، التعامل، النوم، الشراء والميزانية، التعامل مع الأهل، الحمل وما يلحق به، إكمال الدراسة، السفر، الوظيفة، اختيار الأصدقاء ووصلهم.... إلخ)، وفي كل ملف قضايا كثيرة، وكل خلاف تناول لقضية من قضايا أحد الملفات، وكم نحتاج لتناول القضايا الرئيسية في كل الملفات؟ ربما نحتاج من خمس إلى سبع سنوات، فهذه الفترة التي يتحقق فيها الاستقرار -بإذن الله-، واعلم -أيها الموفق- أن الخلافات نوعان: إيجابية وسلبية، فالإيجابية هي التي تقع لأول مرة، أو وقعت من قبل وحاولنا حلها لكنها لم تُحل بعد، والخلافات السلبية هي الخلافات التي حللناها لكنها لا تزال تتكرر، وكثيرا ما يقع الخلط بين الأمرين ثم يحصل سوء الظن!
13- من الأمور الضرورية أن يعتني الزوج من أول حياته بالادخار قدر المستطاع، لأن المال قد يكون عنده كثير والمتطلبات قليلة، فليس عنده أولاد يأخذون من المصاريف ما يأخذون، والحياة كلما تقدمت صعبت، ولذا كن ذكيا في توفير المال وعدم تبديده على أمور لا فائدة منها بل قد تكون محرمة، كالتوسع في ليلة الزواج، والسفر للبلاد التي تكثر فيها المنكرات، فيجتمع على المرء الإثم مع ذهاب المال، فيكون خسر دينه ودنياه.
14- للرجل خصائص وللنساء خصائص، ثم لكل شخص نمط من أنماط الشخصية، تعرف على خصائص الجنسين عموما، وعلى نمط زوجتك خصوصا، لأن هذه المعرفة ستختصر عليك الكثير في التعامل.
15- يتساءل المتزوجون من طلاب العلم عن كيفية التحصيل مع الزواج؟ والجواب: المحافظة على رأس المال أولى من زيادته، فأهم ما تعتني به المراجعة، ولو لم يحصل لك في أيامك الأولى إلا المحافظة على محفوظاتك وشروحاتك لكانت نعمة كبيرة، فإن تيسر وقت للزيادة بعد ذلك فلا مانع، لكني أوصيك بأن تعطي زوجتك أول الزواج وقتا كبيرا لتأسيس المودة كما اتفقنا، وتجعل ساعة في اليوم أو ساعتين للعلم ولا تزد، إلا إذا انتهى الشهر الأول أو قارب فتعود للتحصيل تدريجيا.
16- اتخذ حكيما لاستشارته فيما أشكل عليك، ويقابل هذا من يحتقر الاستشارة ويغتر بنفسه، ومن يتخذ أحمقا لاستشارته، فكلا الطرفان لا يفلح، ومما لاحظته أن جملة من الأزواج لا يلجأ إلى المستشارين إلا بعد أن تمضي سنوات يجرب فيها كل الحلول التي يعرفها ولا يجد الأثر الذي يريده، فيذهب للمستشار بحثا عن الحل بعدما أفسد في حياته ما أفسد، وقد يكون الانتفاع بالاستشارة حينها قليلا بسبب كثرة الأخطاء التي ارتكبها.
هذا ما تيسر ذكره في خلاصة العريس، سائلا الله التوفيق لكل زوجين إلى ما يحب ويرضى.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الثانية عشرة من ليلة الخميس
الثامن والعشرين من ربيع الأول لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف
لفتة (66) تربية النخبة
[66]
تربية النخبة
الأربعاء 1448/3/27
للتربية طريقتان: تربية بالسوالف، وتربية بالكتب، فالمربي يختار في تربيته لمن تحت يديه هل يتخذ السوالف طريقا لتربيتهم وإيصال كل ما لديه من خلالها؟ أو يتخذ الكتب طريقا؟ والسوالف مناسبة للتربية الأولية، والكتب مناسبة للتربية المتقدمة أي: تربية النخبة، فالوالد في بيته يعتمد الأولى، لسهولتها عليه وعلى أولاده، ولعدم قدرة كثير من الآباء على شرح الكتب، أما من كان قادرا فجمع بين النوعين فهنيئا له لأنه سيجد نتائج أكبر، أما المعلم في المدرسة، والشيخ في المسجد، والمربي في المحضن فلا يليق بهم إلا تربية طلابهم بالكتب، لأنهم أصحاب قدرة من جهة، ولأن طلابهم في الغالب منتخبين من جهة أخرى، ومن أسباب ضعف كثير من المحاضن وكثير من المربين اعتمادهم على التربية بالسوالف، وفيما يلي نتناول أسئلة التربية بالكتب:
· السؤال الأول: ما هي التربية بالكتب؟
الجواب: هي تربية الطلاب من خلال اعتماد كتب مناسبة في الجوانب المختلفة التي يريد المربي أن يربي طلابه فيها، فيختار كتابا في السيرة، وكتابا في الأخلاق، وكتابا في العقيدة، وكتابا في التفسير، ويفتح فيها دروسا ويشرحها لهم.
· السؤال الثاني: ما الفرق بين الدروس العلمية والدروس التربوية؟
1. الدروس العلمية تستهدف الطرح العلمي الخالص ولا تتضمن طرحا تربويا، بينما الدروس التربوية تجمع بين العلم والتربية.
2. الدروس العلمية هي طرح للمسائل فقط، أما الدروس التربوية فهي طرح للمسائل وتربية عليها، ولذا يكون فيها تطبيق عملي ومتابعة من المربي.
3. مقصود الدروس العلمية تمكين الطالب من تحصيل العلوم والحذق فيها، ومقصود الدروس التربوية إصلاح المتربي وتهذيبه.
4. شرط الدروس العلمية تحصيل العلم، بالحفظ والقراءة والفهم، وشرط الدروس التربوية تحقيق الانتفاع من خلال العمل، ولو لم يحفظ المتربي ويقرأ.
5. مدة الدروس العلمية طويلة لأن العلم غزير، أما الدروس التربوية فمدتها قصيرة وتتفاوت بحسب ما عند المربي.
· السؤال الثالث: ما الذي تتفق فيه الدروس العلمية والتربوية؟
1. أن معتمد كلا الدرسين على الكتب.
2. أن الكتب في كلا الدرسين تناسب من يدرسها.
3. أن الشيخ في كلا الدرسين يهتم بختم الكتب.
· السؤال الرابع: ما فوائد التربية بالكتب؟
1. متانة التربية وقوتها، لأنها تعتمد على العلم، بخلاف التربية بالسوالف فهي ضعيفة لأن معتمدها على الأحاديث العامة.
2. نشاط المتربي وحماسه، لأنه يجد الجديد المفيد باستمرار، بخلاف الأخرى فالملل يدب فيها كثيرا.
3. تحديد ما حصّله المتربي بدقة، لأن الكتب اختيرت لتغطي جوانب محددة، بخلاف السوالف فإنها حديث عشوائي غير منظم.
4. تحقيق الترقي للطلاب، لأنهم يسيرون على منهجية من كتاب إلى كتاب، ومن درجة إلى أخرى.
5. إطالة المربي زمن تأثيره على طلابه، فعدد من المربين يشتكي بأن أثره على طلابه مؤقت، فيجد إقبالا يسيرا ثم يمل الطلاب ويتسربون، وحل ذلك في التدريس على الكتب والتزود المستمر من العلم، لأن الطلاب سيجدون أن هناك كتبا لم يأخذوها عن شيخهم، وعنده جديد باستمرار.
· السؤال الخامس: كيف أربي بالكتب؟
1. اقتنع بالفكرة، لأنك ستواجه من ليس مقتنعا بها وربما تراجعت من أول معارض، وبعض الكرام يردد فكرة خاطئة وهي: أن العلم والتربية أوسع من الكتب، فتجد الشيخ الذي يريد تأصيل طلاب العلم يترك التدريس على الكتب، وإذا سُئل عن ذلك قال: العلم أوسع من الكتب، وسأطرح لكم ما لا تجدونه فيها! وكذلك إذا أراد المربي أن يربي طلابه ترك الكتب وإذا سُئل قال: التربية أوسع من الكتب وسأطرح لطلابي ما لا يوجد فيها! والحقيقة أن هذا وهم بل في الكتب ما ليس في أذهاننا تصور عنه فضلا أن يكون عندنا علم عنه! وكل ما تريده في الكتب، وبحمد الله اليوم الكتب كثيرة جدا، فتستطيع أن تختار الكتاب الذي يعجبك ويناسب طلابك، ثم تعلق عليه بما شئت من التعليقات، والكتب قوالب وأنت تملأها بما أردت، أرأيت لو أن زوجتك طلبتك إناءً، فنزلت بها بالسوق فلما رأت الآنية قالت: لا يوجد إناء يصلح أن أضع فيه الطعام فكيف يكون ردك؟ لا شك أنك ستنكر كلامها وتستغربه! لأن الآنية المتوفرة لا حصر لها وبإمكانها أن تختار ما يعجبها ويحقق هدفها.
2. كتبت منهجية لبناء المدعوين من عامة المسلمين، وأرى أنها مناسبة لبناء المتربين، وهي مذكورة في مقال: "منهجية بناء المدعوين" بإمكانك الاطلاع عليها والعمل بها، فإن لم تناسبك فدونك المكتبة الإسلامية اطلع فيها على الكتب واختر ما يناسبك ويناسب طلابك.
3. لا مانع أن يكون بعض طرحك بلا كتب، وإنما موضوعات مفتوحة تحضّر لها وتلقيها بطريقتك، لكنها لا تمثل من طرحك إلا 10% فقط.
سؤال اللفتة: هل كتبت خطتك في تربية طلابك بالكتب؟
اللهم وفقنا لتربية أولادنا وانفعنا وانفعهم بذلك..
-
[١٢] ما الموقف من الأحداث الكبرى؟ المقدمة الأولى كل أحد يتمنى في هذه الدنيا أن يعيش حياة هادئة مستقرة، وأن يتفرغ لتحقيق ملذاته...
-
[18] أزاهير وريحان من سيرة الودعان أنعم الله علي بمعرفة شيخي المبارك عبد الرحمن بن فهد الودعان -حفظه الله تعالى- في شهر صفر من عام 1443ه...
-
[١٣] منهجية بناء الدعاة أثنى الله على عباده الدعاة إليه فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَ...



