الاثنين، 23 مارس 2026

لفتة (42) طبائع الحق

 

[42]

طبائع الحق

الثلاثاء 5/10/1447هــ

كل من يؤمن بالله واليوم الآخر يسعى إلى الحق، ويبذل جهده في إصابته، ويخشى من الوقوع في الباطل أو أن يكون من أهله، ومما يعين على ذلك معرفة طبائع الحق، وإليك بعضا منها:

·     الطبيعة الأولى: أن الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، وهو من أكثر السنن وجودا وتحققا، وإيماننا بأن الله تبارك وتعالى من قدر ذلك يكسبنا طمأنينة القلب وراحة البال، ليقيننا بأن أفعال الله تتصف بالحكمة البالغة، والجاهل بذلك يلقي بآراء ساذجة كأن يقول: لم نستمر في معاداة الكفار؟! متى يأتي الوقت الذي ننشر فيه المحبة للعالم؟! ولو أعمل المسكين عقله لوجد أن فعله يرد على قوله! فيستحيل أن يكون محبا لكل الناس سالما من الكراهية لأي مخلوق!! لكنه الجهل بالسنن، زد على ذلك أن صراعنا لأهل الباطل أعظم صور حبنا الخير لهم.

أعظم أماني الباطل إنهاء الحق وطمسه، فإن لم يستطع سعى لإسكاته، فإن لم يستطع شوش عليه وشغب، فهو إن لم ينل الأعلى لم يزهد في الأدنى، وهذا من الأمور التي تنقصنا فلشدة حب الخير في نفوسنا وقوة الغيرة عليه نطالب بكمال النتائج أو نترك العمل بالكلية! {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ}.

·     الطبيعة الثانية: الحق قوي منصور، تجده سريع الولوج إلى القلوب، شديد التأثير على النفوس، ولذا ترى كلمات يسيرة من الحق تقلب حياة رجل من الضلالة إلى الهدى، وكلمات معدودة من الحق تقض مضاجع أهل الباطل وتزلزل أركانهم، في المقابل تجد من خطابات أهل الباطل ما بُذل في تزويقه وتجميله الجهود العظيمة ولكنه لا يجد القلوب التي تستقبله! وإن استقبلته سرعان ما تطرده إذا تعرضت للحق، كل ذلك لعظمة الحق وعلوه، فالحق قوي ولو لم يجد أسباب القوة، لكن هذا لا يعني أن نُقصّر ونتهاون في تقديم الحق في قالب ضعيف، بل الواجب العناية بأساليب بذل الحق والتفنن فيها.

·     الطبيعة الثالثة: أن الخلل دائما ما يأتي من حاملي الحق، فالخوف كل الخوف ليس على الحق فإنه منصور لا محالة وانتصاره سنة كونية وقاعدة قرآنية {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وإنما على أنفسنا ألا يكون لنا شرف المساهمة في القيام بالحق، أو نفرط في القيام به، ولذا لا تخف على الحق وإنما على نفسك من ترك الحق.

وترك حمل الحق له أسباب، من أهمها: التعلق بموعد النصر، والمسلم مطالب بشرط النصر، أما موعده فهو بإرادة الله وحكمته، والموفق لا يعلق قلبه به، فقد يتحقق في حياته وقد يكون بعد مماته، وانظر للصحابة الذين ماتوا أول الإسلام وهو لم يروا من نصره شيئا، لكنهم اعتقدوا الحق وماتوا عليه، وتذكر أيها الموفق: أن يأس الصالحين أكبر مغنم لأهل الباطل لأن يأسهم يوقفهم عن المدافعة.

·     الطبيعة الرابعة: أجل صور النصر: ثباتك على الحق، قال تعالى عما حصل لأصحاب الأخدود: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} مع أنهم حُرّقوا وماتوا، لكنهم ماتوا ثابتين على دينهم فكان ذلك فوزا كبيرا، ونصرا عظيما، فتأمل هذا وكرره كثيرا.

·     الطبيعة الخامسة: أن الحزن يدفع على القيام بالحق بينما اليأس يقعد عنه، فلا مانع من الحزن الدافع على العمل لكن الخلل في اليأس المقعد عن العمل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكثيرٌ من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جَزِع وكَلَّ وناحَ كما ينوحُ أهل المصائب. وهو منهيٌّ عن هذا، بل هو ‌مأمور ‌بالصبر ‌والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه، فليصبر إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشيِّ والإبكار".

سؤال اللفتة: كيف ستنظر للحق بعد إدراكك لطبائعه؟

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه..


لفتة (41) ماذا علمنا الحَجْر المنزلي؟ 2/2

 

[41]

ماذا علمنا الحَجْر المنزلي؟ 2/2

الأربعاء 18/10/1441هــ

تناولنا في المقال الماضي الجزء الأول من الدروس المستفادة من الحجر المنزلي الذي وقع لنا أيام فيروس كورونا، ونكمل في هذه الجزء الثاني ما تبقى من الدروس:

1-     رأينا عيوب الحضارة الغربية العلمانية وشاهدنا الفقر الأخلاقي الموجود بها، فدول تقرصن الكمامات، وأخرى تقدم الشباب على الشيوخ في العلاج، ودول تستهين بأرواح البشر!، مع قطع الإمدادات والمساعدات الطبية بين الدول، والسطو على الشحنات الطبية، وكل هذا السقوط الأخلاقي ناتج عن نخب ثقافية وسياسية غربية، وخذ هذا العناوين على سبيل المثال لا الحصر:

·       "الجمعية الطبية ببريطانيا توصي بنزع أجهزة التنفس الصناعي عن كبار السن وإعطاء الأولوية لمن يرجى لهم الحياة من صغار السن والشباب، التوصية جاءت بعد ارتفاع أعداد المصابين في بيانات بريطانيا يوم أمس".

·       "فرنسا تستولي على شحنة كمامات طبية كانت متوجهة للملكة المتحدة".

·       "تونس تعلن بأن إيطاليين قاموا بقرصنة باخرة قادمة إليها محملة بكحول طبية".

·       "جمهورية التشيك تعترف باستحواذها على شحنة أقنعة طبية وأجهزة تنفس كانت متوجهة من الصين إلى إيطاليا".

·       "الولايات المتحدة تشتري أقنعة طبية من الصين كانت موجهة إلى فرنسا بثلاثة أضعاف سعرها".

وهذا يدفعنا لأمرين: الأول: إيضاح هذه الحقائق وإبرازها للمخدوعين بهذه الحضارة الزائفة، وفيها رسالة إلى جماعة "رأيت في الغرب إسلاما بلا مسلمين!"، والأمر الثاني: أن نسعى لتقديم ديننا العظيم كبديل حضاري للعالم أجمع.

2-     أعظم الناس انتفاعا بهذا الحدث المعتنون ببناء أنفسهم، الراسمون لحياتهم خططا في التعلم والارتقاء، فمن أعظم الصدمات التي واجهت الكثير كيفية التعامل مع هذا الفراغ الكبير؟! فلا خروج من البيت إلا لقضاء الحاجات الضرورية، وكل شيء مغلق المدارس والجامعات، والمساجد، وأماكن الترفيه والمنتزهات، ويجب المكوث في البيوت لأجل غير مسمى! هنا برز أصحاب الهمم العالية في اغتنام الوقت فأخرجوا جداولهم وأبرزوا خططهم، وعملوا عملا مكثفا على إنجازها، وأصبح يتردد على مسامعنا كلمة يرددها الجادون: "لقد أنجزت أعمالا منذ زمن لم أجد لها وقتا"، وتناقلنا وصية هؤلاء الجادين؛ "أن اغتنموا هذه الفراغ الكبير بما يعود عليكم بالنفع والفرح بعد هذه الأزمة"، وفي المقابل هناك من ضيع وقته وأفسد دينه ونفسه بالجلوس على ما حرم الله، وكما أن أهل الخير يتواصون فأهل الشر يتواصون أيضا فقد كان يوصي بعضهم بعضا بإنجاز المسلسلات والأفلام! -وهذه مصيبة والله-، قال النعمان بن بشير: "إن الهلكة كل الهلكة أن يُعمل بالسيئات في أوقات البلاء".

وطائفة أخرى كانت تشغل نفسها بالمباح ومن ذلك الألعاب، ومن العجيب أن بعض الألعاب قد نفدت من الأسواق كلعبة الكيرم، وباعها بعضهم بخمسة أضعاف سعرها! وفيما حصل درس تربوي عظيم وهو أن تربية النفس على الجد في وقت الرخاء ينفعها كثيرا في وقت الشدة، ولذا كان يردد بعض من لم يعود نفسه على الجد أن الوصية باغتنام هذه الأزمة في تحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال إنما هو ضرب من المبالغة والمثالية!

3-     من الدروس المهمة: ما وجده بعض الرجال من جهل أهل بيته بأحكام الصلاة مثلا، فيقول أحدهم: لما صليت بزوجتي كانت تستغرب من بعض ما أفعله فأخبرتها أن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول آخر: كان أولادي يسألونني عن بعض الأفعال التي أقوم بها في الصلاة فشرحت لهم صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلولا فضل الله ثم هذا الحجر ما تعلم من تعلم من أفراد أسرنا هذه الأحكام، وهذا يدعونا لقضية مهمة وهي العناية بتعليم أهالينا ما يحتاجون إليه من العلم الشرعي، وهي من واجبات الرجل، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإِمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ راعٍ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ...).

4-      من المشاهد المفرحة: ما وقع للأسر التي كانت تدفع أبناءها لحلقات التحفيظ، فقد رأوا ثمرة ذلك في هذه الأزمة بأن كان هؤلاء الأبناء يصلون بأسرهم في الصلوات الخمس والتراويح، وهذا من الثمار العاجلة لتعليم الأولاد القرآن.

5-      يقول الشيخ مطلق الجاسر: "ملأ الليبراليون الدنيا ضجيجا اعتراضا على (مبدأ سد الذريعة) لأن فيه اعتداء على حرياتهم بزعمهم وهو المبدأ الذي يحافظ على (الأديان) وهم اليوم يصفقون لنفس المبدأ مع أنه ذهب بحريتهم كلها وألزمهم البيوت للمحافظة على (الأبدان) نحن مع المبدأ في الحالتين وهم متناقضون".

6-      من دروس الأزمة: أننا فهمنا جيدا بأنه لا يوجد حرية مطلقة، فالحرية مقيدة بقيود عديدة يقبل المسلم منها الديني ويقبل العلماني والكافر منها الدنيوي، فالمسلمة تلبس الحجاب خوفا من الله، وغيرها يلبس الكمام والقفازات وغيرها خوفا من كورونا!، والمؤمنة تترك مصافحة الرجال استجابة لله، وغيرها يترك مصافحة الرجال خوفا من العدوى! والفرق بأن حرية المسلمة مقيدة بقيد الشرع، وحرية غيرها مقيدة بقيد المصلحة!

7-      انتقلت الأسر في هذه الأزمة للأكل من المنزل وتركت الشراء من المطاعم خوفا من المرض، فحققت فائدة اقتصادية بتوفير المال، وفائدة تربوية بتعويد البنات على الطبخ، وهذا يعلمنا أننا نستطيع الاستغناء عن المطاعم والاعتماد على الأكل من البيت ولو بصورة غالبة.

8-      تربينا على دقة ملاحظة النعم واستشعارها وشكرها، ففي هذا الحدث تيقظنا لنعم كنا نعتبرها عادية، ولا نذكرها فضلا أن نشكرها، كنعمة الزحام، والصفوف الملتفة حول الكعبة، ونعمة المساجد والذهاب إليها، ونعمة الاجتماع بالأحبة، ونعمة البيوت، ونعمة العمل، وأصبحت أقصى أمانينا أن نعود لحياتنا الطبيعية العادية التي لم تكن تعجب الكثير منا! قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال سبحانه:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.

سؤال اللفتة: ما الأمور التي ستعتبر بها من هذه الدروس وتنقلها لحياتك؟

اللهم وفقنا للاعتبار بكل ما يمر بنا من أحداث..

لفتة (40) ماذا علمنا الحَجْر المنزلي؟ 2/1

 

[40]

ماذا علمنا الحَجْر المنزلي؟ 2/1

الأربعاء 18/10/1441هــ

عشنا خلال الأشهر الثلاثة الماضية تجربة فريدة لم يسبق لنا ذوق مثلها، فقد مكثنا في البيوت ولم نخرج منها إلا للضرورة القصوى، وذلك بسبب انتشار فيروس كورونا وما قامت به جميع الدول من إلزام الناس بالحجر الصحي أو الحجر المنزلي حتى لا تنتشر العدوى، وتتابعت الدول على عدد من الإجراءات منها: إغلاق الحدود، وإيقاف التعليم، والدوائر الحكومية، والنشاطات العامة كالملاعب والملاهي، وإغلاق المطاعم والأسواق وإيقاف جميع المناشط الثقافية، ومنع إقامة المناسبات الاجتماعية، وفرض حظر التجول الكلي والجزئي على الناس، وأُمرنا بالبقاء في البيوت والبعد عن الاختلاط، فكيف كانت هذه التجربة؟ وما الدروس التي تعلمناها من الحَجْر المنزلي؟

1-     رأينا بجلاء معنى "ورجل قلبه معلق بالمساجد"، فعندما جاء الأمر بإغلاق المساجد والصلاة في البيوت رأينا العديد من المؤذنين يأذنون أول أذان بعد الأمر وهم يبكون -وصُوّر ذلك ونشر في مواقع التواصل-، وبكى بعض من سمعهم، وحزن المرابطون في المساجد حزنا شديدا على هذا الفراق، وهذا شعور لا يفهمه إلا محبو المساجد، ممن آمن بالله وأحبه وتقرب إليه، وفي المقابل حصل استهزاء وسخرية من بعض المنافقين بهذه المشاعر -نسأل الله أن يعاملهم بعدله-، ولعل من خيرات ذلك تحسر المقصرين فبعض الشباب لمْ يكن يحرص على الصلاة في المسجد فأحس حينها بمرارة تفويت صلاة الجماعة، وشعر بنعمة كانت بين يديه ولم يكن يغتنمها، فعقد العزم على تعويض ما فاته بعد زوال المحنة، ومما يبين خيرية المسلمين وحبهم للمساجد والقرب منها: أن أحد المغردين على تويتر سأل متابعيه فقال: "ما أول عمل ستفعله بعد كورونا؟ وما أكثر شيء تشتاق إليه؟" فأجاب غالب الناس إن لم يكن كلهم: "المسجد"، وعندما فتحت المساجد حصلت فرحة عارمة في نفوس الناس، ففي الكويت مثلا اجتمعت الجمعيات الخيرية وذبحت عند الجامع الكبير مائة رأس، وقسّمتها على الفقراء شكرا لله على نعمة العودة إلى المساجد، ونشر أحدهم صورة لوالده وهو مستعد في كامل زينته ينتظر قبل الفجر بنصف ساعة كأنه ينتظر العيد أو ينتظر حبيب له، كل هذه المشاعر تؤكد أن أمة ترى العودة للمساجد عيدا فيها لا يزال الخير فيها باقيا.

2-     زاد تعظيم شعيرة الأذان الذي هو من شعائر الدين الظاهرة في هذا الحدث، فعندما أغلقت المساجد سعد الناس ببقاء رفع الأذان، وعندما أُمر بحظر التجول ليلا استثني من ذلك المؤذنون، وكيف سيكون حالنا لو لم يرفع الأذان؟! فبعضنا مُقصّر في الصلاة منذ منعت الصلاة في المساجد فكيف لو منع الأذان؟!

3-     تُعلمنا هذه الأزمة إعادة النظر في تعاملنا مع كلام الله وتلقينا لفتاوى العلماء، فقد كان البعض يستجيب للتوجيهات الصحية أكثر من استجابته للأوامر الشرعية، ويستسلم لكلام الأطباء بينما يعارض فتاوى العلماء! ويتقبل اختلاف الأطباء ويتفهمه ويتذمر من اختلاف العلماء ولا يفهمه!

4-     قبل كورونا كنا نؤدي العبادات بسرعة وبلا خشوع، مع تفريط في الأوراد، معتقدين أن الوقت ضيق والأشغال كثيرة فلما مكثنا في بيوتنا وجدنا أنفسنا نقع في نفس الخلل، فتبين لنا أن قلة أو كثرة الأعمال ليست السبب الرئيسي لتقصيرنا في العبادات أو تركنا لبعضها، وإنما عدم صدقنا وتربيتنا لأنفسنا على العبادة.

5-     ظهرت في هذه الأزمة حاجتنا إلى التعلم الإلكتروني، فعندما توقف التعليم المسجدي والتعليم النظامي شعرنا بفقد شيء أساسي من أساسات الحياة، وكان الإشكال أن هذا الأمر لم يكن محسوبا عندنا، فنحن لم نخض هذه التجربة باقتدار في وقت الرخاء فلم ننجح فيها بشكل كامل وقت الشدة، فطلابنا لم يتعلموا كيفية التعلم عبر التقنية في التعليم النظامي، وأما الدروس المسجدية فلم يستمر منها إلا ما كان له صلة بالتقنية من قبل وقد عُرف بذلك، أما من كان يزهد في التقنية فقد توقف، ومن كان معتنيا بالتقنية لكنه لم يُعرف بذلك لم يجد قبولا كبيرا وذلك لأن الناس لا تعرف حساباته الإلكترونية من قبل، ولذا فإن هذه الأزمة تُعلمنا العناية بالتعلم الإلكتروني وتدريب الطلاب عليه، وتفعيل هذه الشبكات أوقات الرخاء لكن لا يكون كامل التعليم عبرها وإنما الأصل الحضور والتقنية مُكمّلة.

6-     علمنا الحجر أننا نستطيع الاستغناء عن كثير من الأمور التي كنا نعتقد بأنها ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها ككثرة الخروج من البيت، والسفر، والنزهة!

7-     امتد أثر هذا الحدث ليشمل الأسر ويؤثر عليها تأثيرا كبيرا فمن الإيجابيات التي وقعت: اجتماع الأسر وتآلفها وتعاونها وقيامها بالطاعة، فأشغال الحياة الكثيرة وطبيعة حياتنا كانت تُحتّم علينا قلة التواصل مع أسرنا، فجاءت هذه الأزمة لتجعلنا نجتمع ونقترب من أهالينا ونعوض ذلك التقصير الذي حصل منا، فالجلوس في البيت مع الأسرة حسنة من حسنات هذا البلاء، نتج عنه قرب الشخص من والديه وإخوانه وزوجته وأولاده، ونتج عنه القيام بالطاعة فكان الرجل يصلي بأهل بيته لينال أجر الجماعة، ونتج عنه أيضا مساعدة الرجل لأهل بيته، فمما انتشر كثيرا دخول الرجال للمطابخ وصنعهم للطعام وإدخال السرور على زوجاتهم، والدرس المستفاد من هذه النقطة: استمرارية هذه العلاقة الحسنة بعد الأزمة ولو بصورة مصغرة، وفي المقابل ارتفعت نسبة المشكلات الزوجية في البيوت غير المستقرة، لأن كلا الطرفين كان يتغافل وقت الرخاء، لكن مع وقت الشدة وما فيه من دوام جلوس الزوجين مع بعضهما تفجرت المشكلات وظهرت العلاقة على حقيقتها، ومما يستفاد من ذلك: ضرورة إحسان العلاقة بين الزوجين أيام الرخاء حتى يتنعمان ببعضهما وقت الشدة بدلا من أن يكون وقتا للانتقام!

8-     من الدروس المستفادة: تذكر حال إخواننا المستضعفين -فرج الله عنهم- في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك أن الحجر الصحي الذي أُلزمنا به ذكرنا بإخواننا المحاصرين في أماكن عدة، وذكرنا بإخواننا الذين لا يملكون بيوتا أصلا ممن اعتدي على بيوتهم، وهذا يتذكره كل من مل الجلوس في البيت.

سؤال اللفتة: ما الأمور التي ستعتبر بها من هذه الدروس وتنقلها لحياتك؟

اللهم وفقنا للاعتبار بكل ما يمر بنا من أحداث..

لفتة (42) طبائع الحق

  [42] طبائع الحق الثلاثاء 5/10/1447هــ كل من يؤمن بالله واليوم الآخر يسعى إلى الحق، ويبذل جهده في إصابته، ويخشى من الوقوع في الباطل...