[2]
ثلاثون
وصية للحاج
الحج
مدرسة فيها ثلاثة فصول، الفصل الإيماني، والفصل الفقهي، والفصل التربوي، وعلى
الحاج أن يدرس فيها جميعا ليتخرج من مدرسة الحج، ونحن في هذا المقام في الفصل
التربوي، لنتناول جملة من الوصايا المهمة للحاج:
(1)
إخلاص النية لله
عز وجل، بأن يحج قاصدا وجه الله عز وجل، قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، ولا يقصد رياء ولا سمعة، فإن قصدها بطل حجه، قال القرافي
-رحمه الله- في الذخيرة في قوله تعالى: "{وأتموا الحج والعمرة لله} ولم يقل
في الصلاة وغيرها: لله، لأنهما مما يكثر الرياء فيهما جداً، ويدل على ذلك الاستقراء،
حتى إن كثيرًا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثًا في شيء من ذلك إلا ذكر ما اتفق له أو
لغيره في حجه، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما: لله، اعتناء بالإخلاص".
(2)
تفقهك في أحكام
الحج واجب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا
أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي هذِه)، ومن الخسارة أن تبذل جهدك
ومالك على حج مليء بالأخطاء، وأقترح عليك المنهجية الآتية:
منهجية فقه الحج
*حج
الأبدان:
- صفة الحج
وأحكامه:
1.كتاب
"ملخص فقه الحج والعمرة"، الدرر السنية
2. محاضرة
"صفة الحج وأحكامه"، للشيخ عبد المحسن الزامل
3. محاضرة "صفة حج النبي صلى الله
عليه وسلم"، للشيخ خالد الفليج
- تفسير آيات
الحج من سورة البقرة:
4. محاضرة
"وقفات مع آيات الحج"، للشيخ محمد الخضيري
*حج
القلوب:
- إيمانيات
الحج:
5. كتاب
"مقاصد الحج في القرآن الكريم"، للدكتور عادل الشدي
6. درس
"وقفات تدبرية مع آيات الحج"، للشيخ ناصر العمر
7. خطبة
"وماذا بعد الحج؟"، للدكتور أحمد الحصيني
- الحديث عن
سورة الحج:
8. محاضرة
"رحلة القلوب"، للشيخ عبد المحسن الأحمد
(3)
احرص على فهم
الأحكام ثم حفظها، فإنه لن يبقى معك عند الممارسة العملية إلا ما حفظت، أما القراءة
فتتبخر.
(4)
إذا كانت ستحج
معك امرأة فتعلم أحكام النساء وعلمّها، فإن كثيرا من النساء يجهلون الأحكام
الشرعية، وقد يظن الرجل أن قريبته تعرف كل شيء! ويتأكد هذا إذا كانت تحج للمرة
الأولى.
(5)
لا تعتمد على
الناس في معرفة الصواب، فكثير منهم إما أن يكون جاهلا بالحج أو مشغولا بنفسه، ولذا
لا تغتر برؤيتهم لك وعدم نصحك، ومن القضايا الرئيسية في الحياة عموما وفي الحج
خصوصا: ألا تعتمد على الناس لا في القول ولا في العمل، فلا تأخذ بما يتناقلونه من
الأقوال، ولا تقلدهم في الكسل والاشتغال بغير العبادة، لأن كثيرا منهم يغلب عليه
الجهل وضعف الإيمان.
(6)
اختر النفقة
الطيبة من المال الحلال، وهذا واجب على المسلم في كل أحواله، لكن لما كانا الحج
والعمرة يحتاجان إلى المال أكثر وجب على المسلم أن يختار النفقة الصالحة.
إِذا حَجَجتَ بِمــــــــــــالٍ
أَصلُهُ دَنِسٌ * فَما حَجَجتُ وَلَكِن حَجَّتِ العيرُ
لا يَقبَــــــــــــــــلُ اللَهُ كُلَّ طَيبَـــــــــــــــــــــــــــةٍ
* ما كُلّ مَن حَجَّ بَيتَ اللَهِ مَبــــــــرورُ
(7)
اختر الرفقة
الطيبة ليعينوك على الخير، قال الشاعر:
إِذَا
كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خَيَارَهُمْ * وَلَا تَصْحَبِ الأَرْدَى فَتَرْدَى
مَعَ الرَّدِي
عَنِ
المَرءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَـــنْ قَرِينِهِ * فَكُلّ قَرِيــــنٍ بالمُقَـــــــــــــــــــــــــــــارِنِ
يَقْتَــــــــدِي
(8)
تدرب على فن
الدعاء واحفظ جملة من الأدعية، فإن مواطنه كثيرة، وأعظمها ما يكون يوم عرفة،
واصطحب معك كتابا موثوقا في الأدعية، ككتاب "الدعاء من الكتاب والسنة"
للشيخ سعيد بن وهف، وكتاب "الجامع في أدعية الكتاب والسنة" للشيخ عبد اللطيف
التويجري، ومما أقترحه عليك: أن تتدرج في تربية نفسك على الدعاء من دقيقة وحتى نصف
ساعة، فهذا يسهل عليك اغتنام الأحوال الفاضلة.
(9)
ليكن لك جدول في
اغتنام وقتك، وأهداف واضحة في فعل الصالحات وترك المنكرات، فالوقت فاضل ومحدود،
وسترى الكثير ممن هو مستعد لتضييع كل أوقاته -والله المستعان-.
(10)
وازن قضية النوم
والأكل وقضاء الحاجة، فهي أساسات قيام الجسد -بعد الاستعانة بالله- فيما أردت من
العبادة، ففي النوم خذ قدرا كافيا قبل وبعد العبادة، وفي الأكل اعرف ما يناسبك من
الأكل ولا تكثر، ولا تتأخر عن قضاء الحاجة حتى لا تتضرر، مع التنبيه إلى وجود زحام
على دورات المياه خاصة بعد الأذان لكل صلاة، ولذا اذهب للوضوء قبل الصلاة بثلث
ساعة، واختر الحمامات الخلفية التي يقل وصول الناس إليها.
(11)
أكثر من ذكر
الله تعالى فهو من مقاصد الحج، وتذكر أن الأوقات الضائعة في التنقلات والانتظار
كثيرة.
(12)
احرص على أمر
الصلاة وتعظيمها، فالانشغال في الحج كبير وقل ما تجد من يوقظك، ومما يعينك على
المحافظة والتبكير أن تتفق مع جارك على التواصي بأمر الصلاة.
(13)
لا تنسى التلبية
والإكثار منها ثنايا أيام الحج حتى رمي جمرة العقبة.
(14)
خذ إحرامين
لتلبس الأول في الميقات، والثاني يوم عرفة فتقف بين يدي الله بلباس نظيف، واحتط
بثالث مع حزامين وحذائين، فأنت لا تدري ما يعرض لك.
(15)
اسأل القائمين
على الحملة كثيرا عن التفاصيل، فهم يبذلون جهدهم في البيان لكنهم لا يستطيعون أن يخبروا
كل الحجاج بكل المعلومات، كما أن بعضهم يجيب الحجاج بلا علم! فاسأل حتى تصل
للصواب.
(16)
اعرف مكان
الحملة في منى، وعرفة، ومزدلفة، واحفظ ثلاثة من أرقام المشرفين، حتى إذا حصل لك أي
ظرف تستطيع الوصول للمخيم، وتستطيع التواصل مع المشرفين.
(17)
تأكد قبل أن
تنكر على أحد من إخوانك، فقد تكون مسألة خلافية وهو يتّبع قولا غير الذي تعرف.
(18)
مما أقترحه عليك
يوم عرفة:
·
أن تسبقه بتعبد
يوم التروية فهو كالمدخل له.
·
أن تجهز بعض
المقاطع القصيرة المؤثرة وتسمعها يوم التروية، ثم تكرر سماعها يوم عرفة إذا فترت،
ومن أجمل المقاطع: مقطع "من ثمرات يوم عرفة" للشيخ عبد الله الشهراني
-رحمه الله-.
·
اغتسل قبل
الذهاب إلى عرفة والبس إحراما جديدا، وتوضأ قبل وقوفك للدعاء.
·
انشغل بنفسك
واترك الأحاديث الجانبية إلا لشيء من استعادة النشاط.
·
ادع على أجزاء حتى
يسهل عليك الدعاء، واجعل الراحة في الذكر والتلبية والتهليل.
·
ادع بكل ما في
نفسك حتى ينتهي، لأنها احتياجاتك وأنت فيها حاضر القلب، ثم ادع بما في الكتب، فإن
فيها أدعية واسعة عظيمة لا تبلغها أدعيتك.
·
نوّع بين الدعاء
واقفا وجالسا، وبين الدعاء الخاص والدعاء من كتاب، والدعاء بتلحين وغير تلحين.
·
إذا دفعت من
عرفة إلى مزدلفة فأكثر من التلبية، واحرص على النوم المبكر، لأن أعمال يوم النحر
كثيرة.
(19)
الحج مدرسة
الصبر، وإذا لم تترب فيه على الصبر فمتى؟!! ففي الحج تظهر أخلاقك الحقيقية
خاصة مع التعب، ومن صور الصبر:
·
الصبر على لباس
الإحرام.
·
الصبر على أداء
العبادات.
·
الصبر على ترك
المنكرات.
·
الصبر على قلة
الراحة في النوم.
·
الصبر على
الزحام.
·
الصبر على ترك
الرفاهية.
·
الصبر على
المشي.
·
الصبر على التعامل
مع الناس.
(20)
اصطحب في
تنقلاتك علبتين من الماء البارد مع سماعة الجوال، وذلك لأن المشي كثير، وأنت بحاجة
إلى غذاء الجسد وغذاء الروح.
(21)
احذر أمورا:
·
أولها:
التدافع والإيذاء، فالزحام في الحج كثير، وبعض من لا يفقه الحج يؤذي إخوانه بدفعهم
بقوة، أو التقدم عليهم عنوة، أو عدم فسح الطريق للنساء والضعفه.
·
وثانيها:
التشكي، فبعضهم إذا تحدث مع أحد بدأ يشتكي من الحج، وزحمته، وصعوبته، وما فيه، ويُخشى
عليه ذهاب أجره بالتذمر والغيبة.
·
وثالثها:
العجلة، وإذا دخلت على الحاج أفسدت حجه أو أنقصته، فيستعجل في التحلل قبل الحلق،
ويستعجل في رمي الجمار، ويستعجل في الصلاة، ويكون مهتما بالانتهاء ولو على غير
إتقان!
·
ورابعها:
الفتيا بغير علم، فمن المظاهر التي تتكرر: أن تجد كثيرا من الناس يسألك وهو لا
يعرفك، حتى ولو لم يكن عندك علم، فاحذر أن تفتيه وتقول على الله بلا علم، بل وجهه
لأهل العلم والفتيا.
·
وخامسها:
الدخول في المشكلات، سواء مع أهلك أو أصحابك أو غيرهم، فإنها تذهب خشوع العبادة.
(22)
خذ مصحفك الخاص
فقد لا تتوفر مصاحف كافية، وتذكر أنك في أيام فاضلة، وليكن من أهدافك ختم القرآن
كاملا في أيام الحج.
(23)
إذا كانت حيضة
قريبتك قريبة فلتستشر الطبيبة في تناول حبوب تؤخر الحيض حتى تُتم حجها دون انقطاع.
(24)
مما يزيد
انتفاعك بالحج أن تدون كل ما يتعلق بالحج في مفكرة خاصة من خواطر، وتأملات،
ومعلومات.
(25)
تعرف لك على شخص
أو شخصين من أجود من رأيت فقد ينفعك الله بصحبتهم، وهي من منافع الحج الباقية.
(26)
تشتاق النفس
كثيرا للحديث مع الآخرين، ومن تربية النفس أن تأذن لها بذلك في حالين:
·
الأولى: إذا
أنهيت أورادك العبادية.
·
والثانية: إذا
كنت متعبا.
(27)
رفقا بالقوارير كما
أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم، فالمرأة ضعيفة وتحتاج إلى رفق بها في انتظارها،
والتأني في المشي معها، وتذكيرها ما نسيت، وتعليمها ما جهلت، وإذا كان الحج جهاد
على المرأة فلم تزيد المشقة عليها؟
(28)
إذا كنت تعرف المشاعر
فالذهاب إليها وحدك أحيانا يكون مفيدا من ناحيتين:
·
الأولى: أن تطبق
السنة إذا لم تطبقها الحملة.
·
والثانية: أن
تجد وقتا للحديث مع أهلك فإنه عبادة ولذة.
(29)
وقت الظهر حال
الغداء من الأوقات المناسبة للاغتسال وغسيل الملابس وكيها، وهكذا قدّم وأخّر حتى
تنجز أعمالك بيسر وسهولة.
(30)
ستجد من إخوانك
من يضيّع وقته بكثرة الأحاديث، أو يقع في بعض الأخطاء، فلا تبخل عليه بنصيحة
لطيفة.
(31)
يسرق في الحج من
لا يخاف الله ويعظمه، ومما يعينك على السلامة منهم: أن تدعو الله بحفظ مالك، وتشتري
حزاما جيدا لوضع أغراضك فيه، وإذا كنت في زحام فتضع يدك على جيبك، كما أنك تحمل
مالك معك ولا تضعه في الغرفة أو الشنطة.
(32)
إذا أردت أن
يسهل عليك الحج فاستعد له رياضيا بالمشي ساعة يوميا لمدة شهر قبل الحج.
(33)
إذا كنت داعية
فاجعل وقتا لنفسك وآخر للناس، حتى لا تكون كالشمعة تحرق نفسها من أجل الآخرين، ومما
يعينك على هذا أن تجتهد في أن يكون لك مكان للنوم والخلوة لا يعرفه كثير ممن معك.
(34)
اجلس لمحاسبة
نفسك باستمرار والتأمل فيما خرجت به من الحج؟ وما الذي سيغير فيك بعده؟!
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في العاشرة صباحا من يوم الثلاثاء
الثالث والعشرين من ذي الحجة لعام أربع وأربعين بعد الأربع مائة
والألف