نافذة الاستشارات (38) | كيف أتخلص من سماع الغناء؟
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم.. أدمنت سماع الغناء، ولا أستطيع أن أعيش يوما دون أن أسمعه وبكثرة، وقد حاولت تركه لكني نفسي متعلقة به فما الذي يعينني على تركه؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:
فإن الله قد قدر أن للنفوس شهوات، ومن تلك الشهوات شهوة السماع، والمرء بحاجة أن يعلم أنه مبتلى بتلك الشهوات، فإن نجح في الابتلاء سلم من النار، وإن فشل سقط في النار -والعياذ بالله-، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ)، إذا أدركت هذا فإنك ستبذل جهدك في ترك الغناء، ويعينك على الترك أمور:
- أولا: كن موقنا بخطر الغناء عليك وآثاره السيئة، والتي منها:
1- أن من تعود سماع الغناء نفر عن سماع القرآن، وصار هذا البلاء مانعا له من تلاوة القرآن وتدبره والتنعم بحلاوته، وقريب من ذلك الإكثار والتوسع في سماع القصائد والأناشيد وإن خلت من المحاذير، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القلب إذا تعود سماع القصائد والأبيات والتذ بها حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات، فيستغني بسماع الشيطان عن سماع الرحمن"، وقال أيضًا: "إن السُّكْر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السُّكْر بالأشربة، فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن، وفهم معانيه واتباعه"، وقال: "مَنْ أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتَّى رُبَّما كرهه".
2- أنه ينبت في قلبك شعب النفاق، كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: (الغناء ينبت النفاق في القلب)، وذلك أن القلب يصبح مظلما لا بصيرة له، فلا يميز بين الحق والباطل بل يكره الحق ويفرح بالباطل.
3- أنه يوقع صاحبه في الهم والغم، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)، وكثير ممن ترك الغناء شعر براحة بال وأنس وطمأنينة.
4- سماعك الغناء يبعدك عن حضور مجالس الإيمان وحلق الذكر، وينفرك عن صحبة الصالحين، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ).
5- إدمانك الغناء يزين لك الفواحش، ويغريك بالشهوة المحرمة، ويحرك مشاعرك نحو الهيام والعشق والفجور، كان يزيد بن معاوية يقول: "يا بني أمية، إياكم والغناء؛ فإنه يُنقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فالغناء ينقص من العبد الحياء، والغيرة على الدين"، وقال الفضيل بن عياض: "الغناء رقية الزنا"، وأحوال المغنين وفضائحهم لا تخفى على أحد.
6- أنه يقسي القلب، وإذا قسا قلبك تباعدت عن فعل الطاعات ووقعت في المنكرات، وهو صارف عن الهمة العالية، فالمستمع له يقضي في ذلك الأوقات الكثيرة التي كان يمكن أن يصرفها في نفع نفسه وإصلاحها.
7- الاستماع إلى المعازف والغناء يوقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأُمَّة، عندما قال: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ).
8- الاستماع إلى المعازف والغناء سبب لسخط الله جل في علاه وغضبه، والتعرض للعقوبة العاجلة قبل الآجلة في الآخرة، روى البزار في مسنده، وصحَّحه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، وصوتُ ويلٍ عند مصيبة)، وفى الحديث الصحيح: (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ، وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ).
9- الاستماع إلى المعازف والغناء سبب من أسباب تسلط الشياطين؛ لأنه مزمار الشيطان، ويطرد ملائكة الرحمن، قال الله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}.
- ثانيا: بداية الحل يكون بكثرة دعاء الله تبارك وتعالى والالتجاء إليه، قال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنْ الدُّعَاءِ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)، فهذه النصوص وغيرها تحفزك على الدعاء وتخبرك أن الدواء فيه لكن ادع بيقين، واسأله سبحانه أن يبغض إليك الغناء ويحبب إليك القرآن والذكر.
- ثالثا: عرفت بأن الغناء والقرآن ضدان لا يجتمعان، وعليه أكثر من سماع القرآن واصبر على ذلك، فإنك قد تجد الأمر صعبا في أوله، لكن الصعوبة طبيعية لمن ينتقل من الضد إلى الضد.
- رابعا: الغناء محرم ولا شك في تحريمه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} قال ابن مسعود -رضي الله عنه أعلم الأُمَّة بالقرآن-: "والله الذي لا إله إلا هو، إن ذلك هو الغناء"، يُردِّدها ثلاث مرات، وقول الصحابي وتفسيره للقرآن حُجَّة؛ لأن الصحابة هم أعلم الأمة بالقرآن لفظًا ومعنًى، وتفسيرهم هو المرتبة الثالثة من مراتب تفسير القرآن الكريم، وقال رجل لابن عباس -رضي الله عنهما-: ما تقول في الغناء، أحلالٌ هو أم حرامٌ؟ فقال له: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك"، واعتبر بتجارب من سبقك، ومنهم ابن عقيل الظاهري، فقد ادعى حل الغناء وبعد مدة اعترف بالحقيقة قائلا: (تكفيرًا لما سوَّدتُه من أوراق خاسئة: أُشهد الله، وملائكته، وحملة عرشه الكرام، وجميع خلقه -من غير جدال في تصحيح حديث وتضعيف آخر، بل الأمر تجربة نفسية-: أن الغناء مهما كابر المكابرون يُقسِّي القلب، ويُعين على هجر القرآن الكريم وحديث رسول الله وسير الصالحين).
- خامسا: من الضروري أن يقرأ المرء في المعصية التي أسرته، حتى يزداد بصيرة بخطرها ويعرف كيف يتخلص منها، وممن تحدث عن الغناء ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، في الجزء الأول من صــ400 وحتى صــ472 طبعة عطاءات العلم، اقرأها بتمعن ولخصها.
- سادسا: إذا ابتليت بهذا الذنب فلا تزد الآثام على نفسك بتوسيع دائرته بل اجعله قاصرا عليك، فإن سماع الغناء معصية، والمجاهرة بذلك معصية ثانية، والدعوة لسماعه معصية ثالثة، وإباحته معصية رابعة، والاستهزاء بمن يحرمه معصية خامسة، قال سبحانه: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}، قال ابن سعدي: "{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} أي: أثقال ذنوبهم التي عملوها {وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع لكل من التابع، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع لأنه تسبب في فعله ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي أجره بالتسبب. {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من الشر وتزيينه، وقولهم {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ}".
- سابعا: التوبة إلى الله تعالى بشروطها، ومنها الإقلاع عن الذنب، بمعنى: لا بد أن تتخلص الآن الآن من أي نوع غناء أو موسيقى في الهاتف، وذلك بمسحها، وحذفها بالمرة ومسح حسابات الغناء والمغنين.
- ثامنا: مجاهدة نفسك على الترك والتوبة كلما سقطت، فإنك لن تصل إلا بالمجاهدة، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، وإذا أخطأت وسمعت فتب إلى الله مباشرة وافعل شيئا من الصالحات، وكرر توبتك وفعل الصالحات مهما وقعت في الذنب ولا تيأس.
- تاسعا: المداومة على الذكر سائر الأحوال فإن ذلك يبعد الشيطان عنك ويشرح صدرك للخير.
- عاشرا: مدارسة أحوال السلف والتأمل في عبادتهم واستعدادهم للآخرة، فإن هذه السير تخبرك بحقيقة الدارين، وكيفية العيش الصحيح.
- الحادي عشر: إن احتجت إلى بديل فاستمع إلى الأناشيد القديمة لا الأناشيد الحديثة، وليكن ذلك باعتدال، فسماع الأناشيد الحديثة أو ما يسمى بالشيلات يزيدك بقاء في المعصية ولا يخرجك منها، لأن كثيرا من هذه التي يسمونها أناشيد أو شيلات هي أغاني في حقيقتها.
- الثاني عشر: تذكر باستمرار أن السمع نعمة، قد منّ الله به عليك وحرم منه غيرك، فكيف تستعمله في معصية الله؟! وكيف تفعل إذا سألك الله عنه يوم القيامة؟ {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
- الثالث عشر: أختم بنقطة في غاية الأهمية قلما ينتبه لها شباب المسلمين أو لا يبصرونها بوضوح، وهي أن زماننا ليس زمان دعة ورفاهية للمسلم، فالأمة اليوم تعاني ما تعاني من ضعف وقتل وتشريد واستيلاء على دينها وأراضيها، فلا يليق بالشاب المسلم أن يكون منشغلا بسماع الغناء الذي يقوده إلى الرذيلة ولا بد، فلا يوجد مستنقع معصية أو رذيلة أو فساد في الأرض إلا رافقته الأغاني والموسيقى، وبهذا يخسر نفسه وتخسره أمته!
والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق