[59]
مفهوم البناء
الجمعة 1440/10/18
لكل صنعة أسرار، إذا عرفها صاحبها وتمكن منها كان عظيم الصنعة، كبير الأثر، ومن ذلك: العلم فإنه صنعة شريفة، لها قواعد وأسرار وفنون، وأحد الأسباب التي تجعل التعليم مؤثرا: أن يكون المعلم عارفا بصنعة التعليم، وفي هذه المقال سأشير إلى مفهوم واحد من مفاهيم الصنعة وهو مفهوم البناء، والمقصود به: أن العلم عبارة عن بناء معنوي، يقيمه المعلمون في عقول المتعلمين، ويتعاهدونه حتى ينضج، ثم يستلم الطالب وأهله مسؤولية البناء إن شاءوا أكملوه أو تركوه.
هذه هي النظرة التي ينبغي أن تكون حاضرة عند المعلم والمتعلم، فالعلم ليس معلومات متناثرة بل منظومة متكاملة مترابطة، تضبط أصولها ثم فروعها، والمعلم الواعي يكون أول همومه معرفة مستويات طلابه العلمية، أو بمعنى آخر: معرفة حال أبنيتهم العلمية، وبناء على النتائج التي ستخرج له يحدد المهام التي سيقوم بها، فكل معلم يبدأ من حيث انتهى الذي قبله، وقد يجد أن هناك معلما أو أكثر لم ينفعوا الطالب ولم يسهموا في إكمال بنائه؛ وذلك لأنهم مقصرون في أداء الأمانة، أو يجهلون صنعة التعليم، وحينها يحتاج المعلم أن يرمم هذه الفجوة، لأنه لن يتمكن من شرح المقرر الذي بين يديه لعدم إتقان الطالب للمقرر السابق! كمن يشرح نواقض ونواقص الإيمان لطلاب لا يعرفون مفهوم الإيمان وأقسامه!
والطلاب يختلفون في أمور كثيرة، منها: القدرة على التلقي، ويوضح هذه المسألة حديث النبي ﷺ: (إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا. وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)، وكذلك يختلفون في حرصهم على البناء العلمي، وفي مقدار ما حصلوه وما يحتاجونه، وكذلك يختلفون في الأهداف التي يسعون إليها، وكل هذا يدركه المعلم ويراعيه.
البناء العلمي هو المعيار الحقيقي الذي نقوّم به طلابنا ونحكم من خلاله على مستوياتهم، وليس معيار كثرة الدرجات، أو عدد الشهادات أو غير ذلك من المعايير الظاهرية، ولما غاب هذا الأمر أصبحت المظاهر تخالف المخابر، فيأتي الطالب بشهادة فيها علامات كاملة لكنه لا يتقن المعلومات والمهارات الأساسية!
هناك قاعدة يجدر الإشارة إليها وهي: "أن الانقطاع عن البناء المعنوي يهده بخلاف البناء الحسي"، فلو بنيت طابقين مثلا وتركتها خمس سنوات وعدت إليها لوجدتها كما تركتها، أما البناء المعنوي مثل: الإيمان، والعلم، والتربية، والوعي، وغيرها، فإن التوقف والانقطاع يهد ذلك البناء ويعيده إلى الصفر أو شبه الصفر، وهذا الذي يفسر لك ضعف الطلاب بعد الإجازات رغم أنهم كانوا من المتفوقين قبلها، فالمعلم يتعب عاما كاملا ثم يوصي أسرة الطالب إذا كان صغيرا، أو الطالب إذا كان كبيرا بالمحافظة على هذا البناء على الأقل إذا لم يكن هناك زيادة عليه، ولكن للأسف يقع التفريط فيذهب البناء!
سؤال اللفتة: كيف ستعمل بمفهوم البناء مع طلابك وأولادك؟
اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق