[58]
فن الحديث مع المرأة
الثلاثاء 1447/12/9
كثير من الرجال قد حرم نفسه من متعة الجلوس في البيت وإيناس أهله والأنس بهم، ومن أسباب ذلك: عدم قدرته على التعامل مع زوجته وأولاده، وفي هذا المقال سأتحدث عن مهارة الحديث مع المرأة، وذلك لأن الحديث معها يحتاج إلى تعلم كما تتعلم أي شيء آخر في حياتك.
المرأة تحب في السوالف أمران: الاستماع لها، ومحادثتها، فهي تحب أن يجمع زوجها بين الاستماع لها ولكلامها، وتحب أيضا أن يحدثها ويتكلم بما يناسبها، وتفصيل ذلك كما يلي:
· أولا: الاستماع لها:
فالمرأة تتفوق على الرجل في كثرة حديثها، وهي تحب أن تعبر عما بداخلها وما يمر بها، ولذا تحتاج من زوجها أن يستمع لها كل يوم، وتريد في هذا الاستماع أمران:
الأول: أن يستمع حتى تنهي حديثها.
والثاني: أن يتفاعل معها بإيجابية.
وقدوتنا في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد دخل على عائشة ذات ليلة لينام فوجدها تريد أن تحدثه بقصة جملة من النساء اجتمعن ليتحدثن عن أزواجهن، فاستمع لكامل حديثها، ولم يعتذر بالهموم التي كان منشغلا بها ذلك اليوم، أو الأعمال التي تنتظره في الغد، وكيف سيكون الحال لو كان الموقف مع أحدنا؟! ثم علق على قصتها الطويلة قائلا: (كُنتُ لَكِ كَأبي زَرعٍ لأُمِّ زَرعٍ)، فجمع عليه الصلاة والسلام بين الاستماع لها وبين التفاعل معها بإيجابية، وهذا الحديث اسمه حديث أم زرع، وهو من الأحاديث التي يحتاج كل زوج أن يدرسه ليعرف ما تحب المرأة وما تكره من الرجل.
وتأمل هذا الحديث أيضا: (كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُعتَكِفًا فأتَيتُه أزورُه لَيلًا، فحَدَّثتُه ثُمَّ قُمتُ فانقَلَبتُ، فقامَ مَعي ليَقلِبَني)، هذه صفية جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في العشر الأواخر، فالوقت وقت شريف، والمكان مكان شريف، ومع ذلك استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم وحادثها، ولم يعتذر ويؤجل الحديث إلى ما بعد رمضان، وذلك لإدراكه عليه الصلاة والسلام حاجة المرأة إلى هذا الحديث وأنسها به.
في المقابل تجد ثلاثة أصناف من الرجال غير موفقين في هذه القضية:
- فهو إما أن يرفض السماع لها بتاتا، بحجة أن كلامها تافه وليس فيه ما ينفع، ويتأكد هذا عند المثقفين وطلاب العلم، لأنهم قد تعودوا على الأحاديث العالية، وتجدهم يخسرون زوجاتهم إن لم يتنبهوا.
- وإما أن يستمع لها لكن يقطع حديثها في وسطه فيتكدر خاطرها.
- أو يكدر خاطرها بتعليق يسيء إليها وإلى من تتحدث عنه، والمرأة تحب أن يكون في التعليق ثناء عليها.
· ثانيا: محادثتهـــــــــــــــا:
فكما أن المرأة تحب أن يسمع لها زوجها، فهي تحب كذلك أن يحدثها، لكنها تريد في حديثه أمران:
الأول: أن يكون غير جاد.
والثاني: أن يكون طويلا.
فالمرأة عاطفتها أوفر من عقلها، ولذا لا تحب الجد كثيرا، فتحب منك أن تحدثها عن مواقفك اليومية، وما مر بك من قصص، كما تحب أن تمازحها، وتغازلها، ولو أردت أن تعلق بتعليق جاد فيكون قصيرا ولا يستهلك الوقت ويخرج الحديث من متعة إلى محاضرة! كما أنها تحب منك طول الحديث، لأنها من علامات محبتها عندك، فالمحب يحب الحديث مع حبيبه.
وقدوتنا في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإن عائشة -رضي الله عنها- قد سألته أسئلة كثيرة، حتى إن أسئلتها جمعت في رسالة ماجستير، وكان يجيبها ويحاورها عليه الصلاة والسلام.
في المقابل تجد ثلاثة أصناف من الرجال غير موفقين في هذه القضية:
- إما أن يرفض الحديث معها، فهو يتحدث مع كل الناس إلا زوجته.
- وإما أن يحدثها لكن بالأمور الجادة التي لا تفهمها أو لا تحبها.
- وإما أن يتحدث فيما تريد لكن يكون حديثا قصيرا لا يشبع نهمتها.
· وما النتيجة؟
يتساءل عادة الرجال بعد هذا اللون من الأحاديث قائلا: وما الفائدة من هذا الفعل الذي أقدمه وأتعب فيه؟ فالجواب:
1. إسعاد نفسك، لأننا قدمنا أن الحديث مع الأهل من المتع التي حرمها كثير من الرجال، ومن لم يتذوقها يتساءل عن الفائدة، ويرى أن الحديث متعب!
2. تذوق السكن الوارد في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
3. الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ونيل الأجر والثواب.
4. إسعاد زوجتك ونيل الأجر في ذلك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضلُ الأعمالِ أن تُدخِلَ على أخيك المؤمنِ سرورًا، أو تقضى عنه دَيْنًا، أو تطعمَه خبزًا)، وأنت قادر مع زوجتك على الثلاث!
5. التمكن من التوجيه، فكثير من الرجال لا يمتلك هذا الفن مع امرأته، ثم يشتكي من عدم استجابة امرأته له، وتذمرها من عتابه وتوجيهه، ولو أن غالب أحاديثه معها كانت للمتعة، لاستجابت لتوجيهه وعتابه.
سؤال اللفتة: هل أمسكت يا صاحبي بزمام هذه الفن؟
اللهم اجعل زوجاتنا قرة عين لنا، واجعلنا قرة عين لهن..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق