نافذة الاستشارات (23) | الحسرة على بيت العمر
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا على مشارف الخمسين من عمري وأعاني حالة نفسية أليمة، بل أشعر أنني فقدت طعم الحياة، فقد كان هدفي هو بناء منزل لأسرتي، وكان هذا هو الشغف الذي يجعلني نشيطا في عملي وبيتي وحياتي، وقد وعدني والدي بأن يعطيني أرضا لأبني عليها أنا وبقية إخواني، لكن وقع خلاف عائلي شديد، ولا تزال المشكلة قائمة ولم توزع الأراضي، وأنا جمعت مال البناء واستعديت له غاية الاستعداد ثم جاءتني صدمة بالخلاف العائلي الذي لم أتوقعه، وأحبطت إحباطا شديدا، وزاد إحباطي من غلاء الأسعار وكثرة متطلبات أولادي، لا سيما مع كبرهم، وقد مرض أحدهم بمرض شديد السنوات الأخيرة كلفني آلاف الريالات، وهذا يجعل الراتب ينتهي تماما مع نهاية الشهر، بل أتسلف أحيانا، فلم أصل إلى بيت العمر، ولم يبق لي مالي، ولذا أصبحت فاقدا لطعم الحياة، وأجر خطواتي جرا للصلاة والعمل، ولم أعد أبالي بأي شيء من مسؤوليات البيت والعمل، ويؤذيني أي أحد يسألني عن بيت العمر، لا سيما مع تقدم سني وطول مكثي في وظيفتي، بل أسهر أحيانا الليل ويذهب عني النوم إذا سألني أحدهم هذا السؤال، فهل لحالتي من علاج؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:
مشكلتك سهلة -بإذن الله- لكنك بحاجة أن تفهم علاجها بطريقة مركبة، ويساعدك على هذا أن تكرر جوابي على استشارتك وتحفظه:
- أولا: من الخير للإنسان أن يكون له هدف في حياته، لكن من الخطأ أن يظن أن الحياة سالمة من العوائق والمشكلات، ومن ظن هذا فلا بد أن يصاب بالألم والفتور، فمن طبيعة الحياة وجود المشكلات والعوائق، والخلاف العائلي الذي وقع أمر طبيعي وغير مستغرب.
- ثانيا: لم تحقق هدفك الذي رمت وهو بناء البيت لكنك نجحت، لأنك بذلت كل الأسباب الممكنة للوصول إليه، وبذل الأسباب نجاح، وإذا لم تُقدّر ذلك أخطأت في حق نفسك خطأً كبيرا.
- ثالثا: من أهم ما يسعدك حفظ هذا الحديث وكثرة تكراره وتأمله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم)، فأنت رجل أنعم الله عليك بنعم كثيرة، أنعم عليك بالزوجة، والأولاد، والوظيفة، والبيت، والسيارة، وتعيش مع أسرتك في سعادة، تقضي حوائجهم، وتداوي مريضهم، وتشبع جائعهم، حتى ولو لم يبق من راتبك شيئا، وحتى ولو تدينت أحيانا فإنك تستطيع سداد هذا الدين من الشهر التالي وهكذا، لكن ماذا تقول عمن فقد نعمة البيت؟ ونعمة المال؟ ونعمة الزوجة؟ ونعمة الأولاد؟ ألا يتمنون ما أنت فيه؟ ألا تعتبر غنيا من أغنياء الدنيا؟
- رابعا: لا تظن أن مشكلة عدم امتلاك بيت خاص هي مشكلتك من دون الناس! بل يشترك معك فيها ملايين البشر، ولذا هوّن على نفسك، ولا تعط المشكلة أكبر من حجمها.
- خامسا: تذكر أن غلاء الأسعار بلاء شديد أنزله الله علينا بسبب ذنوبنا، وبسببه اختلفت كثير من الأمور، والتي من آثارها: عدم بقاء شيء من الراتب للادخار، واستحالة بناء البيت بل الشراء أحيانا!
- سادسا: اعلم أن الدنيا حقيرة وينبغي ألا يُعظّمها الإنسان ويحمل همها أكثر من الآخرة، فليس بيننا وبين مفارقتها إلا خروج الروح، ولا يظن المرء أنه مُعمّر فيها، ومما يعينك على هذا الأمر مع صعوبته القراءة الكثيرة في نصوص تحقير الدنيا وتعظيم الآخرة الواردة في الكتاب والسنة، ومن استقر هذا الأمر في نفسه احتقر ألمه وحزنه على مثل هذه القضية.
- سابعا: هناك أفكار كثيرة تولد الشغف في حياتك، وكلها تقوم على وجود أهداف جديدة ممكنة، ومن أهمها التميز الوظيفي، فهذه الوظيفة التي أنت فيها أشرف الوظائف، ويمكنك أن تحولها إلى عبادة، وطريق للآخرة، فالساعات التي تقضيها في عملك يمكنك أن تنظر لها على أنها مجرد مصدر رزق، ولذا ستبذل لها الحد الأدنى، ويمكن أن تنظر لها كعبادة ترجو ثوابها عند الله وحينها ستدخل إليها بكل شغفك.
- ثامنا: من الأمور الهامة أن تبني أولادك بدلا من أن تبني لهم، فالاستثمار فيهم أعظم من الاستثمار لهم، لأنك إن استثمرت فيهم استثمروا لأنفسهم، ومن خلال هذا الاستثمار ستحقق الولد الصالح الذي يدعو لك.
- تاسعا: يظهر أنك شخصية عاطفية، والشخصية العاطفية تعاني كثيرا من الحساسية، ولذا فأنت من السؤال عن البناء ربما مكثت الليل لا تنام من الهم، وتركت أعمال اليوم التالي، وهذا خطأ كبير، ويدل على أنك لم تعالج هذه المشكلة من صغرك، وأنا أقدر صعوبة المعالجة الآن فأنت بقيت على هذا السلوك الخاطئ حتى هذا العمر، لكن معالجته اليوم أسهل من الصبر عليه حتى الموت.
- عاشرا: هل أدلك على أعمال تكسبك بيتا في الجنة؟
o قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلَّى في اليومِ واللَّيلةِ، ثنتي عشرةَ رَكعةً بنيَ لَهُ بيتٌ في الجنَّةِ).
o قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيمٌ ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترَك المِراء وإن كان مُحقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلُقه).
o قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن بنى مسجدًا لله كمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنَّة).
أكرر ما بدأت به من ضرورة حفظ هذه النقاط، والتفكير الدائم بها مركبة، وتكرار التفكير فيها حتى ترسخ، وستجدها علاجا لك بإذن الله، والله أعلم وأحكم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق