السبت، 23 مايو 2026

لفتة (56) من مواقف مشايخي 2/1

[56]

من مواقف مشايخي 2/1

السبت 1442/11/30

ينفع الشيخ طلابه بما يلقي عليهم من معلومات، وبما يربيهم به من مواقف، وكثيرا ما تكون تلك المواقف حبيسة صدر الطالب، وإن اجتهد حدّث بها أقرانه، لكني أردت في هذا المقال أن أكتب عشرة مواقف رأيتها من مشايخي الفضلاء، اعترافا بفضلهم، وتسطيرا لخيرهم، وبرا بهم ووفاء.

مذكرة المنهجية

درسني الشيخ عبد الله بن محمد الشهراني -رحمه الله- في كلية الشريعة عام 1433، وكنت أسأله عن منهجية الطلب، وكيفية السير في طريق العلم، وقد أخبرته ذات مرة أني جمعت مجموعة من المحاضرات في مداخل العلوم ومنهجية الطلب وقررت أن ألخصها في مذكرة واحدة، فقال لي: "إذا أنجزتها أريد نسخة منها"، فقلت له: "أبشر"، ولما انتهيت منها ذهبت إليه بنسخة منها، فلما أخذها قال لي: "لقد خدمتني بهذه المذكرة، لا أدري كيف أشكرك؟!" فوقفت مندهشا لا أدري ماذا أرد على الشيخ، فهذه المعلومات التي جمعتها يعرفها الشيخ قبل أن أولد لكن من تواضعه يطلب نسخة، ويشكرني عليها!

سر الخشوع

كنت أصلي أحيانا مع الشيخ أحمد الحواش -رحمه الله- في جامعه عام 1433هــ، وكنت أتعجب من صلاته وخشوعه، وأتمنى لو سألته عن ذلك، وقد حاولت مرارا لكني لم أستطع، فالشيخ يدخل أحيانا إلى غرفته ويغلق على نفسه، وأحيانا يطيل الجلوس للذكر جدا ولا يقبل بأن يقاطعه أحد، وقد كلمت أحد طلابه في ذلك، فقال لي: أنسب وقت لسؤال الشيخ بعد الإشراق، فغالب الناس يذهبون، والشيخ ينتهي من أوراده، ويعطي وقتا لمن أراد سؤاله، فجئت في اليوم التالي وانتظرت الشيخ حتى قام من جلسة الإشراق فسلمت عليه وقلت له: عندي سؤال جزاكم الله خيرا، فقال: تفضل؟ قلت: ما الطريق إلى الخشوع في الصلاة؟ فقال: تعظيم الله، ثم سكت، فاستغربت من صغر الجواب! وقد كنت أظن الشيخ سيطيل الحديث ويخبرني بأسرار لا أعرفها عن الخشوع، فقلت: هل هناك أسباب أخرى؟ فقال: تعظيم الله هو أهم سبب، ثم تحدث قليلا عنه، ولم يكن الشيخ متعبا أو مستعجلا بل كان مرتاحا حتى لا يظن القارئ أنني سألت الشيخ في وقت غير مناسب، فشكرت الشيخ ومضيت وأنا في غاية التعجب، لأن الجواب لم يكن كما توقعت، وظللت أتأمل كثيرا في جواب الشيخ وحاله، ثم أدركت أن هناك جملة من الناس ومنهم بعض العُبّاد، يكفيهم استقرار المعنى في نفوسهم من أجل أن ينطلقوا في العمل، وليس كل أحد يكون دافعه كثرة المعلومات التي يحملها! وأكد لي هذا المعنى أحد كبار السن الذي رأيته في العشر الآواخر يختم كل يومين ختمة، ولما سألته عن الدافع له على هذا الاجتهاد قال: هذا كلام الله هذا كلام الله وبكى!

يغض بصره في الطريق

حضرت عام 1434 برنامج مهمات العلم بالمدينة النبوية للشيخ صالح العصيمي، وحصل عندي فوت ولحقت بالشيخ بعد الدرس لأقرأ عليه ذلك الفوت، والحقيقة أنه لم يكن مقصودي الأساس القراءة عليه، لكني في تلك الخطوات اليسيرة التي مشيتها مع الشيخ من الحرم وحتى وصوله الفندق رأيت شيئا شدني، وهو أن الشيخ لم يقع نظره على امرأة قط منذ قام من الكرسي وحتى دخل الفندق، وكان يجعل نظره وسطا فلا هو الذي ينظر عند قدميه، ولا هو الذي ينظر أمامه، وإنما يكون مستوى نظره حول أرجل الناس، وبهذا يعرف الطريق دون أن يقع نظره على النساء.

حضر جميع المجالس نائما!

في عام 1434 حضرت الدورة العلمية العقدية بجامع الراجحي ببريدة، ومن الدروس التي كانت فيها درس للشيخ محمد القناص في شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم بعد الفجر، ولم أكن معتادا على حضور الدروس العلمية بعد الفجر، فحضرت المجلس الأول وجلست أمام الشيخ، وسمعته يفتتح الدرس، ثم نمت ولم أستيقظ إلا مع ختام الدرس، فاستحييت من نفسي وعزمت أن أعوض في اليوم التالي، لكني للأسف لم أستطع ومضيت على ذلك خمسة أيام تقريبا، حتى قال لي أحد زملائي: " إذا كنت ستنام على الأقل لا تجلس أمام الشيخ" فجلست في اليوم الأخير في آخر المسجد، ولما ختم الشيخ الكتاب لا أدري كيف أتتني فكرة السلام على الشيخ، لكني أردت تقدير الشيخ، وكنت متهيأً كامل التهيؤ لعتاب الشيخ لأني أستحقه، فذهبت للسلام عليه وشكرته، فتفاجأت من رده حيث رد السلام بحرارة ثم قال: "الله ينفع بك، الله ينفع بك، الله ينفع بك" اختلطت مشاعري بين خجل وحب واستغراب، فكيف أنام في درسه ويدعو لي بأن ينفع الله بي؟! لكنها أخلاق أهل العلم -جزاه الله كل خير-.

 

دعوة في مسجد صغير

كنت في عام 1435 إماما لمسجد صغير بجوار بيتي، ورغبت أن أستضيف شيخنا سعد بن سعيد الحجري لإلقاء محاضرة فيه، وكنت خائفا من عدم قبوله، لأن المسجد صغير يتسع لخمسة صفوف أو ستة، وغالبا تكون محاضرات الشيخ في الجوامع الكبيرة، فاتصلت بمنسق الشيخ وطلبته فقال: "سأشاور الشيخ"، ثم اتصل يبشرني بموافقته، وجاء الشيخ وألقى المحاضرة وامتلأ المسجد عن بكرة أبيه، وعلمت أن الشيخ لا يكاد يقول لا من كثرة استجابته للناس، واستفدت من ذلك أهمية بذل الداعية لجهده ووقته لنفع الناس.

كان الشيخ -وفقه الله- يلقي في السنة 300 درس ومحاضرة، وكان يستهدف طلبة العلم والعامة على حد سواء، ويقسم الأسبوع بينهما، وقد سألت أحد تلاميذه عن السر الذي كان يدفع الشيخ لهذا البذل العظيم، فذكر لي ستة أسباب:

1.    دعاء الله تبارك وتعالى.

2.    حرصه على العبادة، فالشيخ وإن كان كلامه قليلا إلا أن له أثرا على السامع، ولعله من أثر العبادة.

3.    رؤية الشيخ للأثر.

4.    تنظيم الوقت، فقد كان منظما مرتبا، فوقت للدعوة، ووقت للأسرة، ووقت للعلم وهكذا.

5.    اغتنام اللحظة الحاضرة، وقد قال أحدهم للشيخ مرة: لماذا تتعب نفسك بنشاط كبير وكثير؟ لو أنك ركزته وقللته، فقال: "أعمل بحديث "اغتنم خمسا قبل خمس" ولا أدري ما يعرض لي قابل الأيام".

6.    أن الشيخ كان عنده حصيلة كبيرة من إعداد المواد الدعوية، فالتحضير لم يكن عائقا له، وهذه نقطة مهمة فإن من أبرز ما يعيق طلاب العلم عن نفع الناس: عدم عنايتهم بالتحضير المستمر.

سؤال اللفتة: ماهي الدروس التربوية المستفادة من هذه المواقف؟

اللهم انفع بمشايخنا وأسعدهم في الدارين..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نافذة الاستشارات (45) | الحل الأمثل لملل الداعية من التكرار!

نافذة الاستشارات (45) | الحل الأمثل لملل الداعية من التكرار! السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، معلوم عندكم أن الداعية ملزم بتكر...