السبت، 23 مايو 2026

لفتة (57) من مواقف مشايخي 2/2

[57]

من مواقف مشايخي 2/2

السبت 1442/11/30

ذكرت في المقال السابق جملة من المواقف التي وقعت لي مع مشايخي، وهذا هو الجزء الثاني منها:

كفيف عرف أني لم أفهم!

في عام 1438 حضرت درسا للعلامة عبد الرحمن البراك -وفقه الله-، ولقد شدني في الشيخ شدة فقهه بالواقع رغم أنه كفيف، فهو يدرك الواقع أكثر من إدراك بعض المبصرين فسبحان من رزقه، وقد حصل لي معه موقف طريف، أردت أن أسأله وكتبت السؤال وبعثت به لقارئ الأسئلة لكنه لم يقرأه، فعزمت على سؤال الشيخ بنفسي فلحقته بعد الدرس ولم أستطع محادثته إلا لمّا ركب السيارة فسلمت عليه وقلت له: "عندي سؤالان يا شيخ"، فقال بكل لطف: "تفضل الأول" فسألته، لكن لجلالة الشيخ لم أضبط الجواب، لا سيما أنها أول مرة أقابل الشيخ، فقال لي: "لم تفهم الجواب صح" فقلت: "نعم" فأعاد الجواب بإيضاح أكثر، ثم قال: "فهمت؟" قلت: "نعم"، ثم أجاب عن السؤال الثاني، فتعجبت من إدراكه لعدم فهمي وهو كفيف -رفع الله قدره وأعلى منزلته-.

الحفظ باب العلم

اتصلت على الشيخ عمير بن ظافر الشهري عام 1439 وطلبت منه أن أقرأ عليه، فقال: "على شرط"، قلت: ما هو؟، قال: أن تحفظ المتون التي سأشرحها لك، فوافقت، فقال: "اعلم أن أمر الشرح يسير، لكن المهم أن تجد من يعينك على نفسك بدفعها إلى الحفظ فلا يشرح لك حتى تحفظ"، وقد صدق -وفقه الله-، فإن الطالب إذا وجد شيخا يلزمه بالحفظ حفظ، وإذا تساهل الشيخ في الحفظ فإن عمر الطالب يمضي وهو لم يحفظ!، وكان شيخنا يقرر جزءا يسيرا من المتن في كل مجلس نحفظه في البيت ثم نسمّع له قبل الشرح، وهو يسير بنا على ما سار به مشايخه والذين من أبرزهم ابن جبرين.

علم ابن عثيمين وطلابه محفوظ

زارنا الشيخ علي الشبل عام 1439 في الجنوب، وكانت له كلمة في أحد الجوامع، فقال: هل عندكم من يسجل الكلمة؟ فاتصل أحد الحضور بإمام المسجد وقال له: هل عندكم مركز إعلامي يسجل الكلمة؟ فقال الشيخ علي: "ما نبغى مركز إعلامي، أي واحد يسجل الكلمة بجواله" فأغلق المتصل الاتصال وقال: إن كان تقصد هذا فالأمر يسير، فقال الشيخ: "لا تُصّعب الأمور أهم شيء تحفظ الكلمة، ثم سكت برهة، ثم قال: "مما استفدته من شيخنا ابن عثيمين الحرص على تسجيل كل شيء من كلمات ودروس وخطب ومحاضرات، وللتسجيل فائدتان: الأولى: ألا يتقول عليك أحد، والثانية: أن يبقى علمك محفوظا يُنتفع منه في حياتك وبعد مماتك".

وزارنا الشيخ محمد بن مبارك الشرافي في أبها عام 1442 لإلقاء دورة علمية فرأيت أحد طلابه يحمل كاميرا فيديو ويركبها قبل الدرس، ولم يبدأ الشيخ في الدرس حتى تأكد من انتهاء التجهيز، وكان من عادته الحرص على تصوير دروسه لتبث مباشرة على اليوتيوب، ولتبقى بعد ذلك محفوظة لمن أرادها.

هذان الموقفان لاثنين من تلاميذ العلامة ابن عثيمين الذي كان حريصا على التسجيل، وكان كما يقول الشيخ عبد الله الطيار عن ابن عثيمين: "يشتري أغلى الأجهزة لتسجيل دروسه، ولا يبدأ في الدرس حتى يكون الجهاز جاهزا"، هذه الأخبار تعلمنا الحرص على حفظ العلم ونشره، وها أنت ترى نتيجة ذلك أن علم ابن عثيمين وتلاميذه محفوظ بخلاف كثير من المشايخ.

شيخ يخدم تلميذه

في عام 1442 زارنا الشيخ الوليد بن سالم الشعبان لإقامة رحلة دعوية، وطلبت منه أن أقرأ عليه فوافق مشكورا، وكنت اقرأ في الأوقات التي بين الصلوات، لكنها لم تكفي لإتمام الكتاب، فقربت ذات يوم صلاة المغرب فقال لي: "ما رأيك أقود بك السيارة وأنت تقرأ؟" فوافقت وقرأت عليه في ذهابنا لصلاة المغرب، وذهابنا لصلاة العشاء، وأعجبني تواضع الشيخ وحرصه على إتمام الكتاب، ومن لطفه أيضا: أننا في جلوسنا بين العشاءين كان معنا قهوة وشاي ومعجنات، فكان إذا رأى يدي امتدت للشرب أو الأكل أطال في التعليق حتى أنتهي.

لا تفتح باب الشيطان

قرأت في عام 1442 على الشيخ حسب آل الشيخ محفوظي من القرآن، وكنت آتيه خمسة أيام في الأسبوع، وفي يوم من الأيام غبت، فلما جئت اليوم التالي قال لي: لم غبت؟ قلت: سهرت البارحة، قال: لأنك لم تحفظ وردك، قلت: نعم صحيح، فقال: ما فعلته خطأ إن فات عليك الحفظ فلا تغب، وإنما احضر وسمّع شيئا مما سبق تسميعه أو اقرأ تلاوة حتى، المهم ألا تغيب، فإنك إن غبت حرمت نفسك من الخير ذلك اليوم، وفتحت بابا للشيطان، وصعّبت على نفسك العودة، لأن النفس إذا كانت ثابتة على شيء وجدت سهولة فيه، وكانت نصيحة مباركة، ومن النصائح التي استفدتها منه أيضا: أنني جئته أكثر من يوم ولم أحفظ شيئا جديدا فقال لي: احفظ ولو آية، المهم ألا تتوقف فإن السائر على طريقه يصل ولو بعد حين.

هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم.

سؤال اللفتة: ماهي الدروس التربوية المستفادة من هذه المواقف؟

اللهم انفع بمشايخنا وأسعدهم في الدارين..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لفتة (57) من مواقف مشايخي 2/2

[57] من مواقف مشايخي 2/2 السبت 1442/11/30 ذكرت في المقال السابق جملة من المواقف التي وقعت لي مع مشايخي، وهذا هو الجزء الثاني منها: ...