السبت، 23 مايو 2026

رؤى (17) حروف حول القراءة

[17]

حروف حول القراءة

القراءة باب عظيم من أبواب العلم، ولإتقان الدخول إليها والخروج منها بالغنائم يحتاج القارئ أن يجمع بين الوصايا النظرية والتجربة العملية، وأن يضم إلى خبرته خبرات الآخرين ممن يشاركه العناية بالقراءة، وفي هذا المقال أنثر عددا من الحروف حولها، ومن الله الإعانة والتوفيق.

1-   مهما كان شغفك بالقراءة وحبك للعلم إلا أنك محتاج للتدرج بنفسك فيها ورياضتها، وسبيل ذلك البدء بقراءة الكتب الصغيرة والكتيبات، وبعضهم إذا سمع هذا أنف منه واحتقر المتكلم وشمخ بأنفه معتزا بقدراته الخارقة، وما إن يخوض تجاربه الأولى حتى ينهزم فيها وذلك لتجاوزه هذه القاعدة الجليلة، والوصية أن يبدأ مريد القراءة بالكتيبات، ثم يترقى للكتب الصغيرة وهكذا حتى يصل إلى ما يوفقه الله من الوصول إليه، ومن فعل هذا شعر بالإنجاز وقوي على الطريق.

2-  كثيرا ما نشترط للبدء في القراءة توفر ساعات محددة في يومنا، وتمضي الأعمار دون أن نصل إلى هذا السراب، ولو أننا عملنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ) لرأينا نتائج باهرة، وللعمل بذلك: اقرأ في كل يوم عشر صفحات أو عشرين صفحة فقط، واثبت على ذلك حتى تألف الأمر وتجد أنسا به ثم زدها حتى تكون ثلاثين، ثم أربعين والعبرة بالكيف لا بالكم، ومن قرأ ثلاثين صفحة في اليوم قرأ في الشهر تسع مائة ورقة وهذا قدر كبير لكن أين المداومون؟!

3-   من آفات مكثنا الطول على الجوالات عموما وشبكات التواصل خصوصا تعويد أنفسنا على القراءة السريعة لما ينشر من عبارات، وتغريدات، وأخبار، وتجد أننا في أحيان كثيرة نقرأ نصف العبارة ونكمل بقيتها من أذهاننا، ونشاهد بعض المقاطع المجتزأة دون معرفة للسياق الذي وردت فيه، ومن آثار هذا أننا إذا انتقلنا إلى قراءة الكتب عامل بعضنا الكتاب بنفس الطريقة، فلا يقرأ جميع الأسطر بتأني، بل يسعى للقفز المستمر وهذا يحتاج مجاهدة لإصلاحه، وتربية للنفس على التأني وقراءة جميع الكلمات، ثم التأمل فيها، وإذا لم يجدِ ذلك رفع القارئ صوته بالقراءة حتى يعين عقله على التركيز.

4-   الكتب أنواع متعددة ولكل نوع منها طريقة تناسب في الاستفادة منه، فبعض الكتب بها فوائد متناثرة فهذه تحتاج إلى تدوين تلك الفوائد على طرة الكتاب أو في كناش خاص، وبعضها يحوي منهجية متكاملة ورؤية مترابطة فيحتاج أن تستوعبها ثم تلخصها، ونوع ثالث يحتاج إلى تكرار مستمر لعظيم فائدته وعدم الاستغناء عنه بقراءة واحدة، وعلى كل حال سيظهر لك أثناء القراءة الطريقة المناسبة والتي قد تكون من ابتكارك ولا تناسب غيرك.

5-  زار أحد مذيعي البرامج التلفزيونية الدكتور عبد الكريم بكار في بيته ليصور معه حلقة في مكتبته فتفاجأ بصغر المكتبة! فكان ذلك هو أول سؤال في اللقاء فأجاب بكار: "كثير من الكتب لا تحتاج إلا لقراءة واحدة وهذا النوع أهديه مباشرة بعد الفراغ منه، ولا أبقي في المكتبة إلا الكتب التي أحتاج أن أداوم على قراءتها والكتب الجديدة، وفي هذه الطريقة ميزتان: الأولى: نفع الآخرين بالعلم، والثانية: عدم إشغال الورثة بالمكتبة"، كانت هذه الكلمات مؤثرة علي وعملت بها ووجدت لها نفعا عظيما لا سيما أن الكتب كثيرة والمكان محدود، ومن جرب نقل المكتبة أدرك عظم هذه الوصية.

6-    كيف تقرأ الكتب الإيمانية؟

o      أولا: مقصد الكتب الإيمانية إيقاظ القلب وترقيقه، وليس جرد المعلومات والأفكار، ولذا تفطن لهذا حتى لا تحتقر هذا النوع من الكتب.

o      ثانيا: يحسن أن تقرأ الكتب الإيمانية مجزأة على أوقات متفرقة، حتى توقظ قلبك مرارا، فهي كالعلاج الذي تأخذه من الطبيب فأنت لا تتناوله دفعة واحدة، وإنما تجزأه على الأيام والليالي حتى يحقق ثمرته، وهكذا الكتب الإيمانية مع قلبك.

7-   من الحيل النفسية المضرة: أن يشتهي المرء الكتاب فإذا حمله وبدء فيه اشتهت نفسه كتابا آخر وظل يفكر فيه، وإذا ازداد عليه هذا الهاجس ترك الكتاب الأول وانتقل إلى الثاني، وإذا لم ينتقل ظل أثناء القراءة مشغولا بالتفكير في الكتاب الثاني، ومن تنبه لهذه الحيلة سد بابا كبيرا من الخلل، والصواب أن يركز القارئ في الكتاب الذي بين يديه ويتذكر أنه كان يشتهي هذا الكتاب يوما ما.

8-   اقرأ الكتاب الذي بين يديك على نفسية ألا تعود إليه مرة أخرى، حتى تعطيه حقه من التركيز والاستفادة الكاملة.

9-   سمعت فائدة جميلة من الأستاذ محمد العوشن يقول فيها: "للكتاب قيمة حتى تشتريه"، ويقصد أن الكتاب له قيمة ومكانة في نفسك وهو في المكتبة فإذا اشتريته نزلت قيمته لأنك امتلكته، ولذا فهو ينصح ألا تشتري في كل مرة من المكتبة إلا كتابا واحدا فقط فإذا أنجزته ذهبت لشراء آخر وهكذا، وهو من حلول تراكم الكتب مع قلة القراءة، وسمعت أحد القراءة يذكر عبارة مشابهة للعوشن فيقول: "الكتاب الجديد كالفطيرة الساخنة لذتها في تناولها طازجة أما إذا بردت لم تتحفز النفس إليها كثيرا، ولذا إذا ذهبت إلى المكتبة لا تزد على شراء كتاب واحد".

10-  من القواعد الجميلة التي يذكرها د. بكار قوله: "ما نقرأه لا نملكه حتى نفكر فيه" وهذه من قواعد القراءة المغفول عنها، فتجد بعضهم يلتهم الكتب واحدا تلو الآخر دون أن يترك مجالا للهضم! والصواب أن تتوقف للتأمل كلما قرأت فصلا أو مبحثا أو فكرة عميقة، وتوقف بشكل أكبر بعد نهاية كل كتاب.

11-  القراءة عمل شاق، وليس كما يتبادر إلى كثير من الأذهان أنه من الأعمال الممتعة، فهو عمل شاق فيه متعة، وليس متعة بها مشقة، فتحتاج إلى اختيار الكتاب المناسب، ثم الشروع في قراءته مع تدوين الفوائد وتبييضها ومراجعتها، والكتابة أمر تستثقله النفس لكنه يعود بخير كبير عليها، وكلما زاد التعب زادت الفائدة، وهذا الانضباط يقلل المقروء ويُبطّأ السير لكنه يُعظّم الفائدة، بينما جرد الكتب دون مشقة يجعل المرء يقرأ كثيرا وينتفع قليلا!

12-  هل قرأت الكتاب الأول؟! من التناقضات العجيبة عناية بعض القراء بقراءة الكتب مع إهمال قراءة القرآن، والحرص على كتب البشر أكثر من حرصهم على كتاب رب البشر، وهذا من الخلل في منهجية القراءة.

13- من الطرق الموفقة تدوين جميع الفوائد في مكان واحد، وذلك حتى يسهل العودة إليها والاستفادة منها، وأما تفرق الفوائد بين عدة أماكن فإنه في الغالب يُضعف الانتفاع منها.

14-  اقرأ بعينك حتى تنجز لكن إذا وصلت لآية فاقرأها بلسانك حتى تنال أجرها.

15- إذا احتك عقل القارئ بعقل الكاتب تولدت أفكار جديدة ليست من الاثنين، وهذه أفكار ذهبية تحتاج إلى تدوين، ويهملها بعض القراء اكتفاء بالفوائد المباشرة من معلومات الكاتب.

16- من أخطاء القراء: قراءة الكتاب بنفسية المحتقر، فيعتقد أن هذا الكتاب غير مفيد أو فوائده قليلة أو سطحية، فيفوت عليهم علم غزير، والصواب أن يقرأ الكتاب بنفسية المهتم الحريص، ويدقق في كل شيء، حتى يُحصّل كل ما في الكتاب.

17-  من أراد القراءة وشعر بضيق من القواعد والإرشادات التي تذكر في طريقها، فليقرأ قراءة مفتوحة على مزاجه حتى يألف، فإذا ألف أخذ بالقواعد والضوابط ليبدأ مرحلة جديدة في القراءة المثمرة.

18-  كثيرون هم الذين يشتكون من عدم رؤية ثمرة القراءة، والجواب أن القراءة لها ثمرتان مباشرة وغير مباشرة، فالمباشرة تظهر بالتفاعل مع الكتاب من خلال الكتابة والتخطيط والتفكير ووضع الأسئلة، وغير المباشرة تظهر مع طول الأيام لمن استمر على القراءة وهذا يحتاج إلى صبر وتعب.

19-  لا أحب للقارئ المبتدئ الدخول في الكتب المتينة مباشرة، بل أنصح بأن يسبقها فترة في قراءة حرة حتى في الكتب التافهة والضعيفة حتى إذا انتقل للكتب المتينة عرف قيمتها وصبر عليها وانتفع بها.

20-  القراءة علم، والعلم رزق فاطلبه من الله تبارك وتعالى، فاختيار الكتب النافعة وتحصيل العلم النافع منها لا ينال بجهد الإنسان أو ذكاءه وإنما بتوفيق الله وعونه.

21-    من التوفيق للقارئ أن يتوقف عن القراءة قبل الصلاة بربع ساعة، حتى لا يكون وقت الصلاة وقتا التفكير في المقروء!

22-     معلوم أن القراءة تحتاج إلى تفرغ وعزلة، لكن بالغ بعضهم فتفرغ تفرغا كاملا عن الناس والحياة، واستمر على ذلك سنوات طويلة، ثم اكتشف في وقت متأخر أن القراءة ليست كل شيء! فالحياة بها متطلبات كثيرة، وفي العلاقات والمشاريع العملية آفاق كبيرة لا توجد في القراءة، فخفف قراءته إلى أقل مستوى وتوجه إلى الحياة، وقد صرح بعض القراء بهذا الأمر وندموا عليه، وها أنا أخبرك به حتى تتوازن من أول الطريق.

23-   من أهم أهداف القراءة: "تحسين التفكير"، وكثير من القراء يلتهم الكتب دون إعطاء وقت كاف للتفكير فيها، فتمر عليه سنوات طويلة ولم يتحسن تفكيره! يقول بيغوفيتش: (القراءة المبالغ بها لا تجعل منا أذكياء، بعض الناس يلتهمون الكتب وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير الضروري، وهذا الفاصل ضروري لكي يهضم المقروء ويبني ويفهم ويتبنى، فإن المساهمة الشخصية ضرورية مثلما العمل ضروري للنحلة والزمن كذلك لكي تحول رحيق الأزهار المتجمع إلى عسل).

24-  من الأسباب التي تحرم القارئ من الإنجاز عدم وجود خطة واضحة له في القراءة ينجزها شهريا أو سنويا، فالقراءة المفتوحة ممتعة لأنها تخلو من إلزام النفس، لكن نتائجها ضعيفة، ومن أراد أن يستمتع بالإنجاز فليرسم له خطة ثم ينظر في أثر ذلك على نفسه.

هذا ما تيسر ذكره، رزقني الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح..

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله العاشرة صباحا من يوم الثلاثاء

الرابع والعشرين من شوال، لعام واحد وأربعين بعد الأربع مائة والألف


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رؤى (17) حروف حول القراءة

[17] حروف حول القراءة القراءة باب عظيم من أبواب العلم، ولإتقان الدخول إليها والخروج منها بالغنائم يحتاج القارئ أن يجمع بين الوصايا الن...