الثلاثاء، 24 مارس 2026

لفتة (44) تجارب الصغار

 

[44]

تجارب الصغار

الثلاثاء 5/10/1447هــ

وصلني قبل مدة نقد من أحد الكرام يقول فيه: "تتكلم عن تجاربك كثيرا وأنت لا زلت صغيرا في السن، وهذا أمر لا يصلح إلا للكبار فترفق بنفسك"، أشكر الناقد على نقده وأحب أن يتأمل جوابي:

الحديث عن التجارب في الأصل إنما يكون للكبار ولأصحاب التجارب الطويلة، لكن من الخطأ إغلاق الباب بعد الكبار على من أراد نفع إخوانه بتجاربه التي أمضى فيها وقتا كافيا للحديث عنها، فما المانع من أن يتحدث كل أحد عن الأمور التي أتقنها وعرف جوانبها دون أن يتجاوز ذلك إلى ما لا يعلم لا سيما مع شدة حاجة الناس وقلة التجارب المدونة؟!

وهذا النقد لفت نظري للباعث الذي بعثني على الحديث عن تجاربي، وهو أنني رأيت كثيرا من الكبار لا يتحدثون عن تجاربهم، ويقع لنا معشر الشباب من الخسارة ما يقع حيث أننا نبدأ في بعض الأمور من حيث بدأوا، والسبب أنهم لم يكتبوا تجاربهم وينشروها، فرأيت أن أبدأ من حيث انتهوا وأدون تجاربي وأنشرها لمن أراد الانتفاع منها، وهنا ملحظ قد يخفى وهو أن الكبير ينسى تجاربه وخواطره، وقد ذكر لي هذا أحد المشايخ الفضلاء عندما طلبت منه كتابة تجاربه فقال: "أجزم أن عندي الكثير من التجارب الغنية لكني لا أذكر منها شيئا!" وهذا ولد عندي فائدة مهمة وهي: أن التجارب تكتب مبكرا ثم تُنمى بخلاف التصور الموجود عند جملة من الناس، فالكثير ينتظر أن يصل إلى آخر عمره حتى يدون تجاربه فإذا وصل تفاجأ أولا بنسيانه للتجارب، ووجد ثانيا أن الوقت أو الصحة لا تسعفه للتعبير عن كل ما مر به، وربما مات المرء ولم يحقق ما كان يتمنى، ولذا فالصواب في رأيي أن يكتب الإنسان تجربته مبكرا ثم يطورها وينميها وينقحها باستمرار ولا مانع من أن يكون نشرها ورقيا في وقت متأخر من حياته، وقد جربت هذا في رسالتي "رحيق الدعاة"، فهي في الأصل حديث عن تجربتي الدعوية، وكان مبتدؤها أنني كنت أسجل الخواطر المفيدة التي تمر بي أثناء الممارسة الدعوية، وعندما اجتمعت أربعون خاطرة قررت نقلها لمادة مكتوبة، وكنت أظن أنها ستأتي في مقال طويل لكني تفاجأت بأنها جاءت في حجم رسالة، ومع الكتابة بدأت أضيف جملة من الأفكار والتصورات وأربطها ببعضها، وجمعت كل ما عندي من مقالات وتغريدات دعوية لتكون في هذه الرسالة، وليكون كل حديثي عن الدعوة في مكان واحد لمن أراد أن يصل إليه -ممن يرى أن لرأيي وتجربتي قيمة- ونشرتها في 8/8/1442هـ، وبعد ثمانية أشهر قررت أن أنشر النسخة الثانية منها وتفاجأت أيضا بالكم الكبير من الإضافات الذي حصل، وكذلك تعجبي مما كتبت وقلت: "لو تأخرت في كتابة هذه الرسالة ما أظني كنت قادرا على كتابة كل هذا"، بل أنا الآن أعاني في إخراج النسخة الثالثة من الرسالة لكثرة ما أريد أن أزيده عليها -ولله الحمد-، وعلمت حينها أن التجارب تكتب مبكرا ثم تنمى مع الأيام وهكذا يصل الإنسان إلى إخراج تجربة كاملة ثرية في آخر حياته.

من الأفكار التي تغيب أن ما يراه الإنسان جديدا ويستحق الكتابة والإفادة يتحول مع الأيام ليكون أمرا عاديا لا جديد فيه، ويظن المرء أن كل الناس يعرفونه لكن السبب في الإلف، وهذا أيضا من الأسباب التي تدعو جملة من الكبار إلى عدم كتابة تجاربهم فهم يقولون: "جميع ما عندنا معروف، فما الجديد الذي سنقوله؟!" غير مدركين أن ما هو بدهي بالنسبة لهم جديد ومفيد بالنسبة لغيرهم.

مما يؤكد هذه الأفكار أيضا أنني كنت في حديث مع شيخي عبد الرحمن بن فهد الودعان -حفظه الله- وحدثني أن لديه ثلاثون دفترا كتبها أيام الطلب، وأنه يتمنى أن يجد فرصة الآن لإخراج ما فيها للناس، فسألته عن محتواها: فأجاب: "بعضها في تقييد الفوائد، وبعضها في سؤالاتي لمشــــــــــايخي، وبعضها في تأمـــــــــــــــــــــــــلاتي في الحياة -وهذا موضع الشاهد-، فقد كنت في مرحلة سابقة أقف للتأمل والتفكير طويلا وأدون خلاصات ذلك، أما الآن فقد زادت الأعمال وتتابعت، وكثرت الدروس واللقاءات، ولا أجد مساحة للتفكير كما كنت أجد"، استفدت من إجابة شيخي هذه أمران:

          أحدهما: أن أدون تأملاتي كما كان يدون فهي من حفظ العلم وتقييده.

          والآخر: أن فترة الشباب يكون الذهن فيها متوقدا ولذا فمن الخسارة إهمال النتاج الذي يحصل فيها، وهذا أيضا من الإجابات التي أجيب بها عن صاحب النقد الذي تقدم.

سؤال اللفتة: هل ترى كتابة تجاربك في وقت مبكر أم متأخر؟ ولماذا؟

اللهم اهدنا وسددنا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لفتة (44) تجارب الصغار

  [44] تجارب الصغار الثلاثاء 5/10/1447هــ وصلني قبل مدة نقد من أحد الكرام يقول فيه: "تتكلم عن تجاربك كثيرا وأنت لا زلت صغيرا في...