[45]
في صحبة الشبل
التقيت الشيخ المبارك علي بن عبد العزيز الشبل وصحبته نصف نهار، حضرت له خطبة الجمعة، ثم مجلس إفتاء، ثم تناولنا الغداء، ثم زرنا مزرعة تناولنا فيها القهوة ثم صلينا العصر بعدها ودعنا الشيخ، وقد وجدت في مقابلة الشيخ والجلوس معه ما يستحق الذكر والتعليق:
- صعد الشيخ المنبر وهو يستاك ودخل المحراب للإمامة وهو يستاك أيضا، وهذا من عنايته بالسنة، فقد جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، ومن المواضع التي يتأكد فيها استحباب السواك: دخول المسجد لأنه من تمام الزينة التي أمر الله بها عند كل مسجد {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}، ولما فيه من حضور الملائكة واجتماع المصلين.
- لفت نظري عناية الشيخ بإجابة أسئلة الناس وبذل الجهد في ذلك، فقد طلب ممن نسق معه الخطبة أن يكون هناك مجلس للفتاوى بعدها، وأجاب الشيخ كل من استفتاه سواء أكان سؤاله عاما أما خاصا، ولم يخرج من المسجد حتى أجاب على جميع الأسئلة المكتوبة والشفهية، ثم رأيت الشيخ حاملا جواله ويجيب على أي اتصال يأتيه، فقبل الغداء كنا جلوسا في مجلس الضيافة، وكان يسود المجلس الصمت ولم يسأل أحدهم الشيخ أو يتجاذب معه أطراف الحديث، فأخرج جواله وبدأ في استقبال الفتاوى، فهو نفع من جهتين للسائل، وللحاضرين الجلوس، وزاد عجبي لمّا رأيت الشيخ على الغداء يتوقف عن الأكل ويرد على اتصال أتاه ثم أكمل الأكل بعده، وإذا تذكرنا بأن شيخه ابن عثيمين كان يتغدى والهاتف في يده يفتي الناس زال عجبنا.
- أعجبني تمكن الشيخ العلمي، فعلمه علم صدر لا سطر، وعنده قدر من المحفوظ كبير فهو ضابط للقرآن، ويستشهد بأحاديث الصحيحين وأظنه يحفظهما، وقد لاحظت أنه يجيب على السؤال كأنه حضّر له وذلك لرسوخـــــــه في العلم -زاده الله من فضله-.
- هذه المشاهد تعطيني درسا وإخواني من طلبة العلم في ضبط العلم قبل التصدر، قال عُمرُ-رضي الله عنه-: "تَفقَّهُوا قَبْلَ أن تُسَوَّدُوا"، قال البخاري: "وبعد أن تسوّدوا"، تأملت فيما عرض على الشيخ من أسئلة فوجدت أنه سُئل في الصلاة، والصيام، والزكاة، والعمرة، والمواريث، والمعاملات المالية، وأحكام الزينة، والنكاح، بمعنى أن الأسئلة مرت على جميع الأبواب الفقهية غير الاستشارات التربوية والأسرية والمنهجية وهذا في وقت قصير.
- مما رأيته أيضا: أنه لم يكن يقرر في كل أمر وإنما يجعل الرأي عند الحاضرين، ففي مجلس الإفتاء مثلا: قال له قارئ الأسئلة لما انتهى الوقت هل نتوقف؟ قال: الرأي لجماعة المسجد وجّه السؤال لهم، فلما وجه السؤال لهم، قالوا: كمّل كمّل، ورفع صوته أحد كبار السن قائلا: معك إلى الليل، فابتسم الشيخ وقال: أكمل الأسئلة، ولما حان وقت صلاة العصر سأل الشيخ: هل نصلي في المزرعة أم المسجد؟ فقالوا: الرأي لك، قال: بل لكم، فقالوا: المساجد بعيدة ولو ذهبنا مشيا لفاتت الصلاة، قال: إذا نصلي هنا ولعلنا ننال أجر الصلاة في الفلاة، ومثل هذا التعامل معلوم ما له من الأثر على نفوس الناس حينما يشركهم في اختيار القرار ويعمل بما يقترحون ولو كان في أمور صغيرة.
- لما دخل وقت صلاة العصر سمع الشيخ مؤذنا يؤذن من بعيد فكان يردد معه رغم بعد صوته، ولما قررنا الصلاة في المزرعة توجه مباشرة للقبلة وأذّن للصلاة وفي هذا حرصه على الأذان ونيل أجره.
- طلب الشيخ من مرافقه أن يتصل بإمام المسجد الذي سيلقي الشيخ عنده كلمة في صلاة العشاء ويذكره بها ويطلب منه تسجيلها، فلما اتصل ذكّره وطلب منه موقع المسجد ثم قال: هل عندكم قسم إعلامي؟ فقال الشيخ: ما يحتاج إعلامي، أي شخص يسجل الكلمة بجواله ويرسلها إلي، القسم الإعلامي يحضر مرة ويغيب مرة وكلفته كبيرة، وبعد أن أنهى الرجل الاتصال قلت للشيخ: هل تنشر هذه المواد المسجلة؟ قال: نعم في اليوتيوب وفي موقعي الشخصي، وأي تسجيل عندي أرسله للقائمين على الموقع، والعناية بالتسجيل مما استفدناه من شيخنا محمد بن عثيمين -رحمه الله- فكان في آخر حياته لا يبدأ الدرس حتى يرى إشارة القائم على التسجيل، وقد استفاد من ذلك أمران: حفظ علمه وعدم التقول عليه، والناظر في تراث الشيخ الشبل اليوم على اليوتيوب يجده ضخما وهذا من بركات عنايته بالتسجيل مهما كانت جودته.
- كان الشيخ لابسا المشلح طيلة الوقت في الخطبة وجلسة الفتوى والمجلس، ولم ينزعه إلا وقت الغداء ثم رجع يلبسه بعده وكذلك نزعه أثناء الذهاب للمزرعة، وعندما نزع شيخنا المشلح بادرت لأخذه منه ولكنه رفض فأعدت عليه فرفض فلم أرد أن أعيد الثالثة.
- بعد صلاة العصر ركب الشيخ سيارته للمغادرة وأهدى لكل الحاضرين كتابا للشيخ ابن باز شارك في مراجعته، وهذا من لطفه وبذله للعلم، جزاه الله خير الجزاء ونفعنا بعلمه وعلم شيوخه.
سؤال اللفتة: ما الدروس التي خرجت بها من هذه المشاهد؟
اللهم احفظ علماءنا وانفع بهم..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق