[٣٨]
الطريق الأقصر
الخميس ١٤٤٧/٧/١٩
يسير الناس في حياتهم على ما يتم بينهم من تفاهمات، وتزداد جودة العلاقات بقدر جودة الحوارات، ولذا فيدرك كل عاقل أن الحوار ضرورة، وأنه الطريق الأقصر للوصول إلى الفهم والتعاون، لكنك عندما تسلط الضوء على ممارسات الناس في الحوار تجدهم على أحوال، منهم من لا يرى للحوار قيمة، ويسفه ما يراه من دورات أو محاضرات في ثقافة الحوار، وقد يحضر بعضها فيجد فيها طرحا هزيلا فيزداد يقينه بظنه الخاطئ، وقد يمارس الحوار على غير معرفة بقواعده فلا يصل إلى المراد، فيزداد ظنه سوءاً على سوء.
هناك طرف آخر يقتنع بضرورة الحوار ويدخل فيه لكن على تصورات خاطئة، فهو يريد الانتصار دون أن يكون معه حجة، فيرى أن مجرد مشاركته في الحوار كافية للوصول إلى ما يريد، والحقيقة أن الحوار يستلزم إعدادا للحجج، فيكون عندك على كل فكرة تقولها حجة، وتتصور الحجج المقابلة وتجهز ردا لها، أما الدخول بلا إعداد يجعلك في موقف محرج، والناس في هذه النقطة على أقسام: منهم من لا يكون له الحجة البتة، وهذا ستنتصر عليه، ومنهم من لديه حجة ضعيفة وهذا ستغلبه إن كانت حجتك قوية، ومنهم من يقابلك وعنده مجموعة حجج قوية، فهو يتفوق عليك كما وكيفا، والفطنة بأن تتصور أن المقابل لك في هذه الدرجة، فتستعد له الاستعداد الكامل، لا أن تتصور أنه في أقل الدرجات وتظن أنك تغلبه بأي كلام، وهذا المسألة تتفرع عن مسألة احترام الناس وإحسان الظن فيهم.
تجد صنفا ثالث يدخل الحوار لكن ليس عنده صبر على الفهم والإفهام، فهو يريد مناقشة مائة موضوع في خمس دقائق، وإقناع الآخرين بكل ما لديه في عشر دقائق! وإذا لم يحصل له المراد ذم الحوار والمحاورين! فيا لله العجب!
الفهم قائم على التأني وهو عملية تحوي عمليات، فأنت عندك فكرة، والآخر عنده فكرة أخرى، وأنت تريد أن توصل له فكرتك وتغيّر الفكرة التي لديه، فتحتاج أن تحدد الفكرة أولا ولا تخلط الموضوعات مع بعضها، ثم تعرض فكرتك بأسلوب واضح سهل، وتسرد عليه ما لديك من الحجج، ثم تناقش فكرة الآخر وتفندها، فكيف يحصل كل ذلك على وجه العجلة؟! زد أيضا أنه كلما تعمقت المشكلة صعب الفهم وزاد الوقت المحتاج إليه في الحوار، وقد تحتاج القضية إلى عدة جلسات حوارية وليس إلى جلسة واحدة فقط فتأمل.
من الطريف أن بعض الناس يكرر عليك نفس الفكرة أو السؤال مهما وشرحت وأبنت وهذا كرر عليه نفس الإجابة حتى يفهمها أو يمل فيترك السؤال والحوار!
صنف رابع يدخل الحوار وعنده بعض الحجج ويرغب الفائدة لكنه لا يمنح الطرف المقابل فرصته الكاملة للتعبير عن رأيه فيظل يقاطعه طيلة الحوار، ثم يدعي بأن الآخر ليس عنده حجج تثبت صحة رأيه!
صنف خامس يحاور فإذا استبان له الحق غضب وترك الحوار!
كل هؤلاء وأكثر على الحقيقة يطيلون الطريق على أنفسهم في الوصول إلى ما يريدون، لأن الحوار مهما رأى المرء أن طريقه طويل، إلا أنه أقصر من الطرق الأخرى، لذا تجد العقلاء يحبون الحوار ويبدأون به.
سؤال اللفتة: هل أدركت الممارسات الخاطئة في الحوار؟
اللهم أرنا الحق وأعنا عليه..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق