السبت، 21 مارس 2026

لفتة (37) التداوي بالقرآن

 

[37]

التداوي بالقرآن

الأحد 3/10/1447هـــ

أولا: فهم التداوي:

قال ربنا سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، فهذا الكتاب العزيز شفاء للقلوب والأبدان، فمن كان يعاني من أي مرض من الأمراض الحسية أو المعنوية فليتوجه إلى القرآن، وتتنوع طرق التداوي بالقرآن، فعلاج الأمراض الحسية يكون بالرقية، وعلاج الأمراض المعنوية يكون بألفاظ القرآن ويكون بمعانيه، فمن كان يعاني من القنوط من رحمة الله مثلا فيستطيع أن يختار آيات الرجاء ويكررها على نفسه كثيرا حتى يزداد رجاؤه في الله تعالى، ويستطيع كذلك أن يقف مع آيات النعيم ويتدبر ما جاء فيها، وسيكون هذا التدبر علاجا لقلبه.

وفي هذا المقال سأورد نموذجا على مداواة الأمراض المعنوية بألفاظ القرآن، والمرض المختار هو الإسراف في الذنوب، وقد اخترت عددا من آيات الترهيب ونقلت تفسيرها للعلامة السعدي، لتعين كل واحد منا على علاج قلبه من الذنوب.

ثانيا: نموذج التداوي:

(مداواة الإسراف في الذنوب)

1)    ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ لما ذكر حالة الأشقياء الفجَّار؛ ذكر وصف الأبرار السعداء، فقال: ﴿إنَّ الذين يخشَوْنَ ربَّهم بالغيب﴾؛ أي: في جميع أحوالهم، حتى في الحالة التي لا يطَّلع عليهم فيها إلاَّ الله؛ فلا يقدِمون على معاصيه، ولا يقصِّرون عمَّا أمرهم به. ﴿لهم مغفرةٌ﴾: لذنوبهم، وإذا غَفَرَ الله ذنوبَهم؛ وقاهم شرَّها ووقاهم عذاب الجحيم. ﴿ولهم أجرٌ كبيرٌ﴾: وهو ما أعدَّه الله لهم في الجنة من النعيم المقيم والملك الكبير واللذَّاتِ المتواصلات والقصور والمنازل العاليات والحور الحسان والخدم والولدان، وأعظم من ذلك وأكبر، رضا الرحمن الذي يُحِلُّه على ساكنيها.

2)    ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١۸)﴾ ﴿يومئذٍ تُعْرَضون﴾: على الله، ﴿لا تَخْفى منكم خافيةٌ﴾: لا من أجسادكم وذواتكم، ولا من أعمالكم وصفاتكم؛ فإنَّ الله تعالى عالمُ الغيب والشهادة، ويحشُرُ العباد حفاةً عراةً غُرلاً في أرض مستويةٍ يسمِعُهم الدَّاعي ويَنْفُذُهم البصرُ، فحينئذٍ يجازيهم بما عملوا.

3)    ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣۸)﴾ ﴿كلُّ نفس بما كسبتْ﴾: من أفعال الشرِّ وأعمال السوء ﴿رهينةٌ﴾: بها موثقةٌ بسعيها، قد أُلْزِمَ عنقها وغُلَّ في رقبتها واستوجبت به العذاب.

4)    ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤۰) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ ﴿وأمَّا مَنْ خافَ مقامَ ربِّه﴾؛ أي: خاف القيام عليه ومجازاته بالعدل؛ فأثَّر هذا الخوف في قلبه، فنهى ﴿النفس عن﴾: هواها الذي يصدُّها عن طاعة الله، وصار هواه تبعاً لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادَّيْن عن الخير، ﴿فإنَّ الجنَّة﴾: المشتملة على كلِّ خيرٍ وسرورٍ ونعيم، ﴿هي المأوى﴾: لمن هذا وصفُه.

5)    ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (۹)﴾ أي: تختبر سرائر الصدور ويظهر ما كان في القلوب من خيرٍ وشرٍّ على صفحات الوجوه؛ كما قال تعالى: ﴿يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ﴾؛ ففي الدُّنيا تنكتم كثيرٌ من الأشياء ولا يظهر عياناً للناس، وأمَّا يوم القيامة؛ فيظهر بِرُّ الأبرار وفجورُ الفجار، وتصير الأمور علانيةً.

6)    ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١۹)﴾ ﴿يعلم خائنةَ الأعين﴾: وهو النظرُ الذي يُخفيه العبد من جليسِهِ ومقارنِهِ، وهو نظر المسارقة، ﴿وما تُخفي الصدورُ﴾: مما لم يبيِّنه العبد لغيره؛ فالله تعالى يعلم ذلك الخفيَّ؛ فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى.

7)    ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (۸)﴾ وهذا شامل عامٌّ للخير والشرِّ كلِّه؛ لأنَّه إذا رأى مثقال الذَّرَّة التي هي أحقر الأشياء، وجوزي عليها؛ فما فوق ذلك من باب أولى وأحرى؛ كما قال تعالى: ﴿يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عملتْ من خيرٍ محضَراً وما عملتْ من سوءٍ تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً﴾، ﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً﴾، وهذا فيه الترغيب في فعل الخير، ولو قليلاً، والترهيب من فعل الشر، ولو حقيراً.

8)    ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ أي: وللذي خاف ربَّه وقيامه عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به؛ له ﴿جنَّتانِ﴾ من ذهبٍ آنيتهما وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاءً على ترك المنهيَّات، والأخرى على فعل الطَّاعات.

سؤال اللفتة: كيف ستداوي قلبك بهذه الآيات؟

اللهم اشفنا بالقرآن..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لفتة (39) كيف تلبس تاج الوقار؟

  [39] كيف تلبس تاج الوقار؟ الخميس 23/7/1446هــ روى أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس الجهني -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه و...