[69]
المقصد الغائب
السبت 1448/5/27
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، قال ابن سعدي: "{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} القاطعة الموجبة للإيمان واليقين، {وَيُزَكِّيهِمْ} بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أي: علم القرآن وعلم السنة".
أرسل الله الرسل لهذه المقاصد الثلاثة: تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب والحكمة، ونحن عندما ننظر في أحوال كثير من المشايخ الذين هم ورثة الرسل، نجد انكبابهم على التعليم وقلة عنايتهم بالتزكية، وقد ولّد هذا خروج جملة من طلاب العلم المحصلين للمعلومات والذين يعانون من خلل في التعبد والدعوة، ولذا نتحدث عن تزكية طلاب العلم في الإشارات الآتية:
· تحقق التربية أمورا لا يحققها العلم، كغرس المعاني في النفوس، والعناية بتطهير الروح وتهذيبها، وإصلاح عمل المرء وعبادته، وتحقيق البناء الأفقي الشامل، فإذا كان العلم يحقق البناء العمودي فالتربية تحقق البناء الأفقي، الذي يعين المرء على فهم الحياة وحسن التعامل معها، والانكباب على العلم (التحصيل العمودي) يجعل أثر طالب العلم محدودا في الحياة لقلة فهمه لها.
· التربية المؤثرة على طلاب العلم والمنجزة هي التربية المنهجية، التي تتم وفق خطة وأهداف، وتقوم على الكتب لا على السوالف، وقد فصّلت ذلك في مقال: "تربية النخبة"، ومما يسيء للتربية والشيخ أن يربي طلابه بالسوالف دون أهداف وخطة ومحتوى.
· اعرف قدر ما عندك وقدمه لطلابك مجموعا، حتى تحفظ وقتك وأوقاتهم، وترسلهم لغيرك وتأخذ غيرهم، ومن الأخطاء الشهيرة عند المربين: أن يظن المربي أن ما عنده كثير فيتكلم فيما يحسن وما لا يحسن، وأن يتمسك بطلابه ويحرمهم من غيره، ويحرم نفسه من غيرهم، وأن يقدم مادته بطريقة منثورة في مدد طويلة.
· أقل ما يكون اللقاء التربوي مرة في الأسبوع لمدة ساعتين أو نحوها حضوريا، أما الظن بأن التربية تكون شهرية أو نصف شهرية أو تتم عن بعد فهذا ظن خاطئ ولا يحقق المقصود، ومن تيسر له أن تكون التربية مجلسين أو ثلاثة في الأسبوع مع قدرته عليها وقتا ومادة فهنيئا له ولهم.
· المربون ثلاثة: أقلهم من يربي بالسوالف، وأوسطهم من يربي بكتاب، وأعظمهم من يربي بمشروع، لأنه يُخرّج الطالب في موضوع أو عدة موضوعات ويبنيه فيها بناء متكاملا.
· كلما زاد تحصيل المربي زاد تأثيره، فالمرء مهما بلغ علمه وفهمه إلا أنه بحاجة للتزود المستمر وخاصة في التربية وطرائقها ومهاراتها.
· عادة التربية أنها لا تكون إلا للنخبة، لأن كثيرا من الناس يحب اتباع هواه، ولا يريد التوجيه والمتابعة، ولذا تنجح التربية مع المتميزين الذين يحبون الترقي ويثقون بالشيخ ويستجيبون لتوجيهاته، ويسارعون في العمل بتكليفاته.
· التربية تقوم على العلاقة العميقة، فتعرفهم ويعرفونك، وتحبهم ويحبونك، ولذا لا يصح أن تكون التربية إجبارية ولن تجدي.
· في بعض المشاريع يتعذر أن يقوم الشيخ بالتعليم والتربية في آن واحد بسبب ضيق وقته أو عدم قدرته عليها، ومن الحلول حينئذ: أن يقوم شيخان بالمهمة، الأول بالعلم، والثاني بالتربية.
سؤال اللفتة: متى ستكون التزكية مقصدا حاضرا عندك؟
اللهم اجعلنا من خدام دينك..
