[26]
سيرة العابد الحواش
عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألَا أُنبِّئُكم بخِيارِكم؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: خياركم الذين إذا رءوا ذكر الله عز وجل)، ومن أولئك الذين كانوا يذكّروننا بالله عزو جل الشيخ العابد أحمد بن محمد الحواش -رحمه الله تعالى-، والذي سكن خميس مشيط بمنطقة عسير طيلة حياته، ثم قضى آخر أربع سنوات منها بمكة وتوفي بها.
كان -رحمه الله- كثير الخوف لله سبحانه، طويل الصلاة، كثير الذكر، دائم التذكير بالله وخشيته، والحديث عن العُبّاد نحتاجه كثيرا لضعفنا في هذا الباب ولقلة العُبّاد في زماننا، وقد بحثت عن سيرة الشيخ بعدما توفي فلم أجد إلا ثلاثة مواد:
- أولهـــــا: تغريدات عبد الرحيم ابن الشيخ على حسابه في تويتر.
- وثانيها: مقال: "ذهاب الصالحين"، للشيخ محمد بن سالم آل رميح.
- وثالثها: مقال: "هكذا عرفت الشيخ أحمد"، للشيخ حسين بن محمد شامر.
فأحببت أن أجمعها في مقال واحد لحفظها أولا ثم ترتيبها موضوعيا، حتى يكون الانتفاع بها أكبر، وليس لي فيها إلا مجرد الترتيب، سائلا الله أن ينفع بهذا المقال وبأصوله.
* حسن النشأة:
كان الشيخ أحمد الحواشي معروفًا بالنسك والتعبد وهو صغير فَتيّ، يذهب لدكان أبيه -رحمة الله عليهم جميعًا- في سوق الخميس، فيلفت أدبه وخشوعه وسكونه نظر الناس، وكان شيوخه وأصحابه في المعهد العلمي بأبها، يعرفون له فضله في العبادة والخشوع والسكينة، ويشيرون إليه بذلك.
* عنايته بالسنة:
كان الشيخ-رحمه الله- شديد الاتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يقدمها على كل شيء ويحرص على إحياء السنن التي حفظها من كثرة مطالعته لكتب الحديث عموما ولزاد المعاد خصوصا، ولا يترك السنة حتى في بيته وبين أهله، كان إذا دخل البيت بدأ بالسواك ويذكر قول عائشة-رضي الله عنها-كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك.
* تعظيمه للصلاة:
أمّ الشيخ بالمصلين في الجامع الكبير بخميس مشيط، وهو جامع في وسط سوق الخميس، وكان الشيخ ذا صلاة طويلة، يحسن فيها القيام والركوع والسجود، ويقرأ قراءة مترسلة مفصّلة بينة الحروف، فصار من يصلي خلفه يُوعَظ بطول الصلاة، وحسن القراءة، وكان كثير البكاء عند التلاوة، وفي الركوع والسجود، وكثيرا ما كان المصلون يسمعون نشيجه في الصلاة السرية، وعند ركوعه وسجوده، فكم للشيخ من موعظة لمن يصلي خلفه بصلاته وقراءته، والصلاة هي بابه الذي لم نسمع في زمننا أن أحدًا قد زحمه عليه، إلا ما حُدّثنا فيه عن الشيخ الدكتور أسامة عبد العظيم بمصر، رحمهما الله.
ثم لا تتعجب من قولي: أن الشيخ إنما كان يعظ الناس بصلاته، فإنه رحمه الله مكث من عمره طويلًا لا يخرج للناس ولا يعظ خارج مسجده، ولا يدرّس، إنما كان وعظه بالصلاة والتلاوة، مع كلمات يسيرات مباركات كان يقولها قبل تكبيرة الإحرام، يسوي بها الصف، وكان ذا حفاوة بتسوية الصف، يذكّر بأمره، ويفخم شأنه، وربما ذكّر الناس بالوقوف بين يدي الله، وكثيرًا ما كان يقول بصوت متهدج تسبقه الدمعة: أحسنوا الوقوف بين يدي الله، أحسنوا الأدب بين يدي الله!
كان الشيخ أحمد ذا تفخيم لشأن الصلاة وخشوعها والتجهز لها، بما يُلحقه بأكابر متقدمي الأمة، فكان يستعد لها قبل وقتها بمدة، ويتوضأ لكل صلاة، ولا يترك السواك، وينبه على الخشوع وحضور القلب، وكان قد أخلى مسجده من الزخارف، وقد أدركنا تزويقًا في مسجده وسجّاده، فلم يزل حتى أزال كل زخرفة وتزويق، ولم يبق ما يصرف المصلي عن صلاته.
ثم إذا كبّر الشيخ للصلاة كبّر تكبيرة تنخلع لها القلوب الخاشعة، وأعرف من كان يبكي إذا سمع تكبيرته للإحرام، ثم يقرأ الفاتحة، فيقرأ قراءة تفسيرية، يقول سامعها: كأنما سمعت الآيات لأول مرة، وكانت قراءته قراءة خاشعة، لها تأثير في القلوب، وروعة في الأفئدة، وهذا أمر قد ذاع في الناس، واشتهر، ودار على ألسنتهم، فإنه من نوادر الأمة في التلاوة الخاشعة، والقراءة المخبتة، على كثرة الخير في قرّاء الأمة المعاصرين، وهكذا يصلي صلاة يحسن الركوع فيها والسجود، ويطيلها إطالة تنشرح لها صدور المؤمنين، ويضيق بها سرَعَان الناس.
ومن اهتمامه بالصلاة أنه قد اشتهر أن الشيخ لا يعرف أنه فاتته تكبيرة الإحرام في حضره أبدًا، وهذا أمر عظيم في هذا العصر، ومنقبة نادرة، وثبات يتصاغر عنده، ومن العجائب أيضا أن الشيخ أحمد رحمه الله قد أمّ الناس نحو خمسة وثلاثين عامًا، لا يُعرف أن الناس سبّحوا به لنسيان في صلاته، ثم أعيذك أن تقول عن أخيك: ها قد جاء من يغلو في الشيوخ حتى قدمهم على النبي صلى الله عليه وسلم! فلا تستوحش من كلمتي هذه، فتقول: ثبت نسيان النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع في الصحيحين، كما في حديث ابن بحينة، وقصة ذي اليدين، وابن مسعود، فإن هذا كان لحكمة تشريعية جليلة، فقدرها ﷲ قضاء كونيًا ليشرع بها قضاء شرعيًا لهذه الأمة، وليؤكد على بشرية النبي صلى الله عليه وسلم.
والشيخ جُعلت قرة عينه في الصلاة فلا تكاد تراه إلا مصليا، أحب الصلاة حبا جما وتعلق بها تعلقا كبيرا، حتى من شدة ذلك أصبح لا يذكر اسمه إلا ذكر بالصلاة وطولها، ليس في المسجد فقط بل حتى في بيته وبين أهله، وكان كثيرا ما يردد وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قُمتَ في صلاتك فصلِّ صلاةَ مودِّع"، ويقول: ما من إنسان إلا وسيموت بعد صلاة إلا يدري ما هي، فكان مستشعرا لهذا في حياته فيصلي صلاته كأنه مودع ويصوم صيامه كأنه مودع فعاش حياته مع الله محبا له ومشتاقا للقائه، وما يراه الناس من طول صلاته هي قصيرة بالنسبة لصلاته الخاصة مع نفسه.
وقد كان الشيخ أحمد إماما في الخشوع، والخشوع علم! عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: (هذا أوان يُختَلَسُ العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؟ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا)، فالخشوع ثمرة العلم في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضي لخشيته، ومهابته، وإجلاله، والخشوع له، ولمحبته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، فهذا هو العلم النافع.
يقول ابنه عبد الرحيم: "كان والدي-رحمه الله-قد تعلق قلبه بالصلاة وجعلت فيها قرة عينه وسعادة قلبه وأنس حياته حضرا وسفرا، ففي إحدى المرات كنت معه في المطار وبعد الوصول كان لابد من الانتظار لدقائق حتى تصل السيارة الخاصة به فقال لي: "وين المصلى؟ سأصلي حتى تصل السيارة لا يضيع علينا الوقت، وكان إذا تهيأ للصلاة تغير وجهه إجلالًا وتعظيما لمن سيقف بين يديه، ويأمرنا بأن نتطيب وأن نستاك بالسواك لتطييب مجاري القرآن ويذكر لنا الأحاديث الواردة في ذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم عند المنذري في الترغيب والترهيب، وشأن والدي مع الصلاة شأن لا يشابهه فيه أحد في زمانه فيطيل ركوعها وسجودها وقراءتها جدا وإذا قام في صلاته وجد أنسه وراحته، ومن عجيب ذلك أنه كان حتى في بيته إذا كان جالسًا مع أهله قام وصلى ركعتين ثم يرجع دون أن يشعر به أحد إلا من عرف ذلك عنه".
* قيامه لليل:
ما سبق حاله هذا مع الفريضة، أما حاله مع النوافل فعجب عجاب، فقد خفف عليه القرآن ويسر على لسانه تيسيرا كبيرا، إذا سمعته يقرأ وجدت لتلاوته حلاوة، وكان له في رمضان شأن مع القرآن، وأطول قيام قامه في صلاة التراويح أنه قرأ من سورة النور إلى سورة الكافرون في ركعة واحدة ثم ركع وختم القرآن تلك الليلة، وفي آخر رمضان له أمَّ الناس في التراويح بسورة البقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة، يُسبح عند آيات التسبيح ويسأل عند آيات السؤال ويتعوَّذ عند آيات العذاب، فنحسب أنه وجد حلاوة المناجاة بين يدي ربه وكانت قرة عينه في الصلاة.
* اشتغاله بالقرآن قراءة وتدبرا:
وجد الشيخ -رحمه الله- سلوة عن الناس ونعيما أشغله عن زخرف الدنيا، حتى أنه كان مصاحبًا للقرآن في كل أحواله وشؤونه فتعلق قلبه به وكان يختم القرآن في كل يوم ختمة طوال العام ويختمه بالناس في كل ثلاث في رمضان، وسأله ابنه عبد الرحيم عن ذلك فقال: "في القرآن لذَّة لا يعرفها إلا من أعطى القرآن وقته"، وكان يحب تَكرار الآية في قيامه وصلاته وتلاوته يحرك بذلك القلوب ويشنف بذلك الأسماع، قال ابن تيمية-رحمه الله-:"من ذاق طَعمَ القرآن استحلَى تَردَاد الآية"، وكان من أشد الناس حفظًا وإتقانا للقرآن، ومع ذلك كان يقرأ شيئًا من ورده خارج الصلاة من المصحف، فسأله ابنه يوما لماذا لا تعتمد على حفظك فقط فقال: "متعة الأبصار في الدنيا لذة النظر إلى كتاب الله فلا يستغني عنها الحافظ المحب".
* عنايته بالذكر والدعاء:
كان الشيخ أحمد -رحمه الله- يحرص ألا تمضي عليه ثانية فضلا عن دقيقة في غير طاعة أو ذكر، كان عجيبا في كثرة الذكر حتى أصبح جاريا على لسانه كجريان النَّفَس، ومن عجيب ذلك أن الباقيات الصالحات كانت على لسانه حتى وهو جالس في بيته، ويقول: "هي أحبُّ الكلام إلى الله كما في الحديث"، ومن المواقف المؤثرة في الدعاء ما ذكره الشيخ حسين شامر بأنه سافر مع الشيخ من جدة إلى أبها، فرآه أول ما جلس ربط الحزام ثم رفع يديه يدعو ولم يخفضها إلا في أبها، ولم يلتفت لشيء، كان جالسا في الدرجة الأولى، وأتته القهوة والتمر فلما يلتفت إليها، وجاءه العصير والطعام ولم يتناوله، فتأمل في هذا التوجه الكامل لله وعدم الالتفات حتى للمطعم والمشرب!
* حرصه على الصيام:
كان -رحمه الله- يصوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، ويصوم شعبان كاملا، والمحرم كاملا.
* جلوسه إلى الإشراق:
كان شيخنا لا يترك جلسة الإشراق في حضره ولا سفره، فإذا صلى الفجر جلس في مكانه يذكر الله في خشوع حتى تطلع الشمس، ثم يصلي بعدها أربعا، ولما سئل عن ذلك قال: عند الترمذي بسند حسن في الحديث القدسي قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله: "ابن آدم، اركع لي أربع ركعاتٍ أول النهار أكْفِكَ آخره".
* عنايته بيوم الجمعة:
كان الشيخ ذا شأن في تعظيم دقائق وثواني يوم الجمعة فلا يضيِّع منه لحظة واحدة، يكثر العبادة والدعاء منذ مغرب يوم الخميس، يبدأ في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويحث على ذلك ويُذكِّر به، يقول ابنه: "حسبت له في إحدى المرات صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة فأحصيت خمسة آلاف مرة ولم يتوقف بل يستمر في ذلك حتى غروب شمس يوم الجمعة، وفي آخر حياته عندما انتقل إلى مكة كان يخرج من البيت مبكرا ويصلي الفجر في الحرم المكي ويبقى في مصلاه من بعد صلاة الفجر حتى يصلي العشاء، فكنت أشفق عليه من طول الوقت وأقول: نرجع للبيت لترتاح قليلا فيرفض ويقول: يا ولدي أهل القبور كم لهم نيام؟! لا تجعل أحدا يسبقك إلى الله".
* تعبده في رمضان:
إذا كان هذا هو حال الشيخ في سائر العام فكيف حاله في شهر العبادة؟ كان -رحمه الله- يُحيي السنة في شهر شعبان بالصيام، ويوقف دروسه العلمية وينتقل إلى الدروس المتعلقة بالصيام وحال السلف في رمضان، وكان عاملا بعلمه فإذا دخل رمضان أوقف الدروس كلها ووجدته عالما عاملًا يُحيي الليل كله ويختم في كل ثلاث إماما بالناس، ويعلو تلاوته الخشوع والتدبر، يقلل لقاءه بأهل بيته ويقول: هذا وقت العمل هذا وقت العمل فمن كان يتعلم ويعلم طوال العام ولم يجتهد في رمضان فمتى يجتهد؟! وكان يعتكف رمضان كاملا في كل سنة، ومنذ أول يوم في رمضان لا يكلم أحدا إلا قليلا ويقبل على القرآن وكثرة الختمات، وكان يصلي التراويح من بعد صلاة العشاء ولا ينتهي إلا قبيل الفجر بعشر دقائق، وقد ختم القرآن بالناس في آخر رمضان اثنتي عشرة ختمة، فاللهم اجعلها له نورا.
يُعظِّم العشر الأواخر من رمضان ويغتسل في كل ليلة منها ويأخذ كمال زينته ويتطيب بأحسن طِيبه، ويردد قول ابن عمر-رضي الله عنهما-: "فالله أحقُّ أن يُتزيَّن له"، وكان في مثل هذه الليالي قليل النوم شديد العبادة دائم الذِّكر مُكثر الختمات، وسأله ابنه ذات مرة كيف يقدر على هذه العبادة في كل أحواله مع قلة الأكل والنوم؟ فقال: "يا ولدي المسألة بركة من الله، إذا بارك الله حياتك كان القليل فيها كثيرًا".
وكان إمامًا في مسجده لما يزيد عن أربعين سنة، يختم القرآن منذ بداية شهر رمضان في كل ثلاث ليال مرة، وربما ختم في كل ليلتين، أنعم الله عليه بحفظ متين وإتقان شديد، فتراه يقرأ في الليلة عشرة أجزاء ونصف قراءة متقنة مسترسلة هادئة، يعلوها الخشوع، ختم القرآن في صلاة التراويح في آخر رمضان له ١٢ ختمة، كان يقتدي بالنبي في قيامه الذي تفطرت منه قدماه صلى الله عليه وسلم، وفي دعاء القنوت يدعو بدعوة عظيمة يقول فيها: (اللهم خفف عنا بقيامنا هذا قيام يومِ القيامة)".
* تعبده في عشر ذي الحجة:
من المواسم العظيمة التي يعتني بها العُبّاد ومنهم الشيخ أحمد ويفرط فيها كثير من المسلمين عشر ذي الحجة، فقد كان له فيها شأن عجيب، يجتهدُ فيها كاجتهاده في العشر الأواخر، فمنذ دخولها يقل كلامه وتبسمه وجلوسه مع أهله، ويختم فيها كل يوم ختمة-كعادته-ويصومها كاملة ويجهر بالتكبير في كل الأوقات والأماكن حتى في بيته وغرفته، يقول ابنه: "كنتُ أسمع صوته-رحمه الله- بعد أيام التشريق وقد أخذتهُ بحَّة من كثرة تكبيرهِ ورفع صوته إحياء للسنة، وكنت أرى منه العجب يوم عرفة، فإذا صلى الفجر رفع صوته بالتكبير وأخذ منه جزءا طويلا، ثم عاد فأكمل أذكار الصلاة، ثم يشرع في التكبير مرة أخرى، فإذا أخذ منه جزءا طويلا انتقل إلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" فيكررها كثيرا يزيد على ألف مرة ثم يعود للتكبير أيضا، فهذا حاله في مصلاه من بعد صلاة الفجر وحتى الساعة العاشرة صباحا، ثم يصلي الضحى وينام غفوة يسيرة، ثم يصلي الظهر ويبقى في مكانه ومصلاه حتى غروب الشمس، خاشعا، متواضعا، رافعا يديه يناجي ربه، ولا يقطع أذكاره ولا دعاءه لأي أمر كان فرحمه الله وبلَّغه أعلى الجنان".
* تربيته لأولاده:
يقول عبد الرحيم ابن الشيخ: "كان والدي-رحمه الله-يقوم يصلي من الليل ما شاء الله ثم إذا قرُب الأذان جاء يوقظ أهل البيت ويقول: "يا أولادي ركعتين لظلمة القبور، ركعتين يشرح الله بها صدوركم، ركعة أوتروا بها يُحبها ربكم"، وكان ينصحنا ويربينا دائمًا معشر أبنائه وبناته، ويفسر لنا قصة يوسف إذ نادته امرأة العزيز ثم يقول: "انتبهوا متى ما عرض لأحد منكم الحرام فليقل لنفسه مباشرة معاذ الله إنهُ ربي أحسنَ مثوايَ إنه لا يفلح الظالمون"، وكان أحرص شيء على تعليم أهل بيته القرآن والعمل به، حفظتُ على يديه القرآن فكان نِعم المربي لا يزجر ولا ينهر وإنما يعاتبك عتابًا يقرِّبك من الله ويُحبِّبك في كلام الله فيقول: "يا ولدي القرآن كلام من خلقك وأسبغ عليك نِعمه وهو دليلك إلى الخير في حياتك وأنيسك في قبرك"، ومن الأشياء التي ربَّانا عليها-رحمه الله- أنهُ كان لا يحبُّ أن ننقطع عن حفظ القرآن ومراجعته في الإجازات، بل يحرص علينا أشد الحرص في الإجازات، وإذا جاء الأحفاد والصغار يجعل لهم جوائز للمنافسة في حفظ القرآن ومراجعته، ويصرف جزءًا من وقته ليسمع منا الحفظ، ويقول: "القرآن عزيز وأهله لا يصبرون عنه، وإن أعطيتهُ كلَّ وقتك أعطاك بعض أسرارهِ وكنوزهِ، فلا تجعل له فَضل وقتك بل اجعل له أغلى وقتك"، وكثيرًا ما يُكرر علينا: "هل أمسكت المصحف اليوم أكثر أم الجوال؟ ويقول: إن كان المصحف أكثر فهنيئًا لك وسَل الله الثبات وازدد تمسُّكًا به، وإن كان الجوال أكثر فأحسن الله عزاءك في يومك ووقتك، وتذكَّر أن القرآن يسبقك إلى قبرك ويكون لك فيه جليسًا وأنيسًا، وأما الجوال فإنه يُسحب منك عند موتك ويتخلى عنك وقد يكون حسابه عليك عسير"، كان هذا من منهج تربيته لنا.
* حسن أخلاقه مع القريب والبعيد:
كانت بسمة الشيخ -أعلى الله درجته- لا تُفارق وجهه للصغير قبل الكبير، وللغريب قبل القريب، يعامل من جاءه كأنه من أحب الناس إليه، حتى مع أهله وأولاده وأحفاده، وبعد وفاته كان الأطفال يسألون عنه، صاحب قلب كبير ووجه وضيء وبسمة آسرة، وكان ملجأً لأصحاب الحوائج، يمضي في قضاء حوائجهم على اختلاف أعمارهم وحاجاتهم، فيسعى ويشفع ويعطي ولا يمنع، ولا يرد سائلا قصده ولو يعطيه ما في يده، وكان وصولا للرَّحِم منبسط الوجه لأرحامه، يهتم بأحوالهم ويديم السؤال عنهم، من قصده في حاجة قضاها له، يهتم بالصغير والكبير حتى يظن من جاءه أنه من أحب الناس إليه، وتلك صفة عزيزة، ومن حسن أخلاقه: أنه كان يطيل تكبيرة الدعاء في صلاة الجنازة ويوصي المصلين قبل الصلاة بقوله: (أخلِصوا الدعاء لأخيكم كما تُحبون لأنفسكم في يوم رحيلكم).
* قبوله النصح:
كان الشيخ -رحمه الله- متواضعا يحب الناصحين، ولا يتعالى على النصوص، وقد أراد بعض طلبة العلم أن يلتقوا به ليناقشوه في بعض الملاحظات التي عندهم عليه، فنُسق لهم لقاء مع الشيخ، ولما جلسوا معه بدأوا يوردون الملاحظات ملاحظة ملاحظة، والشيخ يجيب ويدافع عن نفسه إما بدليل أو أثر، ولم يضجر من الملاحظات أو يتأفف منها، وهكذا حتى انتهى ما لديهم، بعدها انتقل الشيخ بالمجلس للإفادة والتذكير، فكان مثالا على رحابة صدره وقبوله النصح.
* محبته للعزلة:
كان الشيخ -أعلى الله درجته- يحب العزلة، وهي التي يسميها العلماء بالخمول، فلم يكن يحب الاختلاط بالناس وحضور المناسبات إلا ما ندر، وكانت علاقاته محدودة، وقد خاض تجربة إلقاء المحاضرات داخل المنطقة وخارجها ثم انقطع ورأى أن تكون دروسه في جامعه، لأن برنامج الشيخ يختلف عن برامج الناس، فصلاته طويلة كما ذكرنا، ولا يناسبه إلا أن يكون الإلقاء بعد العشاء بساعة أو ساعتين، وهذا لا يناسبه ولا يناسب الناس، كما أنه معتاد على أن يدخل بعد الصلاة إلى غرفته ويذكر الله طويلا ولا يسمح لأحد بمقاطعته، ولذا فهو رجل متفرغ للعبادة قليل المخالطة.
* زهده في الدنيا:
كان الشيخ أحمد ممن يدفع الدنيا براحتيه، وكانت الدنيا تلاحقه! وقد بقي سنين طويلة يسكن فوق سطح المسجد في بيت سقفه من حديد، وهو الذي لو أراد السكن في أفخم الدور لم يعجزه ذلك، ولكنه كان منشغلا عنها، ورزقه ﷲ بالزوجات الصالحات اللاتي كنّ معه على الانصراف للآخرة، ومع ذلك فلقد مات الشيخ وهو ذو دنيا متسعة، قد أوكل غيره بتدبيرها، لا يتبعها نفسه، ولا يلوي رأسه إليها، ولو قال قائل: إنه لا يعرف قدر أملاكه فأظنه لن يخطئ.
* حسن خاتمته:
كان الشيخ عالما عاملا لم يتغير عن ذلك لا في صيف ولا شتاء، نحسبه لقي الله ثابتًا يوم زلت أقدام، ونحسبه ممن قال الله فيه: {مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا}.
يقول ابنه عبد الرحيم: "قرأتُ على والدي-رحمه الله-كتب السنن كلها ومن المواقف المؤثرة أني أتيتُ على قراءة قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: "أعذَرَ الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة" فلم يعلِّق بعده كعادته، فنظرتُ إليه فإذا عيناهُ تذرفان وقد أمسك بلحيته وهو يقول: "قرُب الرحيل، أسأل الله حسن الخاتمة"، وكنتُ أسمعه في جوف الليل يدعو ويناجي ويبكي ويقول: "اللهم إني أحببتُ لقاءكَ فأحبَّ لقائي"، ومن رآه في الحرم في آخر حياته وأيامه رأى أنه كان يواصل اليومين المتتالين بلا نوم، يصلي ويصوم ويدعو، فظني في الله أن الله قد أحبَّ لقاءه، ومن رآهُ في رمضانه الأخير رأى عجبًا، اعتكف في المسجد الحرام رمضان كاملًا ولم يغادر الحرم، وكان يختم في العشرين الأولى كل يوم ختمتين، وفي العشر الأواخر يختم كل يوم ثلاث ختمات، وفي ليلة العيد لم يخرج إلى بيته، بل جلس في معتكفه حتى صلى العيد، ثم خرج من الحرم الساعة الثامنة صباحًا.
ختم القرآن في آخر رمضان في حياته سبعين ختمة وكان مكثرا من التلاوة، خفف الله القرآن على لسانه حتى كأنه الفاتحة، ويسأل الكثير كيف ذلك؟! فأقول: الوالد-رحمه الله-كان يحافظ على الثانية فضلا عن الدقيقة في جدوله ولم يكن يحمل الجوال، وكان يدخل المسجد الحرام من قبل الظهر ولا يخرج إلا بعد صلاة الفجر وجلسة الإشراق من اليوم التالي، كل هذا الوقت وهو بين المصحف والصلاة والطواف ولا ينشغل عنها ولا ينام إلا قليلا، وكان يصلي التراويح فإذا فرغ الإمام قام وصلى لنفسه حتى قبيل الفجر بدقائق معدودة، (قومٌ عرفوا قيمةَ ما يطلبون؛ فهانَ عليهم ما يبذلون)، هذا كان حال والدي في رمضان الماضي كانت عبادته عجبا واجتهاده عجبا لم أعهده منه قبل ذلك، قَلَّل من نومه فلا يكاد ينام إلا وهو في مصلاه ماسكا مصحفه وأحسب أنَّ الله قد عسَّله واصطفاه وختم له بالحسنى، فـيارب بلغه أعلى النعيم.
جاء في الصحيح عن روح المؤمن: (فتخرجُ تَسِيلُ كما تسِيلُ القَطْرَةُ من فِيِّ السِّقَاء) لقد رأيت معنى هذا الحديث حقا عند خروج روح والدي-رحمه الله- فوالله أنها خرجت في لطف عجيب وهدوء يملأ المكان ويسر لم أر مثله بلا نصب ولا عناء، وآخر ما قال: "الحمدلله، الحمدلله، الحمدلله"، والله وبالله وتالله أن الله جبر قلوبنا بما رأينا من حسن خاتمة والدي وحبيب قلبي فوالله أن وجهه يتلألأ نورًا وأن البسمة في وجهه مثل بدر التمام، فما ظنكم بحبيبٍ لقيَ حبيبه؟!".
توفي الشيخ العابد الزاهد أحمد بن محمد الحواش يوم السبت 16/5/1444هـــــ بمكة المكرمة، رحمه الله، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
يقف المرء متعجبا أمام هذه السيرة العطرة، لرجل معاصر عاش في زماننا ولكنه بلغ في العبادة مبلغا عجيبا، فهو حجة علينا في هذا الباب، فلا يتعذر أحد بكثرة الانشغالات، أو بتغير الزمان، أو ضيق الوقت، بل يقرأ هذه السيرة ويكررها ويقتدي بها حتى يرفع من عبادته وإقباله.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الخامسة عصرا من يوم الاثنين
العاشر من ربيع الآخر لعام ثمان وأربعين بعد الأربع مائة والألف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق