السبت، 5 سبتمبر 2026

لفتة (64) صراع التائب مع الشيطان

[64]

صراع التائب مع الشيطان

الاثنين 1448/3/18

خلقنا الله جل وعلا لعبادته وأخبرنا أن الشيطان عدو لنا فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، ومن رحمة الله بنا أنه لم يجعل للشيطان طريقا إلا الوسوسة، وأمرنا بمدافعتها فقال سبحانه: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، ومع أن الشيطان ليس معه إلا الوسوسة لكنه يحترف استعمالها حتى حقق بها أثرا كبيرا في الإضلال، واحترافه في أمرين:

          الأمر الأول: معرفة نقطة ضعف المسلم، فكل أحد منا له نقطة ضعف، فهذا يضعف عند المال، وهذا يضعف عند النساء، وهذا يضعف عند الخوف، وهكذا، فأول ما يبتدئ به الشيطان معرفة نقطة الضعف.

          الأمر الثاني: تكثيف الوساوس فيها، فهو يركز تركيزا كبيرا على نقطة الضعف ويكثر الوساوس فيها حتى يسقط الشخص من خلالها.

فهذان الأمران يقوم بهما الشيطان مع المسلمين عموما، وأما مع التائبين فإنه يزيد من كثافة الوساوس بشكل جنوني، فيستغرب التائب من هذا الضغط الشديد ويتهم نفسه بالمرض أو النفاق لعدم إدراكه لحرب الشيطان له، وسر ذلك أنه قد بذل مع هذا التائب جهدا طويلا لسنوات حتى يوقعه فيما أوقعه فيه، وهو لا يريد أن تضيع جهوده بالتوبة، ولذا يُكثّف الوساوس عليه قدر ما يستطيع، ويشتكي كثير من التائبين من هذه الوساوس ويقول: لا أدري لماذا أصابني بعد التوبة وساوس شديدة خاصة في الأمر الذي أضعف فيه؟!

وللشيطان الرجيم في وسوسته للتائب صور، أهمها:

1.    الوسوسة إليه بعدم التواصل مع المشايخ بحجة عدم الإثقال عليهم.

2.    الوسوسة الدافعة لتأنيب الضمير المبالغ فيه، والتي تدفع لليأس وترك الطاعة.

3.    الوسوسة إليه عند التقصير في شيء من الطاعات بأنه لا فائدة من سائر الطاعات باقي اليوم.

4.    الوسوسة إليه بعدم جدوى التوبة إذا لم يجد الآثار التي يريدها سريعا.

5.    الوسوسة إليه بتضخيم المعاصي التي كان يفعلها، وأن التوبة منها صعبة، وأن غفران ذنوبها أصعب.

6.    الوسوسة إليه بأن نفسه فاسدة، وأنه منافق، وأن التوبة والطاعة للأطهار فقط.

7.    الوسوسة بتقديم النوافل على الفرائض، كتقديم قيام الليل على صلاة الفجر.

8.    الوسوسة بالإكثار من الطاعات فوق ما يستطيع حتى يتعب وينقطع.

9.    الوسوسة للتائب بأنه يمكن أن يتوب دون توجيه شيخ حتى يتفرد به ثم يعيده.

وبعد ذلك ما العلاج؟

·       من رام علاج الوسوسة والانتصار على الشيطان فعليه بالاستعانة بالله جل وعلا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، والتعوذ بالله من الشيطان مستحضرا عند قولها الاستعانة بالملك سبحانه.

·       اعرف المعصية التي تضعف عندها وعالجها علاجا عميقا، وقد فصّلت ذلك في استشارة: "كيف أعالج الذنب الذي أحبه؟".

·       مجاهدة النفس وعدم الملل من ذلك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، قال ابن سعدي: "أي: الطرق الموصلة إلينا"، والمجاهدة هي وظيفة الحياة التي لا تنتهي إلا بخروج الروح، لأن الله قد قدّر قيام هذه الدنيا على التعب، ومن فهم أن المجاهدة على التوبة والاستقامة تكون مرة واحدة أو وقتا يسيرا فقد أخطأ الطريق، فإن المعركة مع الشيطان لا تنتهي إلا بخروج الروح، وتأمل -يا رعاك الله- في هذا الموقف العظيم: يروي عبد الله بن أحمد بن حنبل قائلاً: "حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده وبيده الخِرقة، وهو في النزع، فكان يغرق حتى نظن أنه قد قضى، ثم يفيق ويقول: لا بَعْدُ، لا بَعْدُ. ويشير بيده، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبتِ إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني! ما تدري؟ فقلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قام بحذائي، عاضًا على أنامله. يقول: يا أحمد! فتَّني؟ وأنا أقول: لا بعدُ، حتى أموت"، فهذا الإمام الفقيه أحمد بن حنبل يرى في سكرات الموت بأن معركته مع الشيطان لم تنته بعد، فكيف بنا نجاهد الشيطان مرتين أو مرتين ثم نترك ونستسلم؟!

·       إشغال الذهن بما ينفع، فكما أنك تشغل فراغ وقتك، فأنت بحاجة إلى إشغال فراغ ذهنك، لأن الذهن مثل الطاحونة لا يمكن أن يقف، فإن لم تشغله بالنافع شغلك بالضار، وقد فصلت عمليا في كيفية ذلك في مقال: "الحاجة إلى التفكير".

  سؤال اللفتة: هل أدركت طرق الشيطان وطرق مقاومته؟

اللهم انصرنا على أنفسنا وشياطيننا وأعدائنا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لفتة (64) صراع التائب مع الشيطان

[64] صراع التائب مع الشيطان الاثنين 1448/3/18 خلقنا الله جل وعلا لعبادته وأخبرنا أن الشيطان عدو لنا فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ...