نافذة الاستشارات (33) | ما علامات صحة الطريق؟
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم.. من أكثر ما يؤلم النفس أن يسير طالب العلم في التحصيل فترة ثم يكتشف بأنه يطلب العلم بطريقة خاطئة، فهل هناك علامات يتأكد بها الطالب من صحة سيره في طريق الطلب؟
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:
فإن طالب العلم عموما والمبتدئ خصوصا بحاجة إلى ثلاثة أمور:
· الأمر الأول: الاستعانة بالله والاعتماد عليه، وذلك لأن العلم رزق، والله هو الرزاق سبحانه.
· الأمر الثاني: الصبر، فيتفاوت المشايخ والطلاب تفاوتا كبيرا بسبب ما يملكونه من الصبر.
· الأمر الثالث: دقة سلوك الطريق، فليس كل من دخل العلم سار فيه سيرا دقيقا، ولذا قد يبذل الطالب خمس سنوات أو عشر ثم يتفاجأ بأخطاء كبيرة في طلبه للعلم، ولذا تأتي الحاجة للحديث عن علامات صحة الطريق، وهي ما سألت عنه، وسأتحدث عن أربع علامات تدل على صحة الطريق من وجهة نظري، ولعلك تعرض هذا السؤال أيضا على أهل العلم وستجد عندهم ما لم تجد عندي.
- العلامة الأولى: أن تكون دراستك على شيخ أدمن التدريس وله نتاج كبير، فالمشايخ المكثرون للتدريس، غالبا تجدهم متقنين للعلم وقد وصلوا إليه، ولذا من يدرس عليهم يصل، أما من قلّ تدريسه ففي الغالب أنه ليس متقنا للعلم، ثم هؤلاء المكثرون من التدريس على نوعين: منهم صاحب النتاج الكبير، ومنهم صاحب النتاج القليل، ومن علامات صحة سيرك في طلب العلم أن تكون دراستك على شيخ أدمن التدريس وله نتاج كبير، لأنك ستجد عنده الإتقان، وستجد النتاج الكثير الذي يجعلك تنجز فيه في وقت قصير، ومن أسباب ضعف طالب العلم دراسته على من لم يُعرف بالتدريس، وعلى من ليس له نتاج أو نتاجه قليل مبعثر!
- العلامة الثانية: موافقة المنهجية العامة لطلب العلم، فإن لطلب العلم منهجية قررها العلماء وتحدثوا عنها من قديم، وهذه المنهجية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة متفق عليه بين العلماء، والخاصة مختلف فيها، فمن المنهجية العامة المتفق عليها: أهمية الإخلاص في طلب العلم، والتحصيل على قاعدة التدرج، ودراسة العلم على الكتب المعتمدة في البلد وغير ذلك، والمشكلة ليست في وقوع الخلاف في المنهجية الخاصة، وإنما في وقوع الخلاف في المنهجية العامة، فعندما يقول الشيخ: أنا أخالف تقسيم طلاب العلم إلى ثلاث مستويات مبتدئين ومتوسطين ومتقدمين! فهذه مشكلة كبيرة، لأنه سيولد لطلابه مشكلات ما كان لهم أن يواجهوها، فستجده مثلا يُدرّس المطولات للمبتدئين ويقنعهم بأن تعثرهم بسبب فشلهم وقلة اجتهادهم! مع أنه هو المخطئ الذي درس للطلاب كتبا لا تناسبهم! أو تجد الشيخ مثلا يدرس الشبهات والرد عليها في أول تدريسه الاعتقاد، وهذا مخالفة لقاعدة من قواعد المنهجية العامة، فإن طالب العلم يدرس اعتقاد أهل السنة حتى يضبطه ثم يدرس بعد ذلك اعتقاد المخالفين والرد عليهم إن رغب ذلك! وهذا يدعوك لأهمية إتقان منهجية العلم والتفريق بين المنهجيات العامة والخاصة.
- العلامة الثالثة: أن يُحصّل الطالب العلم ويقدر على مراجعته، فمن علامات صحة طريق الطالب أن يُحصّل فائدة علمية من الدرس، ويقابل هذا تحصيل الفوائد الإيمانية، وطالب العلم بحاجة إلى الدروس الإيمانية، لكنها لا تكون كل شيء، بل يكون عنده درس إيماني ودروس علمية، ومن علامات نيله للفوائد العلمية قدرته على مراجعة ما حصّله، فإذا عاد إلى بيته ووجد دفتره مليئا بالفوائد، ثم عاد فاستمع إلى تسجيل الدرس واستفاد منه أكثر مما كتب، ثم ذهب ليحفظ تلك المعلومات ويتفهم ما لم يفهمه منها فهو على الطريق الصحيح، لكن إذا وجد دفتره خاليا، ثم استمع لتسجيل الدرس فلم يستطع أن يدون منه شيئا، فهذا يدل غالبا على أن الدرس غير مفيد، والطالب بحاجة إلى تغييره، لأن الدرس النافع يرتقي بمن يحضره باستمرار، وانتبه يا رعاك الله لمشاعرك فإنها كثيرا ما تختلط مشاعر اللذة والهيبة بقضية الانتفاع، فيظن الطالب أنه إذا تلذذ بالدرس ورأى هيبة الشيخ والعلم استفاد وحصّل والحقيقة أنه لا علاقة بينهما!
- العلامة الرابعة: ترقيك المستمر، وهو يظهر في أربعة أمور:
o الأول: زيادة المعلومات والمهارات.
o والثاني: ارتقاء التصورات.
o والثالث: جودة الأسئلة.
o والرابع: إنجاز خطة الطلب.
فتنظر في نفسك وتقيّمها، هل زادك معلوماتك في هذا الفن الذي تدرسه؟ وهل زادت مهاراتك العلمية في تحصيل العلم والتعامل مع مصادره؟ ثم تنظر في تصوراتك، فالعادة جرت أن من سار على الطريق الصحيح تحسنت تصوراته وارتقت نتيجة المعلومات التي يتلقاها ونتيجة تأمله في تلك المعلومات، ثم تنظر في أسئلتك هل تتولد الأسئلة النافعة عندك باستمرار؟ فالطالب الخامل ليست عنده أسئلة يطرحها، وإذا سأل فأسئلته غير نافعة! ثم تنظر في خطة طلب العلم هل أنت تنجز فيها كتابا تلو الآخر؟ أم لا زلت واقفا على الدرجة الأولى؟!
والله أعلم وأحكم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق