نافذة الاستشارات (32) | كيف أتعامل مع أخطاء أولادي؟
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لا يخفاك أن أولادنا يقعون في أخطاء كثيرة وأحتار في كيفية توجيههم والتعامل معهم، فلعلك تفيدني في هذا الأمر جزاك الله خيرا.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:
فإن معرفة كيفية التعامل مع الأخطاء مهارة من مهارات الحياة الأساسية، لكثرة الأخطاء اليومية التي نقع فيها، أو يقع فيها غيرنا، وقد كُتب في ذلك كتب، وأقيمت محاضرات ودورات، ونحن جميعا بحاجة الاطلاع عليها والاستفادة منها، لكنني أشير هنا ببعض القواعد المهمة في التعامل مع أخطاء الأولاد كما أردت مني:
- أولا: أهمية معرفة طبيعة البشر، وأننا جميعا مجبولون على النقص والقصور، ويستحيل أن نسلم من الأخطاء، ويتأكد هذا عند الصغار، فهم يخطئون في اليوم الواحد عشرين أو ثلاثين مرة! ومطالبتهم بترك الخطأ ضرب من الخيال، ويقينك بهذا يعينك على الرفق بنفسك وأولادك، والمطالبة بالكمال تتعبك وتتعبهم.
- ثانيا: اسمع قبل أن تحكم، فالمربي الفطين يُعوّد نفسه دائما على السماع من المخطئ، وسيجد أجوبة عجيبة توقفه على قلة فهم المتربي، وكثرة جهله، وعدم إدراكه لطبيعة الحياة، ومن ترك السماع لم يستطع معالجة الخطأ لأنه لا يدري ما سببه؟ وما باعثه؟
- ثالثا: تعليم المتربي، ولذلك لأن غالب أخطاء الناس عموما وأولادنا خصوصا نابعة من جهل لا عناد، ولذا كلما زاد جهدك في تعليم أولادك قلت أخطاءهم، ومن أشهر الأخطاء التي نقع فيها أننا نعامل أولادنا بنفس المستوى العقلي والعلمي الذي وصلنا نحن له الآن، بينما الفارق بيننا وبينهم كما بين السماء والأرض، وأذكر مرة أن أحد طلابي أخطأ فناديته وسألته لم فعلت كذا وكذا؟ فقال: وما المشكلة فيما فعلت؟ قلت: المشكلة أنك وقعت في خطأ، قال: ليس بصحيح لم أخطئ فيما فعلت! فعرفت أنه يجهل فشرحت له الأمر حتى اقتنع، فقال: أول مرة أعرف أن ما فعلته خطأ، قلت: وهل تمت لك المعرفة الآن؟ قال: نعم، قلت: اذهب عفا الله عنك، قال: لن تعاقبني؟ قلت: لا، فذهب متعجبا كيف يخطئ وأتركه بلا عقاب!
ومن التنبيهات هنا: أن تعليمك لولدك لا يلزم منه فهمه الكامل لكلامك، فقد يفهم ربع كلامك أو نصفه، وقد لا يفهم منه شيئا! وقد يكون الخلل في أسلوبك الصعب، ومن التنبيهات أيضا: أن التهديد ليس من التربية ولا التعليم!
- رابعا: تذكير المخطئ، فالولد إذا عرّفته بالخطأ والصواب، غالبا سينسى كلامك، ويقع في الخطأ مرة ثانية، ولذا هو بحاجة للتذكير، وهذه الحاجة تختلف باختلاف الأخطاء، فقد يحتاج التذكير مرتين وقد يحتاجه ثلاثا أو خمسا، وكذلك تحتاج أن تنوع في طريقة التذكير، مرة بطريقة مباشرة، وأخرى بطريقة غير مباشرة، وقد تذكره قبل وقت الخطأ، فإذا كان يخطئ في المسجد فتذكره قبل الدخول مثلا.
- خامسا: بيان العلة، لو تلاحظ ستجد أن أولادك كثيرا ما يسألونك قائلين: لماذا؟ ليش؟ والمربي الناضج يملك تعليلات قوية على يفعله أولا، وعلى ما يأمر به وينهى عنه ثانيا، والمربي الضعيف هو الذي يتصرف بتصرفات ليس عنده مبرر لها، ويأمر وينهى بطريقة مزاجية.
- سادسا: العفو، فعدد من المربين يسيرون على قاعدة لكل خطأ عقوبة، وهذا خطأ كبير، فالشريعة قد حثتنا على العفو، وأولادنا أول من يستحقه، ومما يعينك عليه تأمل نصوص العفو: قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقَصَت صَدَقةٌ من مالٍ، وما زاد اللَّهُ عبدًا بعفوٍ إلَّا عِزًّا، وما تواضَع أحَدٌ للهِ إلَّا رفَعَه اللَّهُ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ اللَّهِ، كم نعفو عن الخادِمِ؟ فصَمَت، ثمَّ أعاد عليه الكلامَ، فصَمَت، فلمَّا كان في الثَّالثةِ قال: اعفوا عنه في كُلِّ يومٍ سَبعينَ مَرَّةً)، وقد تسأل: لم أعفو؟ فالجواب:
o أولا: لطلب الأجر والثواب.
o ثانيا: لأن غالب الأخطاء تقع عن جهل أو نسيان.
- سابعا: العقوبة، وتأمل متى وصلنا إليها، فنحن قد بذلنا كل ما في أيدينا من أساليب، وصبرنا كثيرا، لكننا إذا وجدنا الولد يعرف الخطأ ويرتكبه عن علم وعمد فهنا يستحق العقوبة، وذلك لأن النفس تتمرد، وتحتاج إلى حزم في ضبطها، وفي العقوبة تنبيهات:
o التنبيه الأول: ضرورة وجود العقوبات في التربية، فالتربية الخالية منها تصبح هشة لا أثر لها، والنفوس تسير بالترغيب والترهيب.
o التنبيه الثاني: أن مفهوم العقوبة واسع فليس مقتصرا على الضرب، وإنما يدخل فيه الحرمان من الأمور التي يحبها الولد، وكذلك العقوبة بالتكليف بإنجاز بعض المهام.
o التنبيه الثالث: مقصود العقوبة إصلاح المتربي لا شفاء الغليل وفرق بينهما، ومما يعينك على التفريق أن تعاقب ولدك وقت رضاك لا غضبك، فإذا أخطأ وغضبت تقول له: سأعاقبك بعقوبة أخبرك بها الليلة أو غد، وإذا ذهب عنك الغضب حكمت على الموقف بعدل ورأيت هل يستحق العقوبة أم العفو؟
o التنبيه الرابع: أن تكون العقوبة بالتدريج، فتعاقب أول مرة عقابا خفيفا، ثم تزيده في الثانية، ومن الخطأ إنزال أشد العقوبات على أول أو أبسط خطأ، لأن العقوبات صلاحية قد تفقدها ثم تعجز عن السيطرة على أولادك.
o التنبيه الخامس: إذا كانت العقوبة هي الضرب فيشترط ألا يكون ضربا مبرحا، قال ابن عثيمين: (أما ضربه للصلاة فلا يجوز قبل العاشرة، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حددها، وأما ضربه للتأديب فلا بأس ولو قبل العاشرة إذا كان ينتفع بذلك ويتأدب، ويضرب لعشر للصلاة ولغير الصلاة في السن الذي ينتفع فيه بالتأديب يضرب، ويقيد الضرب في كل أحواله بأنه غير مبرح)، ويشترط أن ينتفع بالضرب وهذا يتحقق في الطفل المميز، وأن يكون الضرب في المكان النماسب، قال ابن عثيمين: (إذا كان الطفل يتأدب بالضرب ولم يكن بد منه فلا بأس به، وقد جرت عادة الناس على هذا، وإذا كان ما يتأدب كطفل في المهد جعل يصيح فتضربه أمه مثلاً هذا لا يجوز، لأن فيه إيلاماً بلا فائدة، والمدار كله على هل هذا الضرب يتأدب به الطفل أو لا يتأدب؟ وإذا كان يتأدب به فلا يضرب ضرباً مبرحاً، لا يضرب على الوجه، ولا على المحل القاتل، وإنما يضرب على الظهر أو الكتف أو ما أشبه ذلك مما لا يكون سبباً في هلاكه).
- ثامنا: الدعاء، فالله جل جلاله هو المصلح والهادي، ونحن نبذل الأسباب لكن قلوبنا متعلقة به مفتقرة إليه في إصلاح أولادنا وهدايتهم، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وأذكر يوما أنني قابلت رجلا له أولاد صالحون يضرب بهم المثل، فسألته عن سر صلاحهم، فقال: لا أسجد لله سجدة إلا ودعوته سبحانه أن يصلحهم.
الحديث في هذا الموضوع طويل، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق