الجمعة، 29 مايو 2026

نافذة الاستشارات (26) | ما فائدة المحاضرات؟

نافذة الاستشارات (26) | ما فائدة المحاضرات؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن في زمن السرعة، وقد ارتبط كثير من الناس بالمقاطع القصيرة، وأصبحوا لا يتحملون الطرح الطويل، فلم يبذل جملة من الدعاة جهودهم في إلقاء المحاضرات والدروس الطويلة؟ أليس من الأنفع توجيه الجهود لخطب الجمعة والكلمات القصيرة؟ والله يحفظكم.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فقد سرني هذا السؤال لأنه قد تكرر علي كثيرا حتى وجدت الحاجة ملحة لكتابة جواب عنه، ومن الله الهداية والتوفيق.

1-   على الداعية أن يبذل جهده في استخدام جميع الوسائل لتبليغ دعوته إلى الناس، فيلقي الدروس، والمحاضرات، والخطب، والكلمات، ويسجل المقاطع الصوتية والمرئية، ويكتب العبارات القصيرة، والمقالات، والكتب، ولا يترك شيئا يستطيع فعله لتبليغ دعوته إلا استخدمه، وكلما قصّر الداعية في الانتفاع بالوسائل ضعفت دعوته.

2-  علينا أن ندرك أن لكل وسيلة فائدة لا يمكن أن تتحقق بالوسائل الأخرى، وبالتحديد المحاضرات والدروس، ففيها ما ليس في غيرها، والمطالبة بتقديم مادتها في الكلمات لا يمكن!

o      فالكلمات تقدم فكرة مركزة في دقائق معدودة، كالحديث عن أهمية التوبة أو فضل الصبر

o      والمحاضرة تقدم تأصيلا شاملا لموضوع من الموضوعات في مجلس واحد، كشرح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو التوجيهات الشرعية في تربية الأبناء.

o      والدرس يشرح كتابا كاملا على مجالس متفرقة، كشرح كتاب الدروس المهمة لعامة الأمة، والأربعون النووية، وكتاب التوحيد.

إذا فهمنا هذا عرفنا أنه لا يمكن أن تشرح صفة الصلاة في عشر دقائق، ولا يمكن أن يشرح كتاب التوحيد في ربع ساعة، فالمحاضرة تقدم ما لا تقدمه الكلمة، والدرس يقدم ما لا تقدمه المحاضرة، فلا يصح خلط الأوراق.

3-   السبب الحقيقي في ضعف الناس اليوم هو تأثرهم بالفتن وانغماسهم في الدنيا، فالناس تختلف أحوالهم في الإقبال على الدين والدنيا، وقد كانوا مقبلين في سنوات سلفت على الدين، وهم اليوم مقبلون على الدنيا مشتغلون بها، وهذا هو الذي تسميه الشريعة بالوقوع في الفتن، وهو أمر خطير نحتاج أن ننبه أنفسنا وإخواننا عليه، حتى لا يأتينا الموت ونحن في غفلة!

4-   عند التأمل نجد أن كل مشاكلنا في حياتنا إنما هي بسبب الجهل، فكلما زادت مساحة جهلنا زادت كمية أخطائنا ومشاكلنا، فالأخطاء في العبادات بسبب الجهل، والظلم في المعاملات بسبب الجهل، والوقوع في المنكرات بسبب الجهل، وتشرب المفاهيم المغلوطة بسبب الجهل، والجهل كما قال ابن القيم شجرة تنبت فيها كل الشرور، وبناء عليه فنحن بحاجة إلى تعلم كثير، وحاجتنا إلى التعلم لا تنتهي إلا بخروج أرواحنا من الأجساد، وحتى تتضح لك هذه الصورة اطلع كرما على مقال كتبته بعنوان: "منهجية بناء المدعوين"، كتبته للدعاة والمدعوين جميعا، فيستفيد منه الداعية معرفة ما يُدرّسه للمدعوين، ويستفيد منه المدعو معرفة ما يحتاج إلى تعلمه، حتى يبحث عن الدروس التي تساعده على إتمام هذه المنهجية.

5-   فرق في الانتفاع بالعلم بين الطرح القصير والطرح الطويل، وفرق بين ما يستعد له المرء بورقة وقلم وبين ما يسمعه سماعا عابرا، فلا يمكن قياس الأثر الإيماني والعلمي المتحصل بالكلمات بالأثر المتحصل بالمحاضرات والدروس.

6-    يقول بعضهم لم لا ينزل الداعية إلى الناس؟ والجواب: أن النزول إلى الناس يكون صوابا في أسلوب الخطاب والأساليب المستخدمة وخطأً إذا كان في الهمة، فحديث الداعية بأسلوب يفهمه الناس صواب، واختيار الأساليب التي تناسب الناس وتصل إليهم صواب، لكن نزول همة الداعية إلى همة الناس خطأ، فهو جاء ليحملهم لا لينزل إليهم ويضعف بضعفهم!

7-   عندما نطالب بالسرعة والاختصار في الطرح الدعوي ما الذي سنذهب إليه ونشتغل به بقية أوقاتنا؟ الدنيا والملهيات وما يفسد قلوبنا وآخرتنا؟ أليس صلاحنا وزيادة إيماننا في الجلوس في المساجد وسماع ذكر الله؟ أفلا نستفيق وننتبه من غفلتنا؟!

8-   غالب من ينتقد على الدعاة الإطالة لا يصبر على التعلم، والمفترض أن يُدّرب نفسه على الصبر بدلا من الإنكار وتخطئة ما ليس بخطأ! فالاعتراف بضعف النفس مقام شريف يحمل المرء إلى ما ينفعه في الدارين.

9-  من صفات الداعية الصبر، وإذا لم يصبر على قلة الحضور فمتى سيصبر؟ ومن صفات المؤمن الصبر وإذا لم يصبر على مجالس العلم والإيمان فمتى سيصبر؟

10- السماع من حاجات الإنسان، لكن يختلف الناس في صرفها، فمنهم من يصرفها لما يضره، ومنهم من يصرفها لما ينفعه، وانظر لمشاهدات الناس اليوم للبودكاستات، والبثوث، والمقاطع، التي لا يخرج من أغلبها بشيء ينفعه في دينه! والبعض ينتقد إطالة الداعية لكنه يستمتع بإطالة متحدثي اليوتيوب وأبطال الشاشات! كل هذا يدل على أن هناك حاجة للسماع، لكن هذه الحاجة تحتاج إلى توجيه.

11- مهما زهد الناس في الحضور للمحاضرات والدروس فيجب أن نثبت عليها ولا نقطعها، لأننا إذا قطعناها اليوم قد لا نستطيع العودة إليها مطلقا، ولأن لها جمهورها خاصا، لا يرضى بالكلمات والطرح السريع!

أرجو أن يكون جوابي شافيا عن هذا الانتقاد، وقد أطلت الجواب لأن الشبه تكون قصيرة العبارات، لكنها محملة بكم كبير من المغالطات، والله اسأل أن يرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لفتة (61) قضايا التعليم الكبرى

[61] قضايا التعليم الكبرى الجمعة 1440/10/18 ستة عشر عامًا يمكثها الطالب على مقاعد الدراسة يدرس فيها عشرات المناهج، ويمر على آلاف الم...