[21]
النهضة اليومية
كثيرون هم الذين يتمنون الإنجاز في حياتهم ويسعون إليه، لكن يغيب عن بالهم أن الإنجازات الكبيرة تتحقق بأفعال صغيرة يثبت الناجحون على فعلها، يقول مشاري الشثري: (لا تحدثني عن قدراتك الفائقة وآمالك الكبرى وخططك المستقبلية، حدثني فقط عن إنجازك اليومي فهو برهان آمالك وعنوان نهاياتك)، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال، فنهضتك الحياتية نتيجة لنهضتك اليومية، لكن السؤال: كيف أضبط يومي؟ وكيف أغتنمه؟ وكيف أحقق النهضة فيه؟ هذا ما أسعى للإجابة عنه في الأسطر القادمة.
1- أهم ما يضبط يومك: قيامك بالورد العبادي وأخذ كفايتك من النوم، وإذا أخللت بأحدهما أو كليهما فتيقن أن يومك سيتعثر ويتخبط ولن تنجز فيه شيئا، فالعبادة روح المسلم ومنطلق سعادته وسبب نشاطه وقوته، وتأمل في قصة فاطمة -رضي الله عنها- عندما أرادت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادما فقال لها: (...ألا أُخبركما بخيرٍ مما سألتماني قالا: بلى فقال: كلماتٍ علَّمنيهِنَّ جبريلُ عليهِ السلامُ فقال: تُسبِّحانِ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ عشرًا وتحمدانِ عشرًا وتُكبِّرانِ عشرًا وإذا آويتُما إلى فراشكما فسبِّحَا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبِّرَا أربعًا وثلاثين قال: فواللهِ ما تركتهُنَّ منذُ علَّمنيهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: فقال لهُ ابنُ الكَوَّاءِ ولا ليلةَ صِفِّينَ فقال: قاتلكمُ اللهُ يا أهلَ العراقِ نعم ولا ليلةَ صِفِّينَ)، وجاء في أذكار الصباح والمساء هذا الدعاء العظيم: "إذا أصبحَ أحدُكم فليقل أصبَحنا وأصبحَ الملْكُ للَّهِ ربِّ العالمينَ اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَ هذا اليومِ فتحَهُ ونصرَهُ ونورَهُ وبرَكتَهُ وَهداهُ وأعوذُ بِكَ من شرِّ ما فيهِ وشرِّ ما بعدَهُ ثمَّ إذا أمسى فليقل مثلَ ذلِكَ"، وقال الضياء المقدسي: "أوصاني شيخي فقال: أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه، فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ، قال الضياء: فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأت كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي"، وأما ما يتعلق بالنوم فمعلوم أن الجسد لا ينطلق في أداء العمل بنشاط حتى يكون قد أخذ حظه من النوم والراحة، وعدم ضبط النوم يُضيّع اليوم.
2- من التصورات الخاطئة عند البعض أنه يظن أن ترك الأوراد العبادية سبب لاغتنام الوقت وحصول الإنجاز، ولذا تجده يدخل متأخرا إلى المسجد ويخرج مبكرا، تاركا الأذكار والسنن الرواتب أو آتيا بها على سبيل السرعة! وهذا كله من وسوسة الشيطان وتلبيسه، وفي المقابل تجد من يُقصّر في النوم بحجة الإنجاز، فيتأخر في الذهاب إلى الفراش فيكون عاقبة ذلك تضييع صلاة الفجر أو التفريط في الواجبات التي عليه، كالتأخر عن الدوام مع التعثر في أعمال اليوم التالي! والصواب أن يُقدّر وقت جسده كما يقدر وقت أهدافه، ويعلم أن هذا الجسد يحتاج لإكرام، لأنه الوسيلة إلى تحقيق مراداته.
3- قراءة وردك بعد الفجر له مزيتان: الأولى: المحافظة عليه، والثانية: طرح البركة في سائر يومك، أما تأخيره إلى المساء فيفوت في أحيان كثيرة، ويجعل البركة محصورة في آخر اليوم!
4- تذكر يا صاحبي أن الذنوب من أعظم موانع النهضة، وقد فصّل في آثارها ابن القيم في الداء والدواء، ومما ذكر: "قصر العمر ومحق بركته"، فالمرء يرى آثار المعصية في محق بركة يومه -نسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا-.
5- الناجحون هم أصدقاء الصباح، لأن البركة فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللَّهمَّ بارِكْ لأمَّتي في بُكورِها)، وللصباح مزايا: كطول الوقت، ونشاط المرء، مع هدوء الحياة غالبا، ومن بدأ في العمل بعد الظهر أو العصر لم يشعر بكبير نشاط مع عدم إنجازه لما أراد، ومن لم يعتد على العمل الصباحي فهو بحاجة لمجاهدة نفسه، وأذكر أن أحد الأصدقاء اتصل بي ذات يوم يشكو عدم قدرته على الإنجاز وتحقيق الأهداف، فأوصيته بصباح عطلة الأسبوع، فقال: أتريد أن أترك نوم صباح عطلة الأسبوع؟ قلت: يكفيك نوم الليل كبقية أيام الأسبوع ولا مانع من القيلولة، فقال: عذرا فهذه النومة لها مذاق خاص! قلت: فعلا مذاقها أعظم من مذاق تحقيق الأهداف!
6- حاسب نفسك نهاية كل يوم على ما عملته، واشكر الله على ما فيه من خير، واستغفر الله عن الذنب والتقصير، وبناء على تلك المحاسبة قم بكتابة جدول اليوم التالي، وإياك والاعتماد على الذاكرة في تحديد الأهداف اليومية، فإن الكتابة أقوى من الذاكرة، وأجود في ترسيخ الأهداف وتوجيه الهمة إليها، والمنجز لا ينطلق للعمل إلا وأهداف ذلك اليوم مكتوبة وواضحة، لأن النفس تنجز ما قُرر لها.
7- مما جربته ووجدت له نفعا جعل أوقات النشاط للأعمال الذهنية، وأوقات الخمول للأعمال الجسدية، فمثلا بعد الفجر مباشرة يقضى في الحفظ والكتابة حتى يكل الذهن، وبعدها تشتغل بالأعمال الجسدية كإنجاز أعمال البيت أو الأعمال الحاسوبية.
8- من أهم قواعد الإنجاز: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا)، فهذا الحديث أصل من أصول النهضة اليومية وتطبيقاته كثيرة، منها:
o التطبيــق الأول: أن الأهداف الكبيرة تتحقق بتجزئتها إلى أجزاء صغيرة يُنفّذ في كل يوم جزء منها، وإرادة إنجازها دفعة واحدة أو في وقت قصير ضرب من الخيال، ومن احتقر هذا المعروف لم يحقق النهضة اليومية فضلا عن الحياتية.
o التطبيق الثاني: إذا فات جزء من اليوم فلا يعني التفريط في باقيه، فتجد بعضهم يقول: إذا لم أبدأ بالإنجاز من بعد الفجر فذلك اليوم لا قيمة له! أو إذا لم أبدأ في الإنجاز من يوم الأحد فسأنتظر الأحد القادم! وهذا كله مخالف للأصل السابق.
o التطبيق الثالث: كثيرا ما نفرط في الدقائق اليسيرة كالخمس والعشر، ونقول: لا تكفي لشيء! وهذا من مخالفة الحديث النبوي.
9- أوصيك ثم أوصيك بأن يكون الدعاء عندك والاستعانة بالله مقدمة على النظر في الأسباب المادية، فكثيرا ما نشتغل في موضوع الإنجاز بتتبع الأسباب المادية والتفكير بها دون استشعار لأهمية الدعاء والارتباط بالله في تحقيق رغباتنا وآمالنا {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
10- اغتنام الوقت وتحقيق الإنجاز يأتي بالتدرج، فإذا كنت لأول مرة تبدأ في التخطيط ووضع الأهداف فمن الطبيعي ألا تكون قادرا على اغتنام جميع اليوم بل ولا نصفه حتى، فإذا تيسر لك اغتنام ساعة أو ساعتين فهذا إنجاز ثم مع الأيام إذا ألفت نفسك العمل سيزداد عدد الساعات المغتَنمة، حتى تصل في وقت متأخر إلى اغتنام الدقيقة الواحدة، كما هو حال القدوات الكبار.
11- من الطبيعي أن يكون اغتنام أيام الأسبوع متفاوتا عندك فتجد ثلاثة أيام نهضت فيها بنسبة 90%، ويومان بنسبة 60%، ويوم بنسبة 20%، ويومان لم تستطيع أن تنهض فيهما، ومن الطبيعي كذلك أن النفس التي لم تعتد الجد أن تنجز في أحد الأيام إنجازا كبيرا ثم تكسل بعده يومان أو ثلاثة، من إرهاق ذلك الإنجاز الضخم فلا تقسُ على نفسك إن أردت استجابتها لك.
12- من الضروري معرفة كيفية التعامل مع الفتور، فكل النفوس تمر بنشاط وفتور، لكن السؤال كيف أتعامل معه؟ والجواب: حدد لك حدا أدنى لا تنزل عنه مهما كانت الظروف، واليوم الذي تفتر فيه تقوم بالعمل في حده الأدنى ولا تنقطع، واليوم الذي تنشط فيه تقوم بالعمل في حده الأعلى، وإياك والانقطاع فإنه سبب من أسباب الفشل.
13- إذا شرعت في عمل فلا تفكر في غيره حتى تتمه، فجملة من الناس يكون عنده مجموعة أعمال في يومه، فيدخل في الأول ثم يتذكر الثاني فيقطع الأول ويشتغل بالثاني، أو يشتغل بالعمل الأول وهو يفكر في العمل الثاني، أو يعمل عملين في وقت واحد، ولا يمكن الجمع بينهما فينتهي يومه وهو لم ينجز، أو حقق كما بلا كيف، فعليك بالتركيز ثم التركيز ثم التركيز.
14- من الإشكالات التي نعاني منها نحن أبناء الزمان: وجود أجهزة الجوال بين أيدينا ولا شك أن لها فوائد وثمرات كبيرة، لكن في المقابل لها سلبيات أيضا، وكثير من أوقاتنا تضيع عليها وفيها، ولذا فمن أراد النهضة اليومية فهو بحاجة لمجاهدة نفسه على تحديد وقت قصير لاستخدام الجوال، كمتعة للنفس إذا أنجزت.
15- دوّن خلاصة ما حصل في يومك في سطرين فقط واكتب نسبة الإنجاز أو الاغتنام لذلك اليوم، وهذه الكتابة ستنفعك كثيرا في دفعك للإنجاز وملاحظة أمور مهمة حول سيرك تحتاج لتعديل وإصلاح.
16- بعض الناس يتمنى أن يكون منجزا لكن ليس عنده أهداف يحققها، والوصية له بأن يتعرف على نفسه ومشروعه الذي يستطيع أن يخدم به الإسلام، ومن الكتب المعينة على ذلك كتابي: "مشروع العمر" و "قصة حلم" للدكتور مشعل الفلاحي، فإن استطال الطريق فليعتني بأداء حقوق الله وحقوق خلقه في اليوم والليلة فهي أهم المهمات.
17- مهما كانت أعمالك كثيرة فاكتبها عندك في قائمة المهام، ثم قسّمها حسب الأولى، وستجد لها وقت في يوم من الأيام وتسعى بتحقيقها.
18- مما يؤرق المرء كثيرا إنجاز الأهداف الكبيرة، فهو يتمنى تحقيقها لكن حاجز الوقت يحجز كثيرا عن الوصول، ومن أعظم الحلول لذلك العمل اليومي، فإن له تأثير السحر في إنجاز الأهداف الكبيرة، لأنها يُفتّتها إلى أجزاء، ثم يجعلك كل يوم تنجز جزءا يسيرا، فيكون العمل سهلا والوصول أكيدا بإذن الله.
19- كثير من الناس في الوصول لأهدافهم يحسبون حساب السير الصافي دون حساب العوائق التي تقع، ولذا يُحبطون عند نزول العوائق، وربما تركوا السير، والسبب في خيالية نظرتهم لا في عجزهم، ولذا إذا حاسبت نفسك على التقصير ووجدت أن المانع كان عائقا وليس تقصيرا في العمل فلا تلم نفسك.
20- قد تبذل جهدك وتعمل بجميع القواعد التي تعرفها ولا ييسر الله لك مرادك، لا تحزن فما اختاره الله لك خير من اختيارك لنفسك، ويكفي أنك نويت وبذلت، ولعل من حكم ذلك: ألا تكثر أعمالك فتغتر، فتهلك بهذا الغرور.
21- أخيرا.. من أسباب زيادة الإنجاز شكر الله تبارك وتعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فاشكر الله على ما تحقق لك إن رمت الزيادة.
ماذا تنتظر بعد معرفتك لقواعد النهضة اليومية؟
انطلق واعمل بما عرفت مستعينا بربك.
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله في الثانية عشرة ظهرا من يوم السبت
السادس من ذي القعدة لعام إحدى وأربعين بعد الأربع مائة والألف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق