السبت، 25 أبريل 2026

لفتة (55) البناء العقلي

[55]

البناء العقلي

السبت 1447/11/8

يشتاق كثير من الناس إلى القوة العقلية كما يشتاق إلى القوة جسدية بل ربما أكثر، لأن القوة العقلية تعينه على فهم القضايا، وتكوين الآراء، والتعليق على المواقف، بخلاف القوة الجسدية التي لا يحتاجها إلا في أوقات محدودة، ويتصور كثير من الناس أن القوة العقلية تنبع من كثرة المعلومات أو الذكاء الذي يُرزقه المرء، لكني أرى أن القوة العقلية نصفان: نصف وهبي، ونصف كسبي، وفي هذا المقال أريد أن أشير إلى النصف الكسبي، لمن أراد أن يحصّله ويتنعم به.

البناء العقلي لمن رامه يقوم على خمسة أركان، وإذا اجتمعت كمُلت قوة المرء العقلية، وإذا نقصت نقصت، وهذه الخمس تحتاج إلى عناية مستمرة، وفي حال التوقف ستتراجع قوة المرء حتى تزول، كما هو الحال فيمن يعتني بقوته الجسدية.

بناء العقل يتحقق بالمعلومات والمهارات، والناس فيها أربعة أقسام: من يعتني بهما وهم خير الأقسام، ومن يعتني بالمعلومات دون المهارات، ومن يعتني بالمهارات دون المعلومات وهما أوسط الأقسام، ومن لا يعتني بهما وهم شر الأقسام، وهذه الأركان التي سنتحدث عنها ثلاثة تتعلق بالمعلومات واثنان بالمهارات:

·     الركن الأول: بناء التصورات:

يبدأ المعتني بعقله بتكوين التصورات الصحيحة الشرعية والحياتية، ومن أجود الطرق المعينة على ذلك: كثرة السماع، فيستمع لكم كبير من المواد الصوتية والمرئية للمتمكنين، ويكوّن من خلالها تصوراته، ثم ينتقل للتصورات الخاطئة فيتعرف عليها ويحذر من الوقوع فيها، ولا شك أن العناية بالقراءة أمتن وأجود، لكن كثيرا من الناس لا يصبر عليها فنعوض ذلك بالسماع، كما أن في السماع مزايا ليست في القراءة.

قضية المصطلحات من أخطر الأمور المؤثرة على الفهم، فنحتاج أن نتقن مصطلحات العلوم من جهة لأن بها ارتقاء الفهم العلمي، ونتعرف على المصطلحات الفاسدة واستعمالاتها من جهة أخرى، لأن ضلال كثير من الناس بسببها.

ومن الملاحظات أيضا: أن لدينا قصورا كبيرا في تدريس أطفالنا التصورات الأولية، كمفهوم الدين، ومفهوم الأخلاق، ومفهوم الزواج، وغيرها من المفاهيم، ومن أسباب تركنا لتدريسها: ظننا بأنها بدهية لا تحتاج إلى تدريس، ومن جرب ذلك مع ولده عرف صعوبة الأمر!

·     الركن الثاني: تحصيل المعلومات:

العقل جليل، لكن العلم أجل، وهو لا يستطيع أن يعمل من غير العلم شيئا، وهذا العلم يشترط فيه أربعة أمور:

-       أولها: جودة المعلومات: وذلك لأن المعلومات المغلوطة والمكذوبة كثيرة جدا، ومن لم يحكم تلقيه أفسد عقله بمدخلات فاسدة فأنتجت مخرجات فاسدة.

-       وثانيها: كثرة المعلومات: فكلما كثرت معلومات المرء كلما زاد بناؤه العقلي.

-       وثالثها: تنوع المعلومات: فالعقل يزداد تفتحا وتمكنا كلما تنوعت العلوم التي يتلقاها، فلا يكتفي بعلم أو علمين، وإنما يجمع عدة علوم على حسب استطاعته.

-       ورابعها: ترابط المعلومات: ويتحقق بأخذ العلم بطريقة منهجية بنائية، أما أخذه بطريقة عشوائية متناثرة فإنه لا يحقق للمرء المقصود.

·     الركن الثالث: جمع الخبرات:

فمن ألوان التحصيل التي يحتاجها العقل الخبرات بنوعيها الخاص والعام، فالخبرات تؤكد المعلومات، أو تخصصها، أو تنتجها، وكذلك المعلومات لها أثر في توجيه الخبرات والحكم عليها، وهذه التجارب منها ما يكون عاما كتجارب الأنبياء والرسل، والأمم السابقة، ومنها ما يكون خاصا بشخص، كتجربة فلان من الناس في علمه أو وظيفته أو أسرته.

وأنت بحاجة أن تعتني بالتجارب العامة والتجارب الخاصة والتجارب الشخصية، فتستفيد من تجارب الأمم، ومن تجارب الأفراد، ومن تجاربك الخاصة، وستجد أنها تقودك إلى باب شريف من العلم وهو السنن الإلهية وقواعد الحياة.

·     الركن الرابع: تنمية التفكير ومهاراته:

إذا جئنا للشق المهاري فالتفكير يتربع على عرشه، والناس في العناية به مع العلم أربعة أقسام:

-       القسم الأول: يعتني بالعلم والتفكير.

-       القسم الثاني: يعتني بالعلم دون التفكير.

-       القسم الثالث: يعتني بالتفكير دون العلم.

-       القسم الرابع لا يعتني بشيء منهما.

التفكير مهارة يومية ضرورية، لا يجوز لمن أراد أن يعتني بعقله أن يُفرّط فيها، وهذا التفكير نافع جدا، وإذا كان باستعمال مهارات التفكير فهو أشد نفعا، فاستعمال مهارة الملاحظة، والمقارنة، والتصنيف، والتلخيص، والاستدلال، والربط لها أثر كبير على فهمك وتفكيرك.

·     الركن الخامس: الوعي بأخطاء التفكير:

جملة ممن يشتغلون بالتفكير لا يدركون الأخطاء التي تقع في ممارسته، ولذا يقعون ضحية لأخطاء مشهورة ومغالطات معروفة، كالتعميم، والحكم بالعاطفة، والخلط بين التقدير والتقديس، والخلط بين النص وتفسير النص، وغيرها من الأخطاء.

سؤال اللفتة: متى ستكتب خطة لبناء عقلك مكونة من هذه الأركان الخمسة؟

اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رؤى (15) التدريب الذي نريد

[15] التدريب الذي نريد قبل عشرين سنة كان التدريب في قمة ثورته وإقبال الناس عليه، ثم قلّت العناية به شيئا فشيئا، ثم تحول من التدريب الح...