[15]
التدريب الذي نريد
قبل عشرين سنة كان التدريب في قمة ثورته وإقبال الناس عليه، ثم قلّت العناية به شيئا فشيئا، ثم تحول من التدريب الحضوري إلى الإلكتروني في أزمة كورونا، ثم عُدمت الدورات من ثلاث سنوات، ولم يعد لها وجود إلا في التدريب الإجباري داخل بيئات العمل، هذا التذبذب الذي مر به التدريب هو في نظري بسبب التصور المغلوط عنه وعدم فهمنا الصحيح له! فكيف نراه من أهم المهمات في وقت؟ ثم نتركه ولا نرى له قيمة في وقت آخر؟ ويمكن تلخيص النظرة الصائبة له في النقاط الآتية:
o أولا: التدريب وسيلة هامة من وسائل التعليم ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يساعدنا في التأهيل على المهارات ونشرها، والمهارات من ضرورات الحياة، سواء المهارات الحياتية العامة، أو المهارات الخاصة بالوظائف والعلوم، ولذا يجب أن يستمر كما يستمر التعليم ولا يتوقف، وكل جهة حكومية أو خاصة أو تطوعية تحتاج أن تؤهل العاملين فيها باستمرار.
o ثانيا: المال إذا دخل إلى العلم أفسده، والتدريب جزء من العلم، ولذا من دخل إلى التدريب بنية التكسب سواء أكان مدربا أو متدربا فإنه سيتركه ولا بد، فالمدربون الذي لم يجدوا مالا من تدريبهم تركوه، والمتدربون الذين لم يجدوا ترقيات من هذه الدورات تركوها! ولذا نحن نتعلم لنتقرب إلى ربنا ولنرفع جهلنا لا لنحقق بهذا العلم شيئا من المصالح الدنيوية.
o ثالثا: الأصل في التعليم عموما والتدريب خصوصا أن يكون حضوريا، ولا يُنتقل للتعليم عن بعد إلا للضرورة، وتقدر هذه الضرورة بقدرها، ولنا تجارب كثيرة تشهد بفشل هذا النوع من التعليم والتدريب، وتُخبر بعدم فعاليته وأثره.
o رابعا: ضرورة تركيز التدريب على المهارات وإكسابها، وغالب التدريب الذي قُدم في السنوات الماضية كان خاليا من التدريب! فهي عبارة عن محاضرات وورش عمل مطولة!
o خامسا: أهمية دخول المتمكنين، وعدم دخول غيرهم اختيارا أو اضطرارا، لأنهم يفسدون صورة التدريب ويزهّدون الناس فيه، وصار بعض الناس يقول: التدريب لا قيمة له لأنه سوالف! والسبب في حصول هذا التصور من دخلوه اختيارا أو إجبارا وهم غير متمكنين!
بعد بيان الصورة المثالية للتدريب عموما، أنتقل للحديث عن الصورة المثالية للمدرب خصوصا، فالمدرب المؤثر يتصف بست صفات:
- الصفة الأولى: التمكن العلمي في الموضوع الذي يتحدث عنه، فلا يُتصور أن يتكلم أحد في موضوع لا يتقنه أربع ساعات أو أكثر! فالمدرب الذي يحترم نفسه وغيره يختار الموضوع الذي يناسبه، ثم يقرأ فيه قراءة طويلة، ويستخرج أجود ما يجد ثم يكتبه في مذكرة خاصة تمثل المادة العلمية للدورة، ويعتبر أن اليوم التدريبي الواحد يحتاج منه إلى مائة ورقة كخلاصة لا كقراءة، لأنه ربما يقرأ خمس مائة صفحة ليكتب مائة صفحة، هذا على الحد الأدنى، وإذا كانت الدورة ثلاثة أيام فسيكتب ثلاث مائة صفحة، وهكذا، ولا يمكن الاستغناء عن القراءة بالمواد الصوتية والمرئية، لأن القراءة أمتن وأغزر، والمدرب غير المتمكن يُعرف من أول ساعة في الدورة، وذلك إذا أطال فقرة التعارف والحديث عن المخرجات المتوقعة من الدورة! ولذا قف بقوة وإلا لا تحرج نفسك وتضيّع أوقات المتدربين.
من الأمور التي تنتشر كثيرا في التدريب: الحقائب الجاهزة، وأراها في الغالب لا قيمة لها، لأنها مجرد رؤوس أقلام مصممة على عرض بور بوينت، وقد يرافقها وريقات قليلة كمادة يستفيد منها المدرب! لكنها في الحقيقة لا تغني عن تمكن المدرب وقراءته الطويلة في الموضوع وبناء رؤيته الخاصة، هذه الحقائب يمكن الاستفادة منها بعد الانتهاء من إعداد دورتك لتأخذ منها بعض ما فات عليك من الأفكار، أما أن تكون أصلا فهذا قد رأينا ضعفه كثيرا.
- الصفة الثانية: إنضاج المادة العلمية، ويكون:
o بقراءة المادة المستخلصة أكثر من مرة،
o وحذف ما لا يناسب منها،
o وإضافة ما يمكن إضافته من خبرات المدرب،
o وربطها بالواقع، لأنه لا قيمة لمعلومات لا يجد الناس لها ارتباط بواقعهم وحياتهم، وأذكر من المضحكات المبكيات أن أحد المتدربين سأل مدربا كنت حاضرا في دورته فقال: كيف نطبق كلامك في الواقع؟ قال: أنا هنا أنظّر، أما الواقع الذي تعيشونه فلا علاقة لي به! وقال لنا آخر في دورة أخرى لما سألناه نفس السؤال: يمكنكم تطبيق كلامي بسهولة على الواقع، ولا يوجد إشكالات كما تتوهمون، فانظر للأول الذي هرب من المهمة، وللثاني الذي أنكر وجود الإشكال، والسبب أنهم لم ينضجوا مادتهم ولم يهتموا بمعالجة الواقع، وأنا أدرك أنها مهمة صعبة لا يُحسنها كل أحد، ومن لم يحسنها فليترك التدريب لمن يستطيع، فليس مجبورا على دخوله! كما أن هناك مهمة أصعب ستأتي في النقطة التالية.
o ثم بعد ذلك يستخرج رؤية متكاملة من المادة العلمية، وهذه الرؤية تجمع بين معرفة إشكالات الواقع وتقديم الحلول التي ترتقي به، لأننا لا نريد التمسك بإشكالات الواقع، ولا نريد الجنوح للمثالية!
o هناك أمر جليل إن استطاع عليه المدرب نفع الله به نفعا كبيرا، وهو تطعيم المادة التدريبية بالوحي، والاستفادة مما جاء فيه مما يتعلق بالموضوع، ويمكن الاستعانة بعد الله ببعض المشايخ أو طلاب العلم في ذلك،
o كما أني أتمنى أن يعرض المدرب مادته العلمية على شيخ ليراجعها قبل تصميمها والتدريب عليها، حتى يسلم من نشر أفكار مخالفة للشريعة، لاسيما أنه سيدرب العشرات أو المئات في أماكن متفرقة، ولا يمكن لقياهم بعد ذلك.
o أذكّر المدرب بأنه هذه المادة العلمية التي حضّرها لا يلقي منها إلا 70% ويترك باقي المادة لتعينه على الإجابة على ما يأتيه من الأسئلة، بخلاف لو ألقى كامل المادة سيجد أن جملة من الأسئلة التي تأتيه لا يستطيع الجواب عنها.
- الصفة الثالثة: تحويل المادة العلمية إلى عملية، من خلال تحديد المهارات وخطوات إكسابها للمتدربين، حتى يفهم المتدرب المادة العلمية ثم يكتسب المهارات العملية، والتدريب عليها يكون جزأين، جزأ في الدورة، والجزء الآخر في البيت، واحتياج التدريب المنزلي يُرجح بألا تكون الدورات أقل من يومين، حتى يكتسب المتدرب أساسات المهارة ثم يطبقها بسرعة في الدورة، ثم يطبقها بتأن في البيت، ثم يعود ليسأل المتدرب عن الإشكالات التي واجهته في اليوم التالي ويكمل التدريب أيضا.
- الصفة الرابعة: إدارة الوقت، فيدرك المدرب قيمة الوقت ولا يتعامل معه بعبثية، فيحدد المقدار المناسب من الوقت لدورته ولا يأخذ أكثر من ذلك، ثم يبدأ دورته في موعدها ولا يتأخر إكراما للمتأخرين! كما أنه يتعامل مع النقاشات والتمارين على أنها مساعدة على تحقيق أهداف الدورة لا مخارج لتبديد وقت الدورة الطويل!
- الصفة الخامسة: الإحسان إلى المتدربين، ويكون ذلك بأمرين: إحسان الخلق، وإحسان التعليم، لأن من المدربين من يدخل بكبر وتعالي أو يتصنع الأخلاق في الدورة، وينقلب إلى شخص آخر بعدها انتهائها وإغلاق كاميراتها! وأما إحسان التعليم فيكون بإتقان مهاراته،
o بشرح المعلومات بطريقة مشوقة جاذبة،
o واستعمال عروض البور بوينت باحترافية،
o وتجهيز أوراق العمل المطلوبة،
o والرفق بالمتدربين في تعليمهم وتدريبهم،
o وإكسابهم المهارات بتأني،
o وفتح باب النقاش بعد تأسيس العقول بمقدمة نظرية تُوجّه العقول للرؤية المرادة،
o وتجهيز مذكرة للمتدربين متوافقة مع عرض البور بوينت، ليسهل عليهم فهم المادة واكتسابها،
o ولو كتب خلاصة لمادته العلمية في وريقات ليعطيها من طلبها، لكان ذلك إحسانا منه ونشرا للعلم ينفعه في الآخرة!
- الصفة السادسة: التخصص قدر الإمكان، أو الطرح المتقارب للموضوعات، حتى يتمكن المدرب من التدريب في علم معين أو قضية معينة، فهو أفضل من التدريب المتشتت، الذي يدرب مرة في الأسرة، ومرة في الإدارة، ومرة في التجارة، ومرة في العلم الشرعي، وقد نقول: أتقن المهارات العامة ودرّب فيها، ثم اختر مجالا تتخصص في مهاراته بعد ذلك.
إن تم هذا فسنسعد بتدريب احترافي يجعل المتدربين يخرجون بمعلومات نظرية ومهارات عملية، وما أجمل العلم والعمل إذا اجتمعا.([1])
خالد بن حامد القرني
تم بحمد الله السادسة مساءً من يوم السبت
الثامن من ذي القعدة، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق