[54]
المهمة الصعبة
الاثنين 1447/11/3
الناظر في أحوال التعليم اليوم بشقيه النظامي والمسجدي يلاحظ أن داء السرعة قد دب إليه واخترقه وأفسد فيه فسادا عريضا، فالمعلمون والأشياخ قد اعتادوا على السرعة وأحبوها، والطلاب ألفوها وطلبوها، وأصبح الراغب في التأني غريبا! والطالب للإتقان وحيدا! مع علمنا جميعا بسنة العلم وهي أنه لا يُنال إلا على مهل!
آثار هذا الخلل أصبحت ظاهرة وما سيأتي سيكون أشد وأشد إن لم نقف للمعالجة والتصحيح! انظر في طلابنا تجد من المعتاد وصول الطالب إلى المرحلة الجامعية وهو لا يتقن القراءة والكتابة، ولا يفرق بين أركان الإسلام والإيمان، ولو نظرت إليه وهو يتوضأ ويصلي لأصابك من الهم ما أصابك! إذا كان هذا الخلل في الأساسيات فما دونها من باب أولى، ولذا لا نستغرب وقوعهم بسهولة في الشهوات والشبهات، ولا نستغرب إعجابهم بالتافهين وتشرب ما عندهم من التصورات الساذجة والفاسدة!
أما إذا نظرت إلى طلاب العلم فإنك ستجد اهتمامهم بصورة العلم أكثر من حقيقته، يستكثر الواحد منهم من حضور الدورات السريعة ويكتفي بها، ويلاحق الإجازات ويجمع أكبر قدر منها، ويدمن مجالس التعليق ويسعد بها، لكن حقيقة العلم غائبة، والتمكن من العلم مفقود!
نحن بحاجة إلى وقفة صادقة لنناقش هذه المصيبة العظيمة، ونأخذ خطوات جادة في معالجتها، فلن يرتقي بنا وبطلابنا إلا التعليم الجاد، وأبرز معالمه: العناية البالغة بالتأسيس، وهي المهمة الصعبة التي يندر قيام المعلمين بها في المساجد والمدارس والجامعات!
التأسيس هو تدريس العلوم بطريقة متدرجة، مع العناية بإتقان الطالب لأصول العلم، وذلك بالشرح المتأني لها وإلزامه بحفظها وفهمها، وهذا يأخذ وقتا كبيرا، فتأسيس الطفل في القراءة والكتابة والحساب، وتأسيس طالب العلم على أصول العلوم ومتونها يحتاج إلى صبر في غرس تلك الأصول حتى تتمكن من نفس طالبها كما تمكنت من نفس معلمها.
التأسيس يتطلب أن تأخذ كل مسألة حقها من الشرح والبيان والتطبيق، فالمعلم إذا دخل لشرح كتاب لا يمر على المسائل مرورا، وإنما يقف على المسائل مسألة مسألة ويبين كل ما فيها للطالب، حتى يصبح هذا الطالب مالكا لكم كبير من المعلومات، وقدر متين من التصورات.
يعترض أهل العجلة عند الحديث عن التأسيس باعتراضين شهيرين:
- الاعتراض الأول: أننا في زمن السرعة وطريقة التأسيس هذه كانت تصلح للأزمنة السابقة، والجواب: أن هذا اعتراض خاطئ، فطريقة التأسيس يُحتاج إليها في كل زمان ومكان، ومن أراد أن يبقى جاهلا أو يكتفي بالوجبات السريعة فله ذلك، لكن لا نلغي الطريقة الصحيحة في التعليم لنرضي كثيرا من الناس، فإن الكثرة ليست معيارا! وفرق بين تقديم وجبات سريعة في مقامات التذكير والتثقيف وبين أن تكون السرعة هي الأصل في تدريس العلم!
- الاعتراض الثاني: أن التأسيس عند بعض المشايخ يأخذ وقتا أطول من الوقت المحتاج إليه، فنقول: الخطأ في التطبيق ليس دليلا على خطأ الفكرة، فإذا أخطأ شيخ وشرح كتاب صغيرا في مدة طويلة فليس هذا دليلا على خطأ فكرة التأصيل، وإنما الخطأ في التطبيق.
أخيرا.. هذه المهمة الصعبة -مهمة التأسيس العلمي- لمن أراد تطبيقها من المعلمين أو أراد الدراسة عليها من المتعلمين لا بد أن يجد من العوائق ما يجد:
- فالمعلم والشيخ سيجدا اعتراض الطلاب ومن حولهم ومطالبتهم بالسرعة، وهما بحاجة أن يثبتا ويصبرا على هدفهما ويتعاملا مع العوائق حتى يصلا إلى ما يريدا أن يصلا إليه.
- أما ولي الأمر فإنه لا بد أن يقتنع أن تربية أولاده وتعليمهم هي مهمته لا مهمة المدرسة، لأن المدرسة مكمّلة لا مؤسسة، ويتبع هذه القناعة بذل ماله ووقته على تأسيس أولاده وتمكينهم، ومن ترك ذلك طالت حسراته!
- أما طالب العلم فالمهمة عليه أشق، لأن المعينات على هذه الطريقة في واقعنا قليلة، فالأشياخ والبرامج الذين يهتمون بتأسيس الطالب قلة! ولذا يحتاج أن يتعب تعبا كبيرا، ويستعين بالله وحده، ثم يسأل المشايخ في كيفية التعامل مع هذه المعضلة، ولا يرضى بالتعلم السريع الذي يخرجه مثقفا لا عالما!
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا * وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ
سؤال اللفتة: هل عرفت المهمة الصعبة وأدركت ندرتها في واقعنا؟
اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق