[48]
مشكلة الفراغ!
الخميس 7/10/1447هـــ
في بداية الإجازة الصيفية قابلت اثنان من الزملاء، فقال الأول: "بداية كل صيف يصيبني هم بشأن الفراغ الكبير الذي ينتظرني، فأنا لا أعرف كيف أملئ فراغي، وبعد أسبوعين أتطبع، فأصبح لا أبالي بالوقت ولا أتألم من كثرة الفراغ!"، فقال الآخر: "فعلا شعور الفراغ هذا مهلك، ولا أعرف له علاجا"، فشاركت قائلا: "هناك الكثير من الأفكار التي يمكن أن تساعدكما على ملء فراغكما، بل وتوجد لكما المتعة أيضا"، فقال الثاني: "ولكني لا أريد أن أتعب"، فضحكت وقلت: "من هنا يبدأ السر".
مشكلة الفراغ ليست خاصة بالأطفال والشباب فحسب بل هي مشكلة كبار السن أيضا، وقد تعجبت وتألمت حينما رأيت بعض كبار السن يمكثون على مشاهدة المباريات ولعب البلوت بالساعات، واشتكي لي أحدهم من هذا الأمر يوما، فكان أمرا صادما! ترى الرجل الوقور فتحسن الظن به وتُجلّه، ثم تتفاجأ بأنه من أكثر الناس إهدارا لوقته، وتضييعا لما بقي من عمره، مع أن العقل يخبرنا بأن من تقدم في السن يفترض أن يحرص على الثانية قبل الدقيقة، فإلى الله المشتكى.
السبب الحقيقي لمشكلة الفراغ هو عدم معرفة قيمة الوقت، فإذا غاب عن المسلم أن الله خلقه في هذه الحياة ليتزود للآخرة، وأن أمامه حساب وجزاء، لم يعد للوقت عنده أي قيمة! ولذا تجده يعاني منه أيما معاناة، ولو كان الوقت يباع لباعه بأرخص الأثمان، في المقابل من يستحضر قيمة الوقت يتحسر على ما ضاع من عمره، ويجاهد نفسه لاغتنام حاضره ومستقبله.
يتعذر بعض الناس بأنه لا يعرف كيف يقضي وقت فراغه، لكن الحقيقة فيما قدمنا له، بدليل أنك تجد من صدقت عزيمته يبتكر من الأعمال ما لا يخطر لك ببال، وسر ذلك الصدق! ومع ذلك فإني سأقدم بين يديك أيها القارئ الكريم أربعة أمور تقضي بها وقت فراغك، وهي أصول يندرج تحتها كم كبير من الأعمال:
- الأصل الأول: القيام بالواجبات: فعلى كل أحد منا واجبات متعلقة بعبادته لربه، وقيامه بشؤون أهله، وأدائه لحقوق الخلق، معرفة هذه الواجبات والقيام بها أولى ما يُشغَل به الفراغ، فكم أعطيت العبادات من وقتك؟ وكم أعطيت والديك من وقتك؟ وكم أعطيت زوجتك من وقتك؟ وكم أعطيت أولادك من وقتك؟ وكم أعطيت وظيفتك من وقتك؟
- الأصل الثاني: إتقــــــــــــان العـمــــل: فيمكن تأدية الأعمال على وجه السرعة بلا إتقان في وقت وجيز، ويمكن تأديتها بإتقان في وقت أطول، والله جل جلاله يحب منا الإتقان، فالمتقن يفعل شيئا من محبوبات الله، ويؤجر على إتقانه، ويرتاح من فراغه، وها أنت ترى من ينقر صلاته ليخرج من المسجد، ثم يقف ليتحدث مع جاره في أحاديث لا قيمة لها! وترى من يسارع في وظيفته ويؤديها بلا إتقان ليخرج إلى بيته متذمرا من الفراغ والملل!
- الأصل الثالث: بنــــــــــاء النفــــــس: فنفسك التي بين جنبيك بها ست مجالات: الإيماني، والعلمي، والدعوي، والجسدي، والاجتماعي، والمهني -وقد فصّلت الحديث عنها في مقال بناء النفس-، وأكثر الناس في غفلة عن بناء نفسه وتقويمها وتهذيبها، ظانا أنه قد أعطاها نصيبها، وما درى أنها المهمة التي لا تنتهي إلا بخروج الروح!
- الأصل الرابع: مشـــروع العمـــر: وهو المشروع الذي تختاره لخدمة الإسلام، ويكون مناسبا لقدراتك ومهاراتك، وهذا يتطلب معرفة نفسك أولا وما تحسن، ثم اختيار المشروع المناسب، ثم تأسيسه، ثم الانطلاق فيه.
قد تجد أن حديثي عن هذه القضية الكبيرة مختصرا، لكني أحببت أن أوقفك على السبب الحقيقي، ثم أبين لك الأصول الأربعة، وأنت إذا قمت بالسبب ثم أخذت بالأصول فستجد تحتها من التفاصيل ما لا نهاية له.
أخيرا.. يسأل سائل فيقول: هل سأجد المتعة في هذه الأصول الأربعة؟ فالجواب: نعم ستجد فيها متعة أعظم مما تجده في المواد الترويحية التي تشغل بها نفسك، لكن بشرط أن تعطيها حقها، ففي الجد لذة لا يذوقها إلا من دفع ثمنه، لكن المسكين الذي لم يفهم الحياة على حقيقتها لا يعلم بأن الأصل في الحياة الجد، ولا يعلم بأن في الجد لذة، ولذا تجده مرابطا على أبواب المتع الدنيوية!
سؤال اللفتة: ما مدى عنايتك بالسبب والأصول الأربعة؟
اللهم وفقنا لاغتنام أوقاتنا فيما يرضيك..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق