[40]
ماذا علمنا الحَجْر المنزلي؟ 2/1
الأربعاء 18/10/1441هــ
عشنا خلال الأشهر الثلاثة الماضية تجربة فريدة لم يسبق لنا ذوق مثلها، فقد مكثنا في البيوت ولم نخرج منها إلا للضرورة القصوى، وذلك بسبب انتشار فيروس كورونا وما قامت به جميع الدول من إلزام الناس بالحجر الصحي أو الحجر المنزلي حتى لا تنتشر العدوى، وتتابعت الدول على عدد من الإجراءات منها: إغلاق الحدود، وإيقاف التعليم، والدوائر الحكومية، والنشاطات العامة كالملاعب والملاهي، وإغلاق المطاعم والأسواق وإيقاف جميع المناشط الثقافية، ومنع إقامة المناسبات الاجتماعية، وفرض حظر التجول الكلي والجزئي على الناس، وأُمرنا بالبقاء في البيوت والبعد عن الاختلاط، فكيف كانت هذه التجربة؟ وما الدروس التي تعلمناها من الحَجْر المنزلي؟
1- رأينا بجلاء معنى "ورجل قلبه معلق بالمساجد"، فعندما جاء الأمر بإغلاق المساجد والصلاة في البيوت رأينا العديد من المؤذنين يأذنون أول أذان بعد الأمر وهم يبكون -وصُوّر ذلك ونشر في مواقع التواصل-، وبكى بعض من سمعهم، وحزن المرابطون في المساجد حزنا شديدا على هذا الفراق، وهذا شعور لا يفهمه إلا محبو المساجد، ممن آمن بالله وأحبه وتقرب إليه، وفي المقابل حصل استهزاء وسخرية من بعض المنافقين بهذه المشاعر -نسأل الله أن يعاملهم بعدله-، ولعل من خيرات ذلك تحسر المقصرين فبعض الشباب لمْ يكن يحرص على الصلاة في المسجد فأحس حينها بمرارة تفويت صلاة الجماعة، وشعر بنعمة كانت بين يديه ولم يكن يغتنمها، فعقد العزم على تعويض ما فاته بعد زوال المحنة، ومما يبين خيرية المسلمين وحبهم للمساجد والقرب منها: أن أحد المغردين على تويتر سأل متابعيه فقال: "ما أول عمل ستفعله بعد كورونا؟ وما أكثر شيء تشتاق إليه؟" فأجاب غالب الناس إن لم يكن كلهم: "المسجد"، وعندما فتحت المساجد حصلت فرحة عارمة في نفوس الناس، ففي الكويت مثلا اجتمعت الجمعيات الخيرية وذبحت عند الجامع الكبير مائة رأس، وقسّمتها على الفقراء شكرا لله على نعمة العودة إلى المساجد، ونشر أحدهم صورة لوالده وهو مستعد في كامل زينته ينتظر قبل الفجر بنصف ساعة كأنه ينتظر العيد أو ينتظر حبيب له، كل هذه المشاعر تؤكد أن أمة ترى العودة للمساجد عيدا فيها لا يزال الخير فيها باقيا.
2- زاد تعظيم شعيرة الأذان الذي هو من شعائر الدين الظاهرة في هذا الحدث، فعندما أغلقت المساجد سعد الناس ببقاء رفع الأذان، وعندما أُمر بحظر التجول ليلا استثني من ذلك المؤذنون، وكيف سيكون حالنا لو لم يرفع الأذان؟! فبعضنا مُقصّر في الصلاة منذ منعت الصلاة في المساجد فكيف لو منع الأذان؟!
3- تُعلمنا هذه الأزمة إعادة النظر في تعاملنا مع كلام الله وتلقينا لفتاوى العلماء، فقد كان البعض يستجيب للتوجيهات الصحية أكثر من استجابته للأوامر الشرعية، ويستسلم لكلام الأطباء بينما يعارض فتاوى العلماء! ويتقبل اختلاف الأطباء ويتفهمه ويتذمر من اختلاف العلماء ولا يفهمه!
4- قبل كورونا كنا نؤدي العبادات بسرعة وبلا خشوع، مع تفريط في الأوراد، معتقدين أن الوقت ضيق والأشغال كثيرة فلما مكثنا في بيوتنا وجدنا أنفسنا نقع في نفس الخلل، فتبين لنا أن قلة أو كثرة الأعمال ليست السبب الرئيسي لتقصيرنا في العبادات أو تركنا لبعضها، وإنما عدم صدقنا وتربيتنا لأنفسنا على العبادة.
5- ظهرت في هذه الأزمة حاجتنا إلى التعلم الإلكتروني، فعندما توقف التعليم المسجدي والتعليم النظامي شعرنا بفقد شيء أساسي من أساسات الحياة، وكان الإشكال أن هذا الأمر لم يكن محسوبا عندنا، فنحن لم نخض هذه التجربة باقتدار في وقت الرخاء فلم ننجح فيها بشكل كامل وقت الشدة، فطلابنا لم يتعلموا كيفية التعلم عبر التقنية في التعليم النظامي، وأما الدروس المسجدية فلم يستمر منها إلا ما كان له صلة بالتقنية من قبل وقد عُرف بذلك، أما من كان يزهد في التقنية فقد توقف، ومن كان معتنيا بالتقنية لكنه لم يُعرف بذلك لم يجد قبولا كبيرا وذلك لأن الناس لا تعرف حساباته الإلكترونية من قبل، ولذا فإن هذه الأزمة تُعلمنا العناية بالتعلم الإلكتروني وتدريب الطلاب عليه، وتفعيل هذه الشبكات أوقات الرخاء لكن لا يكون كامل التعليم عبرها وإنما الأصل الحضور والتقنية مُكمّلة.
6- علمنا الحجر أننا نستطيع الاستغناء عن كثير من الأمور التي كنا نعتقد بأنها ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها ككثرة الخروج من البيت، والسفر، والنزهة!
7- امتد أثر هذا الحدث ليشمل الأسر ويؤثر عليها تأثيرا كبيرا فمن الإيجابيات التي وقعت: اجتماع الأسر وتآلفها وتعاونها وقيامها بالطاعة، فأشغال الحياة الكثيرة وطبيعة حياتنا كانت تُحتّم علينا قلة التواصل مع أسرنا، فجاءت هذه الأزمة لتجعلنا نجتمع ونقترب من أهالينا ونعوض ذلك التقصير الذي حصل منا، فالجلوس في البيت مع الأسرة حسنة من حسنات هذا البلاء، نتج عنه قرب الشخص من والديه وإخوانه وزوجته وأولاده، ونتج عنه القيام بالطاعة فكان الرجل يصلي بأهل بيته لينال أجر الجماعة، ونتج عنه أيضا مساعدة الرجل لأهل بيته، فمما انتشر كثيرا دخول الرجال للمطابخ وصنعهم للطعام وإدخال السرور على زوجاتهم، والدرس المستفاد من هذه النقطة: استمرارية هذه العلاقة الحسنة بعد الأزمة ولو بصورة مصغرة، وفي المقابل ارتفعت نسبة المشكلات الزوجية في البيوت غير المستقرة، لأن كلا الطرفين كان يتغافل وقت الرخاء، لكن مع وقت الشدة وما فيه من دوام جلوس الزوجين مع بعضهما تفجرت المشكلات وظهرت العلاقة على حقيقتها، ومما يستفاد من ذلك: ضرورة إحسان العلاقة بين الزوجين أيام الرخاء حتى يتنعمان ببعضهما وقت الشدة بدلا من أن يكون وقتا للانتقام!
8- من الدروس المستفادة: تذكر حال إخواننا المستضعفين -فرج الله عنهم- في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك أن الحجر الصحي الذي أُلزمنا به ذكرنا بإخواننا المحاصرين في أماكن عدة، وذكرنا بإخواننا الذين لا يملكون بيوتا أصلا ممن اعتدي على بيوتهم، وهذا يتذكره كل من مل الجلوس في البيت.
سؤال اللفتة: ما الأمور التي ستعتبر بها من هذه الدروس وتنقلها لحياتك؟
اللهم وفقنا للاعتبار بكل ما يمر بنا من أحداث..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق