الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

لفتة (31) مفتاح الدورات العلمية

 

[31]

مفتاح الدورات العلمية

الخميس 6/6/1447هـــ

انتشرت في السنوات الأخيرة فكرة الدورات العلمية وأقبل عليها طلاب العلم إقبالا عظيما، وأصبح من الضروري الحديث عن كيفية الانتفاع بهذه الدورات، وذلك حتى نقيمها على الوجه الأمثل، وننتفع بها على الوجه الأكمل.

·       أولا: ما أهداف الدورات العلمية؟

1-   اغتنام الإجازات بتحصيل العلم الشرعي، فمن المعلوم أن الدروس الدائمة تقف أيام الإجازات، وقد جاءت فكرة الدورات العلمية لتساهم في إحياء الإجازات بالعلم بطريقة تناسب ظروف الطلاب وأوقاتهم.

2-    إعانة الطلاب الذين لا يجدون مشايخ على التلقي عند المشايخ، فيتمكن الطالب من السفر غير المكلف لمقابلة المشايخ والعلماء وأخذ العلم عنهم مباشرة.

3-   اغتنام زيارات العلماء، فإذا زار العالم مدينة بعيدة عنه فمن أيسر الطرق للاستفادة من علمه إقامة الدورات العلمية، فهي أنفع وأسهل من القراءة الفردية.

4-   إذكاء الحماس في نفوس الطلاب وتحفيزهم على طلب العلم، وهذا نابع من المجالس المكثفة والجلوس الطويل.

·       ثانيا: ما فكرة الدورات العلمية؟

مشايخنا -وفقهم الله تعالى- يُدرّسون الكتب ويشرحون العلوم طيلة العام الدراسي، ثم يتوقفون في الإجازات، وفكرة الدورات في الأساس تقديم ما يقدم في الدروس العلمية لكن باختصار في الوقت لا المادة، فإذا شُرح كتاب التوحيد في أربعين ساعة طيلة العام الدراسي، فيقدم نفس الشرح بنفس المدة في الدورة العلمية لكن في أسبوعين، وذلك حتى يجد فيها من لم يستطع حضور الدروس نفس ما يجده في الدروس، كما يجد من حضر وأراد المراجعة مراده، وقد كانت بعض الدورات تقوم بهذه الفكرة، ثم وقع الخلل وزاد، حتى أصبحت الدورات تجرد الكتب جردا ويندر أن تجد فيها من يشرح، وأصبح كثير من طلاب العلم يظن أن العلم يُتقن بهذه الطريقة.

·       ما هي الآثار السلبية للدورات العلمية؟

إذا أقيمت الدورات بالصورة الخاطئة فلا بد أن ينشأ عن ذلك آثار سلبية، أهمها:

1-   تشويه صورة التحصيل الصحيحة، وهي التلقي على مكث، قال سبحانه: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا}، قال ابن سعدي: "أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا بين الهدى والضلال، والحق والباطل {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة"، فإذا كان هذا في القرآن فكيف بغيره من العلوم، ومن هذا تدرك أن التأني هو سنة من سنن العلم ولا يمكن كسر هذه السنة أو تغييرها، ومن ظن أن الوسائل -كالدورات- تغير السنن فهو مسكين!

2-   تحكم الوقت في العلم، وهذا خلاف الصواب، فالعلم هو الذي يحكم الوقت ويأخذ منه ما يريد لا العكس، ولذا أصبح كثير من المنسقين يتصل بالشيخ ويقول: "أريد منك أن تشرح لي كتاب كذا في خمس ساعات أو أربع!!"، وهذا التحديد غالبا ما يكون غير مناسب للعلم والكتب، أما التحديد المناسب أو القريب فلا بأس به، لكن الذي يحصل أن التحديد يكون سيف مصلتا على العلم وهذا خلل كبير.

·       كيف ننتفع بالدورات العلمية؟

انتفاعنا بالدورات العلمية مرهون بقيام كل واحد منا بدوره، من منسق، وشيخ، وطالب، ولذا نتحدث عن أدوار كل منهم:

* دور المنسق:

-    أولا: ينبغي أن تدرك أخي المنسق أن الدورات استثناء لا أصل، فالعلم يؤخذ على مكث، ولذا فيكون غالب تنسيقك وجهدك للدروس اليومية والأسبوعية، وما يتبعها من برامج تأسيسية كبرامج حفظ المتون وإكساب المهارات، وما بقي من جهدك ووقتك فللدورات، ولو نسقت دورة واحدة في السنة أو دورتين لكانت كافية، أما قلب الصورة بأن تجعل الدورات أصل والدروس استثناء فهذا خطأ كبير ينبني عليه خسارة المخرجات.

-    ثانيا: إذا نسقت دورة فحقق الفكرة الأساسية من الدورات، بأن يشرح فيها ما يشرح في الدروس بنفس عدد الساعات لكن مع قلة الأيام، وإياك والسرعة وضغط الكتب، فالعبرة بالكيف لا بالكم.

-    ثالثا: دع هامشا من الوقت عند الحاجة، فإذا كان المتوقع أن يٌشرح الكتاب في عشرين ساعة فاعتبرها خمسا وعشرين.

-    رابعا: ابحث عن المشايخ الذين جمعوا بين مهارة الإلقاء في الدورات العلمية والإفادة فيها، فهم أنفع من غيرهم.

* دور الشيخ:

-    أولا: شيخنا المبارك لا يخفى على شريف علمكم أن من أهم صفات العالم القيادة، ومن صورها: قيادة طلاب العلم والبرامج العلمية، ويصعب علينا أن نرى العالم بلا رؤية يسير عليها، ويصبح الطلاب والمنسقون هم من يسيّرون الشيخ برؤاهم.

-    ثانيا: نطلب منك عدم الاستجابة لمن يريدك ضغط العلوم في هذه الدورات ويلزمك بأوقات ضيقة، فهم يحتاجون لتذكيرك بأن سنة العلم التأني وتبصيرهم بذلك.

-    ثالثا: نتمنى منك أن تختار كتبا مناسبة للدورات وتجهز عليها شروحا، حتى إذا طلبت منك المشاركة تكون جاهزا لشرحها وختمها، ويستفيد منك الطلاب فائدة تامة.

* دور الطالب:

-    أولا: لا تجعل الدورات معتمدك في التحصيل، بل اجعل الدروس الدائمة هي المعتمد حتى لا يختل سيرك ويضعف.

-    ثانيا: اختر دورة علمية تنجز كتابا كاملا، فهي أنفع لك من الدورات التي تشرح أبوابا أو فصولا.

-    ثالثا: اختر الدورة التي تطيل الشرح، وتعرف ذلك من خلال معرفتك بطرائق من يلقي فيها غالبا.

-    رابعا: اقرأ المتن مرارا حتى تستوعبه، ثم اسمع شرحا مختصرا له في اليوتيوب حتى تتصور مادته ومسائله، وهذا يتجاوز بك الفهم الأولي للمتن لتتفرغ للفهم العميق.

-    خامسا: المشايخ من حيث التسجيل نوعان: منهم من يسمح به ومنهم من يمنعه، فيكون هدفك مع الأول فهم كلامه، والاقتباس من هديه، وتدوين أهم المسائل، أما الثاني فهدفك تدوين أكبر قدر من كلامه.

-    سادسا: اسأل الشيخ عن شرح معتمَد ثم انشغل بضبطه على مكث بعد الدورة، فضبطك لكلام شيخك نافع، لكن الأنفع منه أن يكون ضبطك على شرح محرر، وتذكر أن مرورك على الكتاب قد يكون في يومين أو ثلاثة لكن ضبطك له قد يستغرق شهرين أو ثلاثة أو أربعة من العمل الجاد فلا تخلط بين الأمرين.

-    سابعا: لا تحضر دورة أخرى حتى تضبط مادة الدورة الأولى، وإلا بقيت تحضر هنا وهناك دون أن تضبط العلم وتتقنه.

سؤال اللفتة: كم سيتغير في دوراتنا العلمية إذا عملنا بهذه الرؤية؟

اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نافذة الاستشارات (6) | كيف أتعامل مع سيء الخلق؟

  نافذة الاستشارات (6) | كيف أتعامل مع سيء الخلق؟ السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتك: سؤالي هو: كيف أتعامل مع ...