الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

رؤى (11) كيف يؤسس المعلم نفسه؟

 

[11]

كيف يؤسس المعلم نفسه؟

تمهيد

مستوى كل عامل بحسب تأهيله، هذه سنة من سنن الحياة تنطبق على سائر جوانبها، ومن أهمها جانب التعليم، فإذا كان المعلم مؤهلا عظُم عمله وأثره، والتعليم عندنا نظامي وغير نظامي، والنظامي عام وعالي، ومقصودي في هذا المقام التعليم النظامي العام، فالكلام موجه لمن يُدّرس في المراحل الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وطريقة تأهيله لعمله.

أذكر عندما عُينت معلما كنت مهتما بقضية التأهيل ودائم التفكير فيها، ولا أدري كيف أصل إليها؟، وعندما وُجهت إلى حضور برنامج المعلم الجديد فرحت به، لأني ظننت أني سأجد فيه بغيتي، لكن للأسف لم يبل ريقي فضلا عن أن يرويني، ثم مضت الأيام وظللت أجمع ما أجده من كتب ودورات حول هذا الموضوع وأسعى للانتفاع بها، ثم تولد عندي هم آخر وهو: البحث عن النموذج الذي أعمل وفقه، فلا يمكن للمرء أن يعمل عملا متقنا مؤثرا بلا نموذج، ولم أجد من يفيدني في ذلك.

حقق الله لي ما تمنيت خلال العامين الأخيرين، وقد وجدت جوابا متميزا للسؤالين، ولأنني لم أجد من شعر بما شعرت به فقد أحببت أن أشرح ما وجدته في هذا المقال.

صلاح الدين قائم على ركني العلم والعمل، قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال ابن سعدي: (أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به)، وصلاح الدنيا أيضا قائم على هذين الركنين، ومن ذلك: أمر التعليم، فالمعلم الموفق يعتني بالعلم والعمل، كيف يحقق ذلك؟

استجد عندنا في التعليم مؤخرا عدة أمور أهمها: الرخصة المهنية، ونظام إدارة الأداء الوظيفي، وهي لمن تأملها تحقق ركنا التأسيس، فالرخصة تمثل الجانب العلمي، وإدارة الأداء تمثل الجانب العملي، والنظرة التي نؤسس لها هنا ونشرحها هي تحقيق بناء المعلم وليس القيام بهذه المهام على وجه التخلص منها، فخطابي للجادين وأهل الهمم.

الركن الأول: التأسيس العلمي:

مما لا يختلف عليه اثنان ضرورة التمكن العلمي للمعلم، وفاقد الشيء لا يعطيه، وهذا التمكن يكون في جانبين: الجانب التخصصي، والجانب التربوي، فيكون المعلم متمكنا من تخصصه، ومتمكنا من التربية التي تعينه على تدريس تخصصه، ولذا كانت الرخصة تحوي اختباران: تخصصي وتربوي، وقد حددت هيئة التقويم معايير الاختبارات ولم تحدد كتبا، لكن قام جملة من المتخصصين والمدربين بإعداد كتب توافق المعايير، وبعضهم شرح تلك الكتب في دورات خاصة، وقد وجدت من خلال مطالعتي لعدد من الكتب المنشورة أن مادة التخصص يمكن أن تجمع في خمس مائة صفحة، ومادة التربية في مثلها، فيكون عند المعلم ألف صفحة لتحقيق التأسيس العلمي، ولا يعذر المعلم بأقل من هذا الحد، وفي هذا الركن إشارات:

·       تتفاوت المواد المجموعة في الجانبين التخصصي والتربوي، فاحرص على انتقاء أجودها لا أخصرها.

·       لا تبخل على نفسك بالاشتراك في برامج مدفوعة للحصول على تلك الكتب أو حضور دورات تشرح لك.

·       في الأيام الأخيرة قلت الدورات المتعلقة بالرخصة، لأن كثيرا من المعلمين قد اجتازوا الاختبارات وأصدروا الرخصة، لكنك إن بحث وجدت بغيتك من مواد أو دورات، سواء قديمة مسجلة أو جديدة مباشرة.

·       اطبع هاتين المذكرتين طبعة ملونة فاخرة، واحتفظ بها للمذاكرة والمراجعة.

·       اعلم أن الألف صفحة تحتاج إلى مذاكرة لا مجرد قراءة، فأنت تريد أن تؤسس نفسك لا أن تطلع على روايات.

·       ضبط المادة الواحدة يحتاج إلى عدة أشهر وهذا يتطلب منك تقسيم الأوراق على الأيام ثم تخصيص وقت يومي للمذاكرة، ولا أنفع لك في الإنجاز مثل العمل اليومي.

·       تعامل مع هذه المواد على أنها حصيلتك العلمية التي ينبغي أن تتقنها، ثم تكررها باستمرار، ولا تتعامل معها على أنها مجرد وسيلة لتجاوز الاختبار، فالاختبار وسيلة للإتقان لا العكس.

·       إذا كانت المذاكرة تصعب عليك فاجعل إتقان المادتين في عامين، فهذا العام للتخصص، والعام المقبل للتربوي.

·       احفظ نسخة إلكترونية من تلك المذكرات حتى تطبعها كلما احتجت إليها، فهذا زادك العلمي الذي سيبقى معك حتى تغادر التعليم.

·       إذا أتقنت مذاكرة الكتاب فاطلع بعده على أسئلة الاختبارات المنشورة على الشبكة وتدرب عليها، حتى تعرف طريقة الأسئلة وكيفية حلها، ولا تقتصر على الأسئلة دون المذاكرة فإنك بذلك تحرم نفسك من التأسيس التخصصي والتربوي، وهي فرصة قد لا تعود إليك أخرى.

الركن الثاني: النموذج العملي:

مكثنا السنوات الماضية نبحث عن النموذج الذي ينبغي أن نعمل وفقه، وذلك لأن العمل الذي لا يبنى على نموذج يقل أثره بل قد يعدم، والملاحظ أن غالب من في الميدان من معلمين وإداريين ومشرفين لم يكونوا يملكوا رؤية عملية، ولذا فقد كانت التعارضات كبيرة جدا بين من في الميدان، بل قد تحضر دورتين في نفس المركز وفي نفس الموضوع فتجد كل مدرب يأخذ اتجاها مختلفا، وهذا من أهم أسباب ضعف التعليم.

أصدرت الوزارة مؤخرا -وفق الله القائمين عليها لكل خير- نظام إدارة الأداء الوظيفي، وقسموا العاملين في الميدان إلى ثمانية أقسام، وجعلوا لكل قسم نموذجا، (نموذج المعلم الذي لم تسند إليه أعمال، نموذج المعلم المسند إليه النشاط، نموذج المعلم المسند إليه التوجيه الصحي، نموذج معلمة رياض الأطفال، نموذج محضر المختبر، نموذج الموجه الطلابي، نموذج وكيل المدرسة، نموذج مدير المدرسة)، وكل نموذج من هذه النماذج يحوي معايير، فالمعلم الأساسي عنده أحد عشر معيارا يعمل وفقها، وهذا يعني أن جميع معلمي المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها سيعملون بهذه المعايير الأحد عشر، وهكذا بقية العاملين، وهذا يعني أن العمل سيكون متسقا متكاملا متجها نحو هدف واحد، وهذا سيرتقي بالتعليم كثيرا لو أعطينا هذا النظام حقه، وحول هذا الركن إشارات:

·       هذا النظام قفزة في رؤية التعليم، وهو مبني بطريقة مركبة، وأكثر الناس لا يحب التغيير، ولا يحب التركيب، فكيف إذا كان التغيير برؤى مركبة؟! ولذا فأنت بحاجة إلى تقبل التغيير والصبر على فهم تلك الرؤية المركبة.

·       أصدرت الوزارة الدليل الإرشادي لنظام إدارة الأداء الوظيفي لشاغلي الوظائف التعليمية، ليكون هو المرجع في فهم النظام والعمل به، ولذا فأول خطوات النجاح أن تقرأ هذا الدليل بعمق وتتفهمه، لتكون انطلاقتك منه، وإياك إياك أن تقبل الكلام المنثور هنا وهناك والذي لا يمت للدليل بصلة.

·       صدر من هذا الدليل حتى كتابة هذا المقال إصداران، والمعتمد ما جاء في الإصدار الثاني.

·       هذا الدليل يحتاج إلى قراءة متأنية لفهمه، فلا تقرأه من الجوال أو على عجل، بل اطبعه، واقرأه بصفاء ذهن.

·       حتى تفهم عناصر النموذج اجمع بين قراءة التفسير وسلالم التقدير، ولا تقرأ التفاسير لوحدها والسلالم لوحدها.

·       اقرأ درجات السلم الخمسة وحللها واعرف الفروع التي بنوا عليها السلالم والمعايير.

·       اجمع أكبر قدر من أمثلة الشواهد على كل عنصر من خلال ما كتب في الشبكة، ومن خلال تأملك الخاص، ومن خلال مناقشة زملائك في الميدان.

·       شاهد بعض الدورات التي شرحت النظام، ولا تكتفي بدورة واحدة حتى تصل إلى النضج في الفهم.

·       اكتب ملخصا لرحلة فهمك للدليل يحوي العناصر، وتحليلها، والشواهد المقترحة، لتكون هذه الخلاصة رفيقتك في العمل، فأنت أثناء العمل بحاجة إلى خلاصة مركزة تعينك على توجيه عملك وتصحيحه باستمرار، وكثير من المعلمين يريد أن يصل إلى هذه الخلاصة دون أن يتعب في فهم الدليل، ولذا يحرم من فهم الدليل وفهم الخلاصة وفهم العمق الذي جاء في الدليل، فلا يصل إلى المستوى الذي كان ينبغي أن يصل إليه.

·       أصبح ملف الإنجاز هو معتمدك الذي منه تنطلق وإليه تعود، ولذا اعمل وفق هذا التصور.

·       نحن بحاجة إلى دورات تفصيلية لشرح النظام، وعلى بحثي لم أشاهد دورات تشرح شرحا تفصيليا، فالموجود لقاءات تشرح مجمل النظام وهذا لا يفي بالغرض.

بعد إصدار الوزارة لهذين النظامين أتى تطبيق "حضوري" والذي يلزم المعلم بالبقاء في المدرسة سبع ساعات صافية، وهذا في نظري أعان على النظامين السابقين وكملها، لأن المعلم لا يمكن أن يعمل بجد واحترافية إلا إذا مكث في المدرسة وقتا كافيا، فإذا ألزم بأن يعطي العمل حقه من الوقت فسينجز -بإذن الله تعالى-.

وختاما..

-       حتى ننتفع الانتفاع الكامل بالرخصة وبنظام الأداء نحن بحاجة أن نتعامل معها على أنها أدوات تأسيس لا موضة عابرة، فكما أن هناك موضات في الأمور المادية، فهناك موضات في الأمور المعنوية، ولذا تجد النظام إذا صدر تحمس له الجميع، وخرجت فيه كتب وأقيمت فيه دورات فترة محددة ثم يغيب كل ذلك في انتظار موضة جديدة، وهذا ليس من صفات أهل الهمم.

-       هذين النظامين تقدم لك أخي المعلم الرؤية الكاملة التي ينبغي أن تعمل بها، ولكن يبقى لك دور في ابتكار رؤيتك الخاصة، وبعض المعلمين فهم أن النظام الجديد يحرم المعلم من الرؤية الخاصة، وما درى أن النظام لا يمنعه بل يوجب عليه أن يكون له رؤية خاصة ويحاسبه عليها.

-       كنا نبحث عن نموذج نعمل وفقه، وقد جاءت الوزارة فكفتنا المؤونة، بقي علينا:

o      بيان الرؤية -كما في هذا المقال-.

o      تكرارها.

o      التحفيز عليها.

o      شرح جوانبها.

o      التعمق في تفاصيلها.

-       يتساءل جملة من المعلمين لم تلزم الوزارة بالنظامين؟ لم لا تدع الأمر خيارا خاصا وتحفز عليه؟ والجواب: أن غالب الناس لا يسير إلا بالإلزام والحزم، وقد خيرت الوزارة في كثير من القرارات والبرامج السابقة ولم يعمل بها إلا القليل!

-       يشتكي جملة من المعلمين من وجود الملل ودوام الروتين، والجواب: أن من حسنات هذين النظامين إزالة الملل عن صاحبهما لكن مع العمل، والله جل وعلا قد قدر أن السعادة مقرونة بالعمل لا الكسل.

هذا ما تيسر شرحه في إيضاح الرؤية التي ينبغي أن يكون عليها كل معلم، نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لحسن التعلم والتعليم.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله الحادية عشرة مساءا من يوم الثلاثاء

الأول من جمادى الآخرة، لعام سبع وأربعين بعد الأربع مائة والألف


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نافذة الاستشارات (6) | كيف أتعامل مع سيء الخلق؟

  نافذة الاستشارات (6) | كيف أتعامل مع سيء الخلق؟ السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتك: سؤالي هو: كيف أتعامل مع ...