الجمعة، 29 مايو 2026

لفتة (61) قضايا التعليم الكبرى

[61]

قضايا التعليم الكبرى

الجمعة 1440/10/18

ستة عشر عامًا يمكثها الطالب على مقاعد الدراسة يدرس فيها عشرات المناهج، ويمر على آلاف المعلومات، ويتنقل بين أفياء العلوم، لكن الملاحظ أن الهم الذي يسيطر على كثير من المعلمين والأسر طيلة هذه الرحلة هو ضبط المعلومات الجزئية في المناهج، مع عدم العناية بالقضايا الكبرى للتعليم، وهذا ولد تفريطا في القضايا الأساسية التي لا ينبغي التفريط فيها، وذلك لأن الصواب أن نؤسس القضايا الكبرى ثم نجعل المناهج تابعة لها، وفي هذه الأسطر أتحدث عن تلك القضايا وأفصلها:

القضية الأولى: حب التّعلم

وهي أول ما يُعتنى به، لأنه إذا وجد الحب وجد النهم الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (مَنْهومانِ لا يَشْبَعانِ: مَنْهومٌ في عِلْمٍ لا يَشْبَعُ، ومَنْهومٌ في دُنْيا لا يَشْبَعُ)، فنحن نريد أن يكون نهمنا في العلم أشد من نهمنا في الدنيا، لأن العلم يحقق سعادة الدارين، وها أنت تجد أهل العلم يتحدثون لطلابهم كثيرًا عن فضل العلم، ويُدرّسون كتب أدب الطلب التي تهتم بذلك، وهذا من طرائق زرع حب العلم في النفوس، وقد سألت طلابي في المرحلة المتوسطة: لماذا نتعلم؟ وما فائدة المدرسة؟ فسكت غالبهم وأجب بعضهم بإجابات خاطئة! حينها أدركت أننا عندما نفرط في تغذية أولادنا بالدوافع الصحيحة نفقد رغبتهم في الأعمال الجادة!

فهل نتحدث كآباء لأولادنا عن أهمية العلم ونكرره عليهم صباح مساء؟ وهل نتحدث كمعلين لطلابنا عن أهمية العلم ونكرره باستمرار؟ فنحن إذا نظرنا في حال طلابنا وجدنا كرهًا للتعلم وتذمرًا منه، ونفورًا من الكتب والمعلمين، غير الفرح الذي تراه بالإجازات وغياب المعلمين وتعليق الدراسة، حتى أصبح التعليق والإجازة بشارة يبشر بها الأب أولاده! وثقافة التذمر التي تنتشر مجالسنا وشبكات تواصلنا أهم أسباب ذلك! فحديثنا عن التعلم في غالبه سلبي ونادرا ما يكون إيجابيا، فالطفل بطبيعته يحب المدرسة لكننا نقمع ذلك الحب ونزهده فيه حتى يتحول إلى كره ثم نستغرب من وقوع ذلك!

القضية الثانية: إتقان القراءة والكتابة

فهما مفتاح العلم، من لم يُحصّلهما لم يشم رائحته، وإن مكث على مقاعد الدراسة عشرين عامًا، والمؤلم أن الضعف في هذه القضية الأساسية ظاهر في جميع مراحل التعليم، وتراه في طلاب الأول الابتدائي وفي طلاب السنة الأخيرة من الجامعة، وقد لاحظت على أحاديثي مع المعلمين التي يذكر فيها هذا الموضوع أن الجميع يتفق على أنها مشكلة عامة في الذكور والإناث، والصغار والكبار! والبعيد عن ميدان التعليم قد يستغرب من هذا الكلام لكنها الحقيقة المرة! ولذا أنصح الآباء ببذل المال والجهد على تأسيس الأطفال تأسيسا متينا في المهارات الأساسية وأولها القراءة والكتابة، ومن فعل ذلك ارتاح راحة كبيرة.

القضية الثالثة: معرفة ما لا يسع المسلم جهله

وأظن أن المناهج تقوم بدورها في هذا الموضوع، لكن الخلل في الطلاب الذين لا يعتنون بضبط ما تعلموا، وفي أولياء أمورهم الذين لا يهتمون لذلك، ويلقون بكامل العبء على المعلم، والصواب أن المعلم زارع والأسرة ساقية وراعية وقاطفة، ومن المؤسف والله أن تجد طالبًا مكث ستة عشر عامًا على مقاعد الدراسة ثم تجده لا يحسن الوضوء، أو يجهل أحكام الغسل، أو لا يفرق بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، أو لا يعرف أركان الصلاة وسننها، ولذا فالنداء موجه للجميع بأهمية العناية بالمواد الشرعية، والحرص على دراستها وتدريسها بإتقان، والاهتمام بها أكثر من بقية المواد الأخرى، ولا يصح أن نقدم الرياضيات والإنجليزي على المادة التي نطبقها في كل يوم من حياتنا وسنسأل عنها في قبورنا! كما أؤكد على تكرار مهمات العلم وعدم الملل من ذلك، وإجراء مسابقات ودورات لترسيخها في النفوس.

القضية الرابعة: اكتشاف قدرات الشاب وتوجيهها نحو ما يحسنه

فإن أحد أهم أسباب ضعف أمتنا: عدم فاعلية أفرادها، وذلك لأنهم تائهون حائرون، لا يعرفون أنفسهم ولا أمتهم، وكثير من الشباب إن لم يشتغلوا بالشهوات والشبهات فهم على المباحات التي لا تعود عليهم بالنفع، لكن إذا وفق الشاب لسلوك طريق الخير ففي الغالب أنه لا يعرف قدراته والمجال الذي يحسنه إلا في وقت متأخر، ولذا كانت هذه من قضايا التعليم الكبرى، فنحن نريد ألا يتخرج الشاب من الجامعة إلا وقد عرف نفسه وقدراته ومواهبه، وامتلك خطة يسير عليها في بناء نفسه ونفع أمته، وإذا عرّف المعلم الطالب بقدراته فقد أحسن إليه أيما إحسان.

القضية الخامسة: امتلاك الطالب مفاتيح تخصصه

إذا عرف الشاب قدراته فإنه سيحدد التخصص المناسب له بسهولة، بعدها ينبغي أن يتقن الحد الأساسي من تخصصه، ويمتلك مفاتيح ذلك العلم، بمعرفته إجمالا، ومعرفة علمائه، ومصادره الأساسية وكيفية التعامل معها والبحث فيها، مع إدراك تاريخ العلم، وكيفية ربطه بالواقع، والقدرة على تبسيطه للناس ونفعهم بذلك، ويلحق بهذا ضبط مهارات التعلم ومهارات التفكير، هذا الحد الأدنى الذي يتحصّل على مقاعد الدراسة، أما الاستزادة والترقي فمهمة الطالب بعد تخرجه.

القضية السادسة: تهذيب نفس الطالب وتربيته

فالأدب قبل العلم، وما فائدة العلم بلا أدب، وعند تجاهل هذه القضية يخرج لنا قاض يرتشي، وطبيب خائن، ومهندس لص، وقل مثل ذلك ممن يتقلد المسؤوليات المختلفة بلا خلق وتربية، فيسعى لمصالح نفسه، ويضر الآخرين من الجهة التي أرادوا أن ينفعهم بها! ومن المفاهيم المغلوطة: الاعتقاد بأن التربية خاصة بالأطفال، وأن المسؤول عنها هما الوالدان، حتى ليخيل لبعض المعلمين أنهم مسؤولون عما بين دفتي الكتاب، وأما تأديب الطالب فلا يهمهم، ويرى الواحد منهم أمامه عشرات الأخطاء وكأنه لم يرَ شيئا! والصواب: أن التربية للصغار والكبار، وكل من يعتني بتوجيه الناس فهو مرب كالوالد، والحاجة لتهذيب النفس لا تنتهي إلا بخروج الروح!

سؤال اللفتة: كيف ستعتني بهذه القضايا مع أولادك وطلابك؟

اللهم ارزقنا العلم والأدب..

نافذة الاستشارات (26) | ما فائدة المحاضرات؟

نافذة الاستشارات (26) | ما فائدة المحاضرات؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن في زمن السرعة، وقد ارتبط كثير من الناس بالمقاطع القصيرة، وأصبحوا لا يتحملون الطرح الطويل، فلم يبذل جملة من الدعاة جهودهم في إلقاء المحاضرات والدروس الطويلة؟ أليس من الأنفع توجيه الجهود لخطب الجمعة والكلمات القصيرة؟ والله يحفظكم.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فقد سرني هذا السؤال لأنه قد تكرر علي كثيرا حتى وجدت الحاجة ملحة لكتابة جواب عنه، ومن الله الهداية والتوفيق.

1-      على الداعية أن يبذل جهده في استخدام جميع الوسائل لتبليغ دعوته إلى الناس، فيلقي الدروس، والمحاضرات، والخطب، والكلمات، ويسجل المقاطع الصوتية والمرئية، ويكتب العبارات القصيرة، والمقالات، والكتب، ولا يترك شيئا يستطيع فعله لتبليغ دعوته إلا استخدمه، وكلما قصّر الداعية في الانتفاع بالوسائل ضعفت دعوته.

2-      علينا أن ندرك أن لكل وسيلة فائدة لا يمكن أن تتحقق بالوسائل الأخرى، وبالتحديد المحاضرات والدروس، ففيها ما ليس في غيرها، والمطالبة بتقديم مادتها في الكلمات لا يمكن!

o      فالكلمات تقدم فكرة مركزة في دقائق معدودة، كالحديث عن أهمية التوبة أو فضل الصبر

o      والمحاضرة تقدم تأصيلا شاملا لموضوع من الموضوعات في مجلس واحد، كشرح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو التوجيهات الشرعية في تربية الأبناء.

o      والدرس يشرح كتابا كاملا على مجالس متفرقة، كشرح كتاب الدروس المهمة لعامة الأمة، والأربعون النووية، وكتاب التوحيد.

إذا فهمنا هذا عرفنا أنه لا يمكن أن تشرح صفة الصلاة في عشر دقائق، ولا يمكن أن يشرح كتاب التوحيد في ربع ساعة، فالمحاضرة تقدم ما لا تقدمه الكلمة، والدرس يقدم ما لا تقدمه المحاضرة، فلا يصح خلط الأوراق.

3-      السبب الحقيقي في ضعف الناس اليوم هو تأثرهم بالفتن وانغماسهم في الدنيا، فالناس تختلف أحوالهم في الإقبال على الدين والدنيا، وقد كانوا مقبلين في سنوات سلفت على الدين، وهم اليوم مقبلون على الدنيا مشتغلون بها، وهذا هو الذي تسميه الشريعة بالوقوع في الفتن، وهو أمر خطير نحتاج أن ننبه أنفسنا وإخواننا عليه، حتى لا يأتينا الموت ونحن في غفلة!

4-      عند التأمل نجد أن كل مشاكلنا في حياتنا إنما هي بسبب الجهل، فكلما زادت مساحة جهلنا زادت كمية أخطائنا ومشاكلنا، فالأخطاء في العبادات بسبب الجهل، والظلم في المعاملات بسبب الجهل، والوقوع في المنكرات بسبب الجهل، وتشرب المفاهيم المغلوطة بسبب الجهل، والجهل كما قال ابن القيم شجرة تنبت فيها كل الشرور، وبناء عليه فنحن بحاجة إلى تعلم كثير، وحاجتنا إلى التعلم لا تنتهي إلا بخروج أرواحنا من الأجساد، وحتى تتضح لك هذه الصورة اطلع كرما على مقال كتبته بعنوان: "منهجية بناء المدعوين"، كتبته للدعاة والمدعوين جميعا، فيستفيد منه الداعية معرفة ما يُدرّسه للمدعوين، ويستفيد منه المدعو معرفة ما يحتاج إلى تعلمه، حتى يبحث عن الدروس التي تساعده على إتمام هذه المنهجية.

5-      فرق في الانتفاع بالعلم بين الطرح القصير والطرح الطويل، وفرق بين ما يستعد له المرء بورقة وقلم وبين ما يسمعه سماعا عابرا، فلا يمكن قياس الأثر الإيماني والعلمي المتحصل بالكلمات بالأثر المتحصل بالمحاضرات والدروس.

6-      يقول بعضهم لم لا ينزل الداعية إلى الناس؟ والجواب: أن النزول إلى الناس يكون صوابا في أسلوب الخطاب والأساليب المستخدمة وخطأً إذا كان في الهمة، فحديث الداعية بأسلوب يفهمه الناس صواب، واختيار الأساليب التي تناسب الناس وتصل إليهم صواب، لكن نزول همة الداعية إلى همة الناس خطأ، فهو جاء ليحملهم لا لينزل إليهم ويضعف بضعفهم!

7-      عندما نطالب بالسرعة والاختصار في الطرح الدعوي ما الذي سنذهب إليه ونشتغل به بقية أوقاتنا؟ الدنيا والملهيات وما يفسد قلوبنا وآخرتنا؟ أليس صلاحنا وزيادة إيماننا في الجلوس في المساجد وسماع ذكر الله؟ أفلا نستفيق وننتبه من غفلتنا؟!

8-      غالب من ينتقد على الدعاة الإطالة لا يصبر على التعلم، والمفترض أن يُدّرب نفسه على الصبر بدلا من الإنكار وتخطئة ما ليس بخطأ! فالاعتراف بضعف النفس مقام شريف يحمل المرء إلى ما ينفعه في الدارين.

9-      من صفات الداعية الصبر، وإذا لم يصبر على قلة الحضور فمتى سيصبر؟ ومن صفات المؤمن الصبر وإذا لم يصبر على مجالس العلم والإيمان فمتى سيصبر؟

10-                    السماع من حاجات الإنسان، لكن يختلف الناس في صرفها، فمنهم من يصرفها لما يضره، ومنهم من يصرفها لما ينفعه، وانظر لمشاهدات الناس اليوم للبودكاستات، والبثوث، والمقاطع، التي لا يخرج من أغلبها بشيء ينفعه في دينه! والبعض ينتقد إطالة الداعية لكنه يستمتع بإطالة متحدثي اليوتيوب وأبطال الشاشات! كل هذا يدل على أن هناك حاجة للسماع، لكن هذه الحاجة تحتاج إلى توجيه.

11-                    مهما زهد الناس في الحضور للمحاضرات والدروس فيجب أن نثبت عليها ولا نقطعها، لأننا إذا قطعناها اليوم قد لا نستطيع العودة إليها مطلقا، ولأن لها جمهورها خاصا، لا يرضى بالكلمات والطرح السريع! ولأن الداعية يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الثبات على الدعوة وإن قلّ الحضور، تأمل في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} خرجت غالب الحضور وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ثبت وأكمل وذلك لأن الثبات على الدعوة هو علاج قلة الحضور، لا لوم الناس وترك المساجد، ففيه تثبيت لمن بقي ونفع لمن يعود، وإذا لم يجد الناس الدعاة في المساجد فأين يجدونهم؟!

أرجو أن يكون جوابي شافيا عن هذا الانتقاد، وقد أطلت الجواب لأن الشبه تكون قصيرة العبارات، لكنها محملة بكم كبير من المغالطات، والله اسأل أن يرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح.

دليل الزوجين

دليل الزوجين الحياة الزوجية عالم واسع يحتاج الداخلون إليه إلى كمية كبيرة من المعلومات والخبرات والمهارات، وكلما زادت سعد الزوجان في حيات...