الجمعة، 18 سبتمبر 2026

نافذة الاستشارات (43) | يبحث عن طريقة تربية النابغين

نافذة الاستشارات (43) | يبحث عن طريقة تربية النابغين

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أريد أن أستشيرك في أمر، وهو أن الله رزقني بولد هو الآن في السادسة من عمره، وأريد أن يكون نابغا، بأن يحفظ القرآن، ثم الصحيحين أو الكتب الستة، ثم متون العلماء، حتى يكون عالما من صغره، ولكني أحتاج إلى خطة تعينني في الوصول إلى هدفي، وأريد مساعدتك في ذلك.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:

فإن المتربي يحتاج إلى أمرين: تربية وعلم، والمربون ينقسمون بحسب هذين الأمرين إلى أربعة أقسام:

          القسم الأول: من يهتم بهما جميعا.

          القسم الثاني: من يهتم بالعلم دون التربية.

          القسم الثالث: من يهتم بالتربية دون العلم.

          القسم الرابع: من يهمل الأمرين.

ومن السهل أن يقول المربي: أنا من القسم الأول وأريد الاهتمام بهما جميعا، لكن الصعوبة والحقيقة ستظهر في الممارسة العملية، فالعناية بأحدهما صعب، والعناية بهما أصعب، والمربي ليس متفرغا للتربية، بل عنده أعمال كثيرة يؤديها في حياته، والمتربي ليس عنده قدرات مفتوحة، بل قدراته محدودة، ثم زد على ما سبق أن التعارض بين الأمرين حاصل لا محالة، وبناء على هذه المعطيات، فستكون الأولوية عندك لأيهما؟ للتربية أم للعلم؟ وذلك لأن القسم الأول فيه نوع مثالية، وإن كان بعض الآباء قد يوفق في تحقيقه، والقسم الرابع ليس محل حديثنا، بقي الثاني والثالث، والذي أفهمه من سؤالك أنك من أصحاب القسم الثاني، فرغبتك جامحة في صب العلم على ولدك صبا، لكني من أهل القسم الثالث، وأريد أن أعرض لك وجهة نظري فإن أعجبتك فخذ بها، وإن لم تعجبك فاسأل غيري ممن هو مقتنع بتقديم العلم على التربية وعنده خطط لذلك.

          أولا: ما المقصود بالتربية والعلم؟

المقصود بالجانب التربوي: العناية باكتساب الآداب، وتحصيل الأخلاق، وبناء التصورات، وإتقان المهارات، والمقصود بالجانب العلمي: الانكباب على الحفظ والقراءة وحضور الدروس، وجعل النصيب الأوفر للحفظ، والأصوب في نظري في تربية الأولاد أن يكون اهتمام المربي بالجانب التربوي أكثر من اهتمامه بالجانب العلمي.

          ثانيا: ما الأسباب الدافعة لتقديم التربية على العلم؟

1-      لأن الجانب التربوي أساسي بينما العلمي كمالي، والتربوي يغني عن العلمي ولا يغني العلمي عن التربوي.

2-      أننا نلحظ في المخرجات العلمية ضعفا، ويشتكي جملة من الآباء والمحفظين والمشايخ مما يرونه، فيقولون: حافظ للقرآن ويحلق لحيته ويطيل ثوبه، وحافظ للسنة ويسمع الأغاني، وحافظ للمتون ولا يصلي الفجر في المسجد! وليس المقصود خلو طالب العلم من الذنوب، لكن عندما تكون الذنوب كبيرة وظاهرة ومتكررة في الطلاب نعرف أن عندنا خللا يحتاج إلى إصلاح.

3-      لأن الجانب العلمي ثقيل على الأولاد وغالبا يسيرون فيه بغير قناعتهم، وينتظرون الفرصة المناسبة للتخلص منه، بينما لو بدأنا بالجانب التربوي وأخذنا من الجانب العلمي شيئا يسيرا، فإن احتمالية توجه الولد للعلم كبيرة، وإذا توجه توجه غالبا برغبة وقناعة فيكفينا عناء المرابطة معه، وأذكر أن أحد الآباء شكا لي حال ابنه فهو قد حفّظه القرآن في صغره، وختم في الأول المتوسط، لكنه يرفض المراجعة ويرفض أي برنامج علمي آخر، كحفظ السنة أو قراءة الكتب أو حضور الدروس، وقال لي: تعبت معه حتى حفظ، وأتعب معه الآن حتى يراجع، وأخشى أن ينسى القرآن ويذهب كل جهدي الذي بذلته! وأذكر أني سألت أحد المسؤولين في جمعية تحفيظ عن هذه المشكلة، فقال: هذه المشكلة التي لم نجد لها علاجا، فجملة من طلابنا يختمون في المرحلة المتوسطة ثم يرفضون المراجعة فضلا عن الإكمال في البرامج العلمية!

كل هذا يؤكد أننا نضغط على أولادنا حتى ينجزون هذه الإنجازات العلمية المبهرة لكنهم يعودون علينا بقطع الطريق تعويضا لما فاتهم من المتع!

4-      أن العناية بالجانب التربوي هو الموافق لطبيعة الأولاد، فهم يميلون للعب والأنس، أما الجانب العلمي فهو من طبيعة بعض الكبار لا كلهم.

5-      من الآثار التي وجدتها وأنست بها لأنها وافقت رأيي، ما قاله أشهب: "سئل الإمام مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن [أي حفظه]؟ قال مالك: ما أرى هذا ينبغي"، قال ابن رشد في كتابه البيان والتحصيل معلقا على أثر مالك: "إنما قال هذا لا ينبغي، من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع التشديد عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا، وترك الرفق به في ذلك".

هذا ما عندي، وأسأل الله أن يرزقني وإياك صلاح أولادنا ويعيننا على تربيتهم وتعليمهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي

نافذة الاستشارات (44) | داعية يعاني قلة الزاد العلمي السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أحب الدعوة وأتمنى المشاركة فيها، فلم...