نافذة الاستشارات (37) | ولدي وكرة القدم
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولدي حفظه الله متعلق بكرة القدم تعلقا شديدا، يمكث الساعات الطوال في مشاهدة المباريات، وفي متابعة أخبار اللاعبين وحساباتهم، مع تعصبه الشديد لفريقه، وهذا لا يرضيني من حاله، وقد حاولت أن يترك ذلك ويشتغل بما ينفعه لكني لم أنجح، فأطلب مشورتكم في ذلك، والله يرعاكم.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله وبعد:
فإن من توفيق الله لك أن تحرص على تربية ولدك أكثر من حرصك على طعامه وشرابه، وهذا يغفل عنه كثير من الآباء، وقد لاحظتَ -وفقني الله وإياك- هذه المشكلة وتبحث عن علاج لها، وأوصيك بما يلي:
1. الاستعانة بالله وطلب توفيقه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فإننا كثيرا ما ننصرف إلى البحث عن الأسباب ونترك المسبب سبحانه وتعالى، فقلوب أولادنا بيده، وهو الهادي جل وعلا، فاطلب هداية ولدك منه وتضرع بذلك في كل سجود، وأذكر أني قابلت رجلا عُرف بصلاح أولاده فسألته عن سر ذلك؟ فقال: ما أسجد لله سجدة إلا وأدعو الله بصلاحهم.
2. مشكلتنا أننا نفرط في الغرس ثم نستغرب الثمرة! فوجود مثل هذه الإشكالات نحن سببها، لأننا نظن أنه يمكن أن يبقى أولادنا فارغون ثم يصلحون! والحقيقة أن الصلاح هدف يحتاج إلى عمل، وغاية تحتاج إلى بذل، ولذا استفد من هذه المشكلة في تنبهك لمراجعة مشروعك مع ولدك، والنظر في خطتك التربوية.
3. اسأل نفسك ما هي الجذور التي ولدت هذه المشكلة عند ولدي؟ حتى تستطيع أن تحل المشكلة من الجذور لا من السطح.
· ستجد أنها ثلاثة: عدم معرفته بقيمة الوقت وغاية الخلق، وغياب القدوات الصالحة في حياته، وضعف الولاء والبراء أو الجهل به.
· فولدك يرى بأن المتعة هي غاية الحياة، ولا يدرك أننا مخلوقون لطاعة الله والاستعداد للآخرة، ولو كان يعرف ذلك فغالبا هي معلومة نظرية عابرة، ليس لها كبير شواهد وقوة تأثير عليه، وإلا لما صرف نفسه كل هذه الأوقات لشيء يضره في الآخرة، ومعلوم أن العلم درجات، وكلما زادت درجة العلم زادت آثاره.
· ثم ستلحظ جهل ولدك بالقدوات الصالحة، فهو لا يعرف الأنبياء، والصحابة، والتابعين، وأئمة الفضل، معرفة تفصيلية، تجعله يحبهم ويقتدي بهم في حياته.
· ثم ستجد جهل أو ضعف معرفة ولدك بقضية الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، والتي ينبني على الجهل بها محبته للكافرين، وتقليدهم، والتعلق بهم.
· يأتي بعد معرفتك بالجذور سعيك في إزالتها واستبدالها بغيرها، وهذا يتطلب منك معرفة تفصيلية بالأمور الثلاثة ثم تحديث ولدك بها باستمرار، فأنت تحصّل كما كبيرا من المعلومات وتتشربها أولا، ثم تكثر السوالف مع ابنك وتطرحها له ثانيا، فإن تركت أحد الأمرين لم توفق في الغرس، بأن تترك تحصيل المعلومات وتطلب من ولدك أن يذهب ويحصّلها بنفسه، وتكثر من عتابه على ذلك، أو تحصّل المعلومات لكنك لا تجلس للحديث معه وتصبر على حواره وإقناعه.
4. لا تنظر لولدك من خلال هذه المشكلة فقط، ولا تجعل هذه المشكلة هي اهتمامك الوحيد معه، فلا تتكلم إلا فيها ولا تنشغل إلا بها، ولا تقيمه إلا من خلال قربه أو بعده عنها، لأنك ستخسر قضايا كثيرة أهم منها، وستخسر ولدك أيضا، لأنه إذا رآك متفرغا لهذه القضية فسينتقل للعناد!
5. ومن حلول المشكلة: أن تحفزه للفضائل بطريقة غير مباشرة، كإرسال مقاطع الشباب المتقنين لحفظ القرآن والسنة والمتون، وما أكثرها في الشبكة، وتردفها بعبارة تحفيزية، كقولك: متى أراك خاتما للقرآن؟ متى أراك متقنا للعلم الشرعي؟ أظنك تستطيع على أكثر مما استطاعوا عليه.
6. ومن حلول المشكلة: أن تقدم لولدك بدائل عملية يُشغل بها فراغه، فكثير منا ينكر على أولاده اشتغالهم بما يضرهم، لكنه لا يقدم لهم بدائل عملية، ولذا يبقى الأولاد على ما هم عليه، لأنهم يرون التوجيهات خيالية لا يمكن تطبيقها.
7. ومن الحلول أيضا: أن تفتح على ولدك نافذة التعرف على نفسه، فإنها ممتعة ونافعة، فإذا دخل في طريق التعرف على ذاته والبحث عنها، فسيستمتع من جهة، وسينتفع من جهة أخرى، لأنه سيعرف الهوايات التي يحبها، والمجالات التي تناسبه، وسيعرف أيضا التخصص الذي يلائمه، فتُحل مشكلة اختيار التخصص أيضا على الطريق!
8. ومن الحلول أيضا: أن تقترح على ولدك ممارسة الرياضة، فالممارسة أنفع من المشاهدة، فعلى الأقل يكتسب صحة جسده واشتغاله بشيء مباح.
9. ومن الحلول أيضا: تنبيه ولدك على المخالفات الشرعية الموجودة ونصحه باجتنابها، كمحبة الكافرين، وإظهار العورات كالأفخاذ، واختلاط الرجال بالنساء، ووجود القمار إذا كانت المباريات على مال.
10. بعد هذا كله إن ترك ولدك المشاهدة فخير، وإن ترك التعصب دون المشاهدة فخير أيضا، وإن خفف المشاهدة والتعصب فخير أيضا، فقد يستجيب لك ولدك وينتقل لما تتمنى أن ينتقل إليه، وقد يخف تعلقه بالكرة ويشتغل بما ينفعه، فهذا مكسب أيضا فلا تحقره وتحقر ما بذلت.
هذا ما تيسر ذكره، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق