الثلاثاء، 2 يونيو 2026

لفتة (62) رسالة إلى من طلب العلم على كِبَر

[62]

رسالة إلى من طلب العلم على كِبَر

الأربعاء 1446/7/1

أخي الغالي.. أحب أن أسطر إليك هذه الإشارات العشر، والتي تعينك بعد عون الله على طريقك الذي سلكت:

-    الإشارة الأولى: احمد الله كثيرا واشكره أن بصّرك بالعلم وطريقه، فهناك الكثير ممن لم يوفقهم الله إلى العلم النافع حتى مع تقدمهم في العمر، فازدادوا طلبا للدنيا وانشغالا بالمعاصي والتفاهات.

-    الإشارة الثانية: وسّع تصورك لمفهوم العلم، فالعلم ليس مقصورا على الوصول للإفتاء، أو التمكن من العلم وحفظ كتبه، بل العلم لكل مسلم، وهو درجات متنوعة يأخذ كل امرئ ما تيسر له منه، ولذا ففي ساحة العلم عامة الناس، وطلاب العلم المبتدئون، وطلاب العلم المتوسطون، وطلاب العلم المتقدمون، والعلماء الكبار، ومن رحمة الله بخلقه أن جعل العلم على درجات متفاوتة، وكل من أراد أن يطلب العلم وجد ما ينفعه ويرفعه، وهذا التوسيع للتصور يورثك محبة العلم وعدم استثقاله، وأخذ ما ينفعك منه.

-    الإشارة الثالثة: ارض بقضاء الله وقدره في عدم إقبالك على العلم إلا في الكبر، أو في عدم نيلك شيئا كثيرا منه، أو غير ذلك مما يتعلق بتحصيل العلم، فإن الله يقدر لك ما هو خير لك من تقديرك لنفسك، قال سبحانه: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وكلما وجدت ألما من تقصير الماضي ففرغ هذا الألم في الاجتهاد في عمل اليوم، فإن قاعدة العقلاء: ترجمة الألم إلى عمل.

-    الإشارة الرابعة: لا ينتهي زمن الطلب إلا بخروج الروح، فلا تيأس من نفسك، واترك النظرة الحدية فإنها من أخطاء طالب العلم، وهي أن يقول: "إما أن أطلب العلم من صغري وأحصل كل شيء، أو أترك العلم بالكلية"، وما يدريك فقد يكون العلم الذي تطلبه آخر عمرك أنفع لك من الذي تطلبه أول عمرك، بل قد تتعلم كلمات تكون سبب دخولك الجنة.

-    الإشارة الخامسة: قال ابن إدريس: "مهما فاتك من العلم، فلا يفوتنك من العمل"، وهذه كلمة جليلة تبين لك حقيقة العلم وثمرته، وأن من لم يدرك الوسيلة على جلالتها فهو قادر على إدراك الثمرة، والعبرة ليست بكثرة العلم وإنما بحسن العمل، والموفق يسمع الكلمة الواحدة فينتفع بها دهرا، قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فنحن مختبرون في أحسن العمل.

-    الإشارة السادسة: مراتب إتقان العلم ثلاث:

o   أعلاها: ضبط العلم واستحضاره.

o   وثانيها: كثرة تكراراه حتى تثبت معانيه الكبرى.

o   وثالثها: ملازمة الدروس والمشايخ مع التحصيل القليل.

فمن لم يستطع على الأولى من خلال الحفظ، والقراءة، والفهم، والإتقان، والضبط، فينتقل للثانية ويحرص على المعاني الكبرى وذلك بالتكرار الكثير لأصول العلم، فإن لم يستطع فلا أقل من ملازمة الدروس والمشايخ -حضورا وسماعا لها عبر الوسائل-، فمجرد حضورها عبادة وتثبيت، ولن يعدم المرء الفائدة ولو كانت قليلة أو مؤقتة، والخروج منها ولو بفوائد قليلة، وأما الربط بين المذاكرة والحضور، أو الانتفاع والحضور فمن أساليب الشيطان في صد الإنسان، فاثبت على الحضور وإن لم تستطع المذاكرة، واثبت وإن قل انتفاعك.

-    الإشارة السابعة: اختر من العلوم ما ينفعك، لأن العلوم كثيرة وكبيرة، وأنفعه لك العلم الواجب، ولا تدخل غير ذلك فتمل ويقل انتفاعك، والعلم الواجب هو الذي يجب عليك تعلمه مما تحتاجه لإقامة عبادتك، كأحكام الوضوء والصلاة، وأذكار اليوم والليلة، والفاتحة وقصار السور، ومن أهم الكتب النافعة فيه: "رسالة الدروس المهمة لعامة الأمة" لابن باز، وخذ شرح الشيخ محمد العرفج عليها، وستجد نفعا عظيما، فهذا الكتاب حقه أن يدرس ويكرر حتى الموت.

-    الإشارة الثامنة: يشتكي كثير من كبار السن من حسده لمن حصّل العلم لا سيما الصغار منهم، ولذلك حلولا:

o   أولها: الرضا بقضاء الله وقدره والتسليم لحكمه، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}.

o   وثانيها: الدعاء للمحسود بالبركة والزيادة، والثناء عليه، وعدم الإساءة له بشيء.

o   وثالثها: التفكر في نتائج الحسد الوخيمة، والتي منها: ضيق صدرك، وتنغص عيشك، وانصرافك عما ينفعك.

o   ورابعها: مجاهدة النفس على التخلص من الحسد وتركه، مع الاستعانة بكثرة الدعاء.

o   وخامسها: تواضع للحق، فعلى قدر تواضعك تنال من العلم، فإن تكبرت خسرت.

-    الإشارة التاسعة: من قواعد الانتفاع بالعلم:

o   الأولى: الإكثار من دعاء الله سبحانه، فالعلم رزق وهو الرزاق سبحانه، قال نبينا: (وإنَّما أنا قاسِمٌ ويُعْطِي اللَّهُ).

o   الثانية: ابحث عن شيخ نافع، لا سيما من تفهم عليه وعنايته بك أكبر.

o   الثالثة: لا يُنال العلم إلا بالتكرار فأدمنه.

o   الرابعة: ركز ولا تتشتت، فإرادة التعويض عن تقصير الماضي تدفع أحيانا للإكثار والتشتت.

o   الخامسة: قليل دائم خير من كثير منقطع.

o   السادسة: يعظم انتفاعك كلما بذلت جهدا أكبر، فاكتب، ولخّص، واحضر، وناقش.

-    الإشارة العاشرة: حفز نفسك على العلم بتذكر ثمراته، ومنها:

o   حصول الأجر والثواب، وذلك لأن العلم عبادة، سواء فهمت أو لم تفهم، وحفظت أو لم تحفظ.

o   توسيع قاعدة الفهم، وهي غاية نبيلة، فإنه قد يصعب عليك الحفظ، لكن يتحسن فهمك، وترتقي تصوراتك، وتفهم الحياة على غير ما كنت تفهمها سابقا.

o   زيادة الإيمان ودفع الشيطان، فإنه كلما زاد علم المؤمن اقترب من الله أكثر، واستطاع معرفة طرائق الشيطان ودفعها.

كتبت لك هذه الرسالة من القلب، وأسال الله أن تصل إلى قلبك، وهي بحاجة إلى تكرار مستمر حتى تتشربها وتعمل بها، أسأل الله أن يرزقني وإياك العلم النافع والعمل الصالح..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة الأوراق الدعوية (3) كناشة المعتكف

    بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة الأوراق الدعوية (3)  كناشة المعتكف الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف رسل الله، أما بعد: فإن السلف رحمهم ...