الاثنين، 25 مايو 2026

رؤى (19) الغريزة المظلومة

[19]

الغريزة المظلومة 

ركب الله تبارك وتعالى في البشر جملة من الغرائز أبرزها غريزة النكاح، تجري فيهم جريان الدم في العروق، وجعل الله منافذ شرعية لتفريغها بالحلال ومنافذ أخرى لتفريغها بالحرام، وأمر المؤمنين بالحلال ونهاهم عن الحرام، وفي زماننا هذا حصل خلل كبير في التعامل مع هذه الغريزة، فالناس فيها قسمان: أهل الشهوة الجائزة وأهل الشهوة المحرمة، والإشكال الواقع هو كبت أهل الشهوة الجائزة واتهامهم بالحيوانية والهجوم عليهم عند إرادة إشباع شهواتهم، بينما أهل الشهوة المحرمة يسرحون ويمرحون في التعامل مع شهواتهم ويجاهرون ويفاخرون، بل تجاوز الأمر إلى نكس الفطر وطلب الشذوذ والسعي لنشره وتشريعه ومحاربة من يعاديه! في الوقت الذي يُحرم فيه كثير من المسلمين وأصحاب الفطرة السوية من نيل شهواتهم بالحلال، فاختلطت الأوراق وفسدت التصورات فأحببت أن أقف محاميا للغريزة المظلومة وأعبر عن جملة من المعاني التي تحتاج إلى بيان وتذكير وتنبيه، عبر حديث مطول مكوّن من عشر فقرات:

(1) بين البلوغ والزواج؟!

يبلغ أبناؤنا في الخامسة عشرة وبناتنا في التاسعة وتثور شهواتهم مع ذلك البلوغ، لكن السؤال متى يتزوجون؟! الأصل كما نرى في واقعنا أنهم لا يتزوجون إلا بعد التخرج من الجامعة أو الدخول في الوظيفة وهم في أواخر العشرينات أو أواسط الثلاثينات وهذا عجب عجاب! كيف يفعلون في العشر أو العشرين من السنوات؟! أجيبوني أيها العقلاء؟!! فهذه شهوة تحتاج إلى إشباع، وقد زاد غليانها مع هذه الفتن التي نعيشها، أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا، وعندما يطرح هذا الكلام على بعض الآباء يجيبون قائلين: لا يزالون صغارا وإذا كبروا تزوجوا! أو لا يزالون يحتاجون إلى بناء أنفسهم دنيويا! وماذا عن الشهوة؟ لا جواب!

وأقول للآباء مدافعا عن الغريزة المظلومة: اتقوا الله في أولادكم فهم يعيشون على جمر حار، وقد لا يجرؤ بعضهم على الحديث عما يعاني -خاصة الفتيات-، لكن الشهوات تغلي فيهم غليان الماء على النار، استعينوا بالله واجعلوا من همومكم المسارعة في تزويجهم وإعفافهم، واحذروا كل الحذر من تجاهل ذلك، فإن الحرام اليوم على قارعة الطريق، والوصول إليه أسهل من شرب الماء، ولا يمنع الشباب من الجنسين من الوصول إلى هذه اللذات المحرمة إلا خوف الله، وقد يضعفون فيقعون، وهذا الكلام لمن سلم، أما من وقع فكثير، وانتشالهم مما هم فيه يكون أيضا بالتزويج والإحصان.

(2) زوج بالاسم!

كان رجلا أعزبا فتزوج استجابة لنداء الفطرة {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ} [آل عمران:14]، (حبِّبَ إليَّ منَ الدُّنيا النِّساءُ والطِّيبُ وجعلت قرَّةُ عيني في الصَّلاةِ) [أخرجه النسائي (3939)، وأحمد (13079) واللفظ له]، وبعد فترة اكتشف أنه تزوج بالاسم فقط! فمقصود الزواج الأعظم -وهو الإعفاف- لم يتحقق، فزوجته تتمرد عليه كثيرا وتتمنع من إعطائه حقه في الفراش، وأصبح هذا الموضوع يشكل قلقا كبيرا له، لأن عينه لم تغض وفرجه لم يحفظ، ويزداد الأمر سوءاً إذا كان الزوج يعمل في مكان مختلط، فالفتنة عنده أعظم.

ولهذه المشكلة أسباب فقد يكون تساهل الزوج مع زوجته في طلب الاشباع أول الزواج سببا لتمردها عليه بعد ذلك، فتجد بعضهم يزيد في الرفق حتى يهضم حقه، أو يتجنب الضغط على المرأة في أيامها الأولى إذا أبت فتثبت المرأة على ذلك ويخسر هو، ومعلوم أن الأمر يحتاج إلى شيء من الحزم، لأن الأسباب التي تدفع الزوجة لرد الزوج متعددة، كأن تكون خجولة، أو ليس لها رغبة، أو تستثقل الأمر أو غير ذلك، أما إذا تقدم عمر الحياة الزوجية فقد يكون السبب انشغال المرأة برعاية أولادها وتربيتهم، فيصبح الزوج ثانيا والأولاد أولا!

وهنا أوجه رسالتي للزوجة التي تظلم زوجها في هذا الباب فأقول: اعلمي أختي المسلمة -وفقك الله لطاعته- أن طاعة الزوج من طاعة لله، بل حقه فوق حق الوالدين، وفي هذا امتحان كبير لك، وتأملي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لَو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ النِّساءَ أن يسجُدنَ لأزواجِهِنَّ لما جعلَ اللَّهُ لَهُم علَيهنَّ منَ الحقِّ) [أخرجه أبو داود (2140)] فالسجود عبادة خالصة لله تعالى، لكن لو كان هناك أحد بعد الله يستحق السجود له لكان الزوج لعظيم قدره! وأكثر ما يُدخِل المرأة النار عصيانها لزوجها، وكفرانها إحسانه إليها: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا؛ قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) [أخرجه البخاري (29)، ومسلم (907)]، بل من عِظَم حق الزوج على زوجته أن قرن الإسلام طاعة الزوج بإقامة الفرائض الدينية وطاعة الله؛ فعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ) (أخرجه ابن حبان (4163)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4715) واللفظ له)، فهذا بعض ما ورد في عظيم حق الزوج ووجب طاعته عموما وهناك أحاديث أخرى في وجوب طاعته في الفراش خصوصا والتشديد في ذلك تستحق الوقوف الطويل معها:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا الرَّجلُ زوجتَهُ لحاجتِهِ فلتأتِهِ، وإن كانت على التَّنُّورِ) [أخرجه الترمذي (1160)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8971)]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح) [رواه البخاري: 3237، ومسلم: 1436]، قوله: "إلى فراشه" المقصود بالفراش الجماع، وهذا الحديث يفيد اللعن، من الليل إلى الصباح إذا تباعدت عن فراش زوجها بغير سبب شرعي، فهل يرضيك أن تلعنك الملائكة حتى تصبحين؟! ولماذا رتبت الشريعة على هذا الرفض عقوبة اللعن -وهو الطرد من رحمة الله-؟ ولم تؤمر الزوجة الزوجة بإجابة زوجها في حال شغلها ولو كانت على التنور تخبز؟! الجواب: لأن شهوة الرجل شديدة ولا بد أن تشبع في حينها، حتى لا ينصرف إلى الحرام -والعياذ بالله-.

(3) التعدد شريعة مستقلة

قال الحق تبارك وتعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]، ونبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم كان معددا للزوجات، وهذا الباب على شدة الحاجة إليه اليوم إلا أن كثيرا من الناس يهرب منه ولو بالحديث، خوفا من المجتمع، فأول من يعادي الرجل أهله وأقرباؤه قبل غيرهم، ولذا يفكر الشخص ألف مرة قبل سلوك هذا الطريق، وذلك لأنه يعلم أن أحد الأشياء التي يحتاجها قدرته على مواجهة من يعارضه، وفي المقابل فإن الأشخاص المحتاجين إلى التعدد من الرجال والنساء تُشكى أحوالهم إلى الله، فأما الرجال فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة أو تقوم بحقه، ومنهم من يرغب بكمال الاستمتاع بالزوجات حتى يغض بصره ويُحصّن فرجه، وأما النساء فأرقام العوانس مليونية في بلدان المسلمين، وعلى سبيل المثال فقط:

-       ففي الإحصاء الذي أجرته الهيئة العامة للإحصاء في السعودية عام 1437 كان من نتائجه: أن عدد الإناث السعوديات اللاتي بلغن (15 سنة) وأكثر واللاتي لم يسبق لهن الزواج في المملكة هي: (2.261.946) أنثى سعودية، وهذه النسبة لم يدخل فيها المطلقات والأرامل وغير السعوديات!

-       وفي مصر رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن نسبة العنوسة تجاوزت 13.5 مليون ممن تجاوزت أعمارهم 30 عاما، منهم 2.5 مليون شاب، و11 مليون فتاة!

وهذا فقط في السعودية ومصر فكيف ببقية دول المسلمين؟! السؤال الجوهري هنا: كيف نحل مشكلة هؤلاء النسوة؟ وكيف نصرف شهواتهن بالحلال؟ الجواب الذي يهرب منه الكثير: التعدد ولا غير التعدد.

وللفائدة فإن من أسباب ارتفاع نسب الطلاق توظف المرأة، فقد كشفت الهيئة العامة للإحصاء السعودية في تقريرها الثالث لــ 2016 عن ارتفاع عدد المطلقات المشتغلات في المملكة حيث بلغ 72.895، في حين بلغ عدد المطلقات من العاطلات 14.856، وهذا ما يؤكد أن وظيفة المرأة أحد أهم أسباب الطلاق.

ومما يغيب كثيرا أن التعدد جاء لحل جملة من المشاكل عند الرجال والنساء، وفهمه بهذه الطريقة يجعلنا ندرك عظمة شريعتنا، ومن المفاهيم المغلوطة: "القول بأن التعدد باب لا يدخله إلا المضطر، كالذي مرضت زوجته، أو حُرِم الأولاد!"، والصحيح أنه باب من أبواب التمتع بالمباح، فالأصل أن ينكح الإنسان ما طاب له من النساء {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم}، وليس أن ينكح ما اضطر له من النساء، فالتعدد ليس باب ضرورة بل هو باب تمتع بما أباح الله، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]، والنساء من الزينة التي أخرج الله لعباده.

وقديما كانت كثرة النساء للرجل دليلا على قوته ومهابته ومكانته، بل هذا إلى اليوم وانظر في أصحاب العلاقات المحرمة كيف يفخرون بكثرة الخليلات!

من التنبيهات المهمة هنا: أن التجارب الخاطئة التي عاشها بعض المعددين ليست حكما على شريعة التعدد، فلا يحكم على دين الله بأخطاء الناس في تطبيقه! فالشريعة كاملة، والعيب في التطبيق، وكثير ممن دخل هذا الباب لم يكن لديه القدرة على القوامة، والتي هي أساس الأسرة، فامرأة لا تؤمن بالقوامة لا تصلح للزواج، وبالأحرى لا تصلح للتعدد، ورجل لا يفهم القوامة لا يصلح للزواج وبالأحرى التعدد.

أخيرا: كثير من الناس ينظر لما يسميه بالأضرار الواقعة بسبب التعدد، ولا ينظر للأضرار الحقيقة الناتجة عن غياب التعدد، وأهمها: قلة إعفاف الرجال، وكثرة العنوسة، وصبر المرأة على ظلم زوجها خوفا من الطلاق، بخلاف مجتمع التعدد الذي تحل فيه هذه المشكلات، وتجد فيه المطلقة والأرملة فرصة ثانية، كما تجد البكر فرصا أكثر.

(4) السبب الخفي

في الحياة الزوجية تقع المشاكل بين الزوجين وهي من سنن الحياة، وهذه المشكلات منها ما يُحل داخل الأسرة، ومنها ما يُحل بطرف خارج الأسرة، ومنها ما ينتهي بالطلاق، لكن مما يخفى أن جملة من المشكلات والتي ينتهي بعضها بالطلاق سببها الرئيس عدم الإشباع في الفراش وليس ما يذكره الطرفان من أسباب، وما يدعيانه من مشكلات، فكما قررنا سابقا أن من مقاصد الزواج العظمى حصول الإعفاف، فإذا لم يتحقق وجد كل من الزوجين أن حياته ثقيلة والأعباء عليه شاقة، ولا يوجد ما يدعوه للصبر على الطرف الآخر، فتكثر المشكلات بينهما حتى تنتهي بالفراق، لكنهما يخجلان من أن يبوحا بالسبب الحقيقي، وليس معنى كلامي أن ندعوا الأزواج لإفشاء الأسرار الزوجية، وإنما المقصود أن نستحضر أهمية الإشباع الجسدي ودوره المؤثر في استمرار العلاقة الزوجية، وذلك لأننا نجد من يهوّن من هذا الأمر ويعتبر تربية الأولاد والحقوق الأخرى أهم منه! وتأمل يا رعاك الله لو أن الله لم يضع هذه الغريزة في نفوس البشر هل كانوا يتزوجون؟ وإذا تزوجوا هل يصبرون؟ ما الذي يدعو الرجل للصبر على تكاليف الزواج وأعبائه؟ وما الذي يجعل المرأة تصبر على ما تلاقيه من مشاق الحياة الزوجية؟ لا شك أن لذة الغريزة والإشباع الجسدي من أهم أسباب ذلك.

(5) ولأهلك عليك حقا

معلوم أن لكل من الزوجين حق على الآخر، وبيان هذه الحقوق مهم جدا لا سيما في هذا الوقت الذي أصبح فيه كثير من الأزواج يتلقى تصوراته من الإعلام! ومن الحقوق التي نريد ذكرها في هذا المقام: حق إعفاف المرأة، فــــ "يجب أن تنال الزوجة من زوجها اللذة كما ينال منها، فيلبي الزوج رغبتها الفطرية؛ حتى يغض طرفها ويُحصِّن فرجها، ويصونها ويحفظها من كل ما يخدش شرفها، ولذا أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- عثمان بن مظعون إلى ما لأهله عليه من الحق، لما انقطع عنهم إلى العبادة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وإن لأهلك عليك حقًّا).

"ووطءُ المرأة واجبٌ في أظهر أقوال العلماء، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد، واختاره شيخ الإسلام، ويكون حد الوجوب بما يشبع حاجتها وكفايتها، وبقدرة الزوج بحيث لا ينهك بدنه، ويشتغل بذلك عن معيشته، ولا عبرة مما قال به الفقهاء من أن الوطء الواجب هو مرة كل أربعة أشهر، بل حده قدرة الزوج وكفاية المرأة". [حقوق الزوجة على زوجها، محمد فقهاء]

ومن الخلل الموجود عند جملة من الرجال عدم قيامهم بهذا الحق، وجهلهم بالفروقات بينهم وبين النساء عموما وفي الفراش خصوصا، فإذا دخل عندها وقع عليها كما تقع البهيمة، دون إيجاد رسول من قبلة وكلام، فلا تُعف امرأته وتبقى تتألم دون علاج! فلا هو الذي أشبعها ولا هو الذي طلقها! وقد تزل بها القدم فتقع في الحرام -والعياذ بالله-.

وفي الفراش ثلاث مراتب يتوزع عليها الرجال، فمنهم من حقق أعلاها، ومنهم متوقف في أدناها، ومنهم من هو بين ذلك:

المرتبة الأولى: الجهل بحاجة الزوجة للإعفاف.

المرتبة الثانية: إدراك حق الزوجة في الإعفاف، وإشباعها بالحد الأدنى.

المرتبة الثالثة: الإحسان إلى المرأة في الإشباع، والمقصود بالإحسان إشباع المرأة في الوقت الذي تريد، وبالطريقة التي تريد، وفتح المجال لها لإبداء رأيها في هذا الباب، وأكثر الرجال توفيقا من وصل إلى هذه المرحلة واحتسب الأجر في ذلك.

وقد يستغرب ويستنكر بعض الرجال كلامي الأخير لكن الفطرة التي في النفوس يجب أن نعبر عنها، فللمرأة شهوة كما للرجل شهوة، وللمرأة أوقات تثور غريزتها فيه كالرجل، وللمرأة أمور تحبها من زوجها وتتمناها كما يحب هو منها، وسكوتنا عن هذا ظلم للمرأة وعدم تحقيق لكفايتها.

وبعض الرجال يأت امرأته في حالة لا تسر، من عدم النظافة والرائحة الطيبة فضلا عن غيرها من الأمور، ثم يطلب منها أن تكون في قمة تزينها وتجملها له وهذا من الظلم البين، عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: "إنِّي لأحبُّ أن أتزيَّنَ للمرأةِ كما أحبُّ أن تتزيَّنَ ليَ المرأةُ، لأنَّ اللَّهَ يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ". [عمدة التفسير 1/277]

واعلم -أيها الزوج- أن لكل شيء فنا وعلما يُتعلم، ومن ذلك أمر الفراش، ولو سألت: كيف أعرف هذا الفن؟ فالجواب: أننا بحمد الله في زمن وجدت فيه كتب ودراسات ودورات تطرح هذا الموضوع بطريقة صحيحة منضبطة، وفي المقابل هناك مصادر منحرفة يستقي البعض معرفته منها كالمواد الإباحية، سواء مرئية أو مكتوبة، فابحث عن سلامة المصدر أولا وستجد مبتغاك، ومن الكتب المفيدة في الباب: كتاب "جرعات من الحب" لكريم الشاذلي، مع التنبيه لمن يقرأ كلامي هذا ولم يتزوج بعد أو كان بعيدا عن زوجته ألا يطلع على هذا الكتاب، لأن القراءة في هذا الموضوع تلهب الشهوة.

(6) بشر في هيئة جماد

لا أدري لماذا نتعامل في كثير من الأحيان مع العمالة والخدم على أنهم قطع من الجماد، وننسى تماما أنهم بشر مثلنا، لا يختلفون عنا إلا في شيء واحد، وهو أن الله سخرهم لنا وجعل رزقهم على أيدينا، وصور هذا المفهوم المغلوط كثيرة، لكن شاهدها هنا: تجاهل شهوة العامل، وهذا يتجلى في صور كثيرة منها: ركوب المرأة متعطرة متزينة مع السائق، وإطالة المرأة الحديث مع الباعة، والتغنج في الكلام معهم، ومنع العمال من جلب زوجاتهم أو السفر الدوري لهن، وحديث الرجل مع خادمته وممازحتها والإهداء إليها، وغير ذلك من الأمثلة التي تشعر بأن هؤلاء الناس ليس لهم شهوات تغلي في أجسادهم، والتي يكون من آثارها: التحرش بالأطفال، ووقوع الفواحش، وغيرها من الجرائم التي لا يصحو كثير من الناس لها إلا إذا وقعت -عافانا الله وإياكم-.

وأسوق هنا موقفا جميلا لأحد جيراننا، حيث احتاج إلى سائق وخادمة، فذهب ليستقدمهما واشترط أن يكونا زوجين، وبالفعل حصل له ما أراد، وبعد مدة عادا إلى بلديهما فاستقدم مرة أخرى واشترط نفس الشرط، لكن لم يستطع المكتب أن يلبي له شرطه هذه المرة، وأتى له بخادمين ليس بينهما صلة، ففرّقهما عن بعض في السكن، ومضت الأيام حتى نطق السائق لكفيله قائلا: "أنا محتاج للزواج وأريد أن تزوجني الخادمة إذا وافقت"، فرحب الرجل بهذه الفكرة كثيرا، وعرض الأمر على الخادمة فرحبت ووافقت، ثم زوجهما، وجعل لهما سكنا مستقلا، وبعد فترة رزقا بأول مولود لهما، ولما رأيته فرحت كثيرا لحصول الإعفاف لهما، ولفرحهما بهذا الولد.

تأمل يا صاحبي في هذا الموقف وكيف أن الرجل الحكيم أدرك حساسية وجود رجل وامرأة غريبين في بيت واحد، وكيف سعى في إعفافهما، بل قبل ذلك البحث عن زوجين، وتخيل لو أن هذا السائق وصل إلى الخادمة بطريق الحرام كيف سيكون الحال؟!

 يقول أحمد بن عبدالكريم الخضير في تغريدات له على تويتر: "زار معالي الشيخُ عبدالله التركي الوالدَ الشيخ عبدالكريم الخضير مغرب اليوم، ودار بينهما حديث نفيس حول العلم والعلماء، ومن القصص التي أثارت اهتمامي ما رواه الشيخ عن العلامة ابن باز -رحمه الله- أن إدارة الجامعة الإسلامية في زمن العباد كانت قد قررت تسفير أسر طلاب المـنح للظــروف المالية، فقال ابن باز: كم تكلفتهم؟ قالوا: ٢مليون، فقال الشيخ: عندي، وأرسلها لهم خلال أيام، وقد ذكر معالي الدكتور التركي أن الشيـــــــــــخ عبدالمحسن العباد -حفظه الله- قد بذل جهوداً لإبقائهم إلا أن الميزانية قصرت، ولذلك تكفل بها العلامة ابن باز -رحمه الله- من خارج الميزانية، وكل منهما على ثغر من ثغور نفع الأمة عامة، وطلاب العلم خاصة".

وهذا بحق موقف عجيب ونظرة بعيدة لابن باز -رحمه الله-، لأنه يدرك أن هؤلاء الطلاب لهم غرائز ولنسائهم غرائز، فقد تصرف غرائز الرجال في الحرام هنا، وغرائز النساء في الحرام هناك!

(7) شهوة النظر

من المسائل المتعلقة بموضوعنا مسألة مهمة تغيب كثيرا وهي: العلم بأن النظر والإتيان شهوتان وليست شهوة واحدة، ولذا قد يتزوج الرجل ويأتي زوجته لكن نظره يبقى ممتدا في المحرمات -والحال كذلك مع المرأة-، ولا شك أن الزواج من أعظم ما يعين على غض البصر، لكنه يحتاج أيضا لعلاج مستقل، لا سيما إذا كان المرء يعاني منه، ومشكلة البصر مشكلة العصر، لأنها تصل إلى من أراد ومن لم يرد، ونحن مبتلون بها كما ابتلى الله الصحابة بقرب الصيد، ولذا قرب الحرام لا يعني حله، وينبغي أن يعالج المرء نفسه ويجاهدها في البعد عن هذه الشهوة، ومن علاجاتها: معرفة منافع غض البصر والتيقن منها، وأسوق إليك أخي القارئ طرفا من كلام ابن القيم في ذلك:

"أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سَعِدَ من سَعِدَ في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شَقِيَ من شَقِيَ في الدنيا والآخرة إلا بتضييعِ أوامره.

الثاني: أنَّه يمنعُ من وُصولِ أثرِ السمّ المسموم الذي لعلَّ فيه هلاكُه إلى قلبه.

الثالث: أنه يورثُ القلبَ أُنسًا بالله وجمعيَّة على الله؛ فإنَّ إطلاقَ البصرِ يفرِّقُ القلب ويشتِّتُه ويبعدِه من الله.

الرابع: أنه يقوّي القلبَ ويفرِحُه كما أنَّ إطلاقَ البصرِ يُضْعِفُه ويحزنُه.

الخامس: أنه يكسب القلب نورًا كما أنَّ إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغضِّ البصر.

السادس: أنه يورِثُ الفِرَاسة الصادقةَ التي يميّز بها بين المحقّ والمبطل، والصادق والكاذب".

(8) الشهوات العامة

كان الكلام في الفقرات السابقة عن الهموم المستورة في النفوس والبيوت، أما في هذه الفقرة فالكلام متوجه للشهوات الظاهرة العامة لكل المجتمع، فإن الظاهر له اتصال بالباطن، ومظاهر الشهوات العامة كثيرة، أبرزها: القنوات الفضائية المحرمة، وانتشار صور النساء والمردان في الإعلام والدعاية، وقلة احتشام النساء وعنايتهن بالحجاب، ووجود أماكن الدعارة والسماح بها في بعض بلدان المسلمين، أما علاجها فله مستويات:

أما على مستوى الفرد فعليه أن يجاهد نفسه ويغض بصره، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر استطاعته، ويربي أولاده على أن انتشار الحرام لا يعني حله، ويدرك تماما أننا في زمن فتن ونحتاج لصبر ومجاهدة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69]، وأما الأفراد الذين يساهمون في نشر الشهوات فعليهم أن يتقوا الله، ويتذكروا أنهم يحملون آثام كل من فسد بسببهم، أو وقع في الذنب بفعلهم، وعلى سبيل المثال لو أن امرأة تزينت وتعطرت ثم خرجت إلى السوق ومرت بالرجال وحادثت بعضهم، كم سيقع في النظر المحرم رجل بسببها؟ وكم سيتأثر من شاب بتبرجها؟ هذا كله في ميزان سيئاتها.

وأما على مستوى المجتمع فأجل الحلول تكثيف الدعوة إلى الله، ومقاومة المنكرات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الأمر الذي ميز الله به هذه الأمة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. [آل عمران:110]

(9) المنطقة الغائبة

وسّعت الحديث كثيرا فيما سبق في باب العلاج، وأجعل هذه الفقرة في الوقاية، وهو الشيء الذي ينبغي أن ينصب عليه اهتمامنا قبل العلاج، وفي هذا إشارات:

الإشارة الأولى: أهمية زرع العفاف وبثه، وقد بينت سورة النور ذلك بيانا شافيا، أخرج أبو عبيد أن عمر -رضي الله عنه-كتب للأمصار: "تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور"، وعن مجاهد قال: "علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نساءكم سورة النور"، ومن الكتب المعينة على ذلك كتيب "أسوار العفاف".

الإشارة الثانية: الاستجابة للأوامر الشرعية التي جاءت لتنمية العفة في النفوس كعدم الخلوة بالأجنبية، وتحريم التبرج، والتفريق بين الأبناء في المضاجع، والاستئذان عند الدخول، والحث على غض البصر.

الإشارة الثالثة: التوعية بالقضايا الثلاث: (الحب، والبلوغ، والشهوة)، لأن الحديث عنها شبه غائب في أسرنا ومدارسنا، وقد رأيت من غالب طلابي إن لم يكن كلهم أنهم لا يعرفون عنها شيء، ويكون هذا سببا في كثير من الآفات: كأدائهم للعبادة وهم جنب! ووقوعهم فريسة للتحرش، ومقارفتهم للمحرمات، والسبب جهلهم بهذه الموضوعات!

ومن المواقف الجميلة في هذا المعنى: أن معلم النحو ونحن في الصف الثالث المتوسط دخل علينا ذات يوم فقال لن أشرح لكم اليوم درسا! فتعجبنا وقلنا: لماذا؟ قال: لأن هناك موضوع مهم سأحدثكم عنه، قلنا: وما هو؟ فكتب على السبورة: "الحب" فضحك الطلاب، وقالوا: هل تسخر بنا؟ قال: بل أنا جاد واسمعوا لحديثي هذا، ثم انطلق في كلام طويل استوعب الحصة كاملة عن تعريف الحب، وأهميته، وأنواعه، وكيفية التعامل مع كل نوع منه، وأجاب عن جميع الأسئلة التي طرحها الطلاب حول ذلك، فكان لتلك الحصة أثر علينا وأثنينا على المعلم كثيرا في طرقه لهذا الموضوع الذي لامس احتياجنا، ولم نكن نتوقع أن يتحدث أحد المعلمين فيه! ومما ظهر في النقاش أن مفهوم الحب الذي كان حاضرا في أذهان زملائي هو الحب المحرم فقط، وقد استقوا ذلك من مشاهدتهم للمسلسلات، ثم إنهم لم يكونوا يعرفوا كيف يتعاملون معه؟ فشفى معلم النحو صدورهم!

ولا يصح أن يتجاهل المربون معلمين أو آباء هذه الموضوعات بحجة أنها محرجة لهم، فعدم الجرأة عليها قد يكلف الطرفين ثمنا باهظا في قابل الأيام.

الإشارة الرابعة: التأكيد على أهمية اكتساب الثقافة الزوجية الصحيحة قبل الزواج وبعده، وذلك لأن فهم الزواج وكيفية العيش فيه تعين على تحقيق الإشباع والسكن، والدخول بذهن خال يجعل الزواج تجربة فاشلة ليس فيها إشباع للزوجين.

الإشارة الخامسة: أن علاج مشكلات الشهوات لمن وقع فيها لا يكون بطريقة سريعة، وإنما يكون على طريقة طويلة تسمى بالعلاج المركب، ومن أفضل من طرحها ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه النفيس "الداء والدواء"، فهو نافع جدا في هذا الباب، فنحن بحاجة إلى شرح هذا الكتاب، واختصاره، وطرح مادته مرارا وتكرارا.

(10) الخجل المذموم

أدرك أن هناك من سيستنكر مادة هذا المقال ويرى أنها تجاوزت حدود الأدب، فأقول لمن كانت هذه نظرته:

في كل شيء طرفان ووسط، والوسطية فضيلة بين رذيلتين، والذي يحصل معنا أن الطرفان موجودان لكن الوسط غائب، فالانحراف الكامل والوقوع في الفواحش والدعوة إلى الشذوذ وبناء العلاقات المحرمة موجود، والخجل الشديد الذي يمنع من أداء الحقوق ويوقع أبناءنا وأسرنا في الحرام موجود، فكان لابد من وجود الخطاب الوسط الذي يعالج الإشكالات بأدب وينبه على المشكلات بلطف، وأحمد الله فليس في مقالي ما يخدش الحياء من توصيف العورات أو إثارة الغرائز وتهييج الشهوات، كما أنه ينبغي أن نملك الشجاعة الكافية لمواجهة التيار الإباحي الذي يتوسع اليوم، فالقوة تواجه بالقوة والجرأة تقابل بالجرأة، واسأل نفسك: كيف يفخرون بباطلهم وإباحيتهم وشذوذهم ولا نفخر بالحق والفضيلة والعفاف؟ وكيف يدعون إلى الرذيلة ولا يخجلون وندعو إلى الفضيلة ونخجل؟ وكيف نعالج مشاكلنا إذا صمتنا؟ وهل نأمن من انجراف الناس نحو الرذيلة إذا لم يجدوا إشباعهم في الفضيلة؟ كل هذه أسباب كافية لإنزال الأمور منازلها والوقوف في المنطقة الوسط.

ختاما

سعدت بك أخي القارئ في هذه الرحلة التي تنقلنا فيها سويا بين جملة من القضايا المتفرقة التي يجمعها خيط تحقيق الفضيلة والبعد عن الرذيلة، وأرجو ألا تكون هذه الأفكار التي قرأتها حبيسة ذهنك، بل اجعلها تتجاوز فتخرج في فعلك وتطبيقك، ونشرك وحديثك، والله أعلم وأحكم.

خالد بن حامد القرني

تم بحمد الله في الثامنة صباحا من يوم الخميس

الثامن عشر من ذي القعدة لعام إحدى وأربعين بعد الأربع مائة والألف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رؤى (19) الغريزة المظلومة

[19] الغريزة المظلومة   ركب الله تبارك وتعالى في البشر جملة من الغرائز أبرزها غريزة النكاح، تجري فيهم جريان الدم في العروق، وجعل الله ...