الأحد، 12 أبريل 2026

نافذة الاستشارات (13) | توجيهات لأعضاء اللجنة العلمية

 

نافذة الاستشارات (13) | توجيهات لأعضاء اللجنة العلمية

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن فريق عمل في لجنة علمية تابعة لأحد الجمعيات الدعوية، ويقوم عملنا على رعاية طلاب العلم من خلال تنسيق البرامج المعينة لهم على التحصيل، فما هي النصائح والمقترحات التي تفيدنا بها مشكورا؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله ومرحبا بكم..

الحمد لله، وبعد: فإن من نعمة الله عليكم أن وفقكم للعمل في هذه الثغرة من ثغور الإسلام، فخدمة الدين شرف وسبب لتحصيل الأجور لمن احتسب، كما أن من توفيق الله للعبد أن يسأل قبل أن يعمل، وأن يتعلم قبل أن يمارس حتى يصيب الحق بإذن الله تعالى، ويسرني أن أسوق لكم جملة من التوجيهات:

1)     أذكّر بأهمية إخلاص النية لله عز وجل في هذا العمل العظيم واحتساب الأجر فيه، وكم هي الخسارة الواقعة لعضو ينضم لهذه اللجنة ويعمل فيها ويبذل ويقضي الساعات الطوال ثم لا يخرج من ذلك إلا بثناء عابر أو شهادة شكر!

2)     أهمية استشعار مسؤولية العمل الذي تمارسونه، فأنتم من حيث شعرتم أو لم تشعروا تشاركون في رسم الواقع العلمي وتؤثرون على الساحة العلمية، فالكتاب الذي تختارونه يتوجه الشيخ لتدريسه، وينشغل الطالب بضبطه، وكثيرا ما يستجيب لكم المشايخ والطلاب دون أن يسألوكم أو يناقشوكم، فقراراتكم وأفكاركم تتحول إلى واقع عملي، وهذا يدفعكم لمزيد من الحرص وبذل غاية الجهد.

3)     يشترط في أعضاء اللجنة أن يكونوا طلاب علم وأصحاب هم، فإذا لم يكونوا طلاب علم تحدثوا فيما يجهلون، وكان جهلهم حاكما على المشايخ وطلاب العلم، وإن لم يكونوا أصحاب هم كان وجودهم وغيابهم سواء، بل لهم أثر كبير في الضعف والفتور، لأن الواحد منهم يبحث عن أسهل وأسرع عمل يؤديه ثم يمضي، كما أنه يُحدث خلافات مع أصحاب الهم، فبدلا من أن تنشغل اللجنة بالعمل تنشغل بالخلافات في العمل!

4)     من الضروري أن يدخل المشايخ في هذه اللجنة، فإن اعتذروا فيُستشارون باستمرار ويستفاد من آرائهم وخبراتهم.

5)     أقترح أن يُقسّم أعضاء اللجنة إلى قسمين: فريق تخطيط، وفريق تنفيذ، ويُعطى كل أحد ما يقدر عليه، فمن يميل إلى التفكير والتخطيط يكون في الفريق الأول، ومن يحب العمل وليس عنده قدرة على الرأي فيكون في الثاني، ولا مانع من تعاون الفريقين أحيانا، لكن الأصل أن يقوم كل فريق بمهمته.

6)     جعل اجتماعات اللجنة على قسمين: اجتماعات تخطيط، واجتماعات تنفيذ، الأولى لرسم الرؤية والأهداف، والثانية للاتفاق على البرامج التفصيلية، وغياب الأولى يجعل العمل متناثر وغير منهجي.

7)     مما ينضج عملكم وجود قالب ثابت لبرامج اللجنة، يُصنع بعناية واحترافية ويُستشار فيه المتخصصون، ثم يُنتقل بعد ذلك للتخطيط عليه، وهذا القالب يرتقي بالعمل فيكون عملكم منهجيا، كما أن من مزاياه أيضا: توفير الوقت، فيكون الهم فقط في تعبئة فروع النموذج بأفضل الخيارات الممكنة، أما العمل بدونه فسيكون مبعثرا مشتتا.

ومن باب الفائدة سأرفق لكم نموذجا مقترحا يناسب اللجان العلمية، وفكرته تقوم على أن برامج اللجنة ثلاثة أقسام: (جذور، وفروع، وثمار)، فالجذور هي البرامج الرئيسية للجنة، والتي تساهم في تأسيس طلاب العلم ولا ينبغي التخلي عنها، وهي خمسة: الدروس، والحفظ، والقراءة، والتلخيص، والمنهجية، وهذه الخمس في الجانبين العلمي والإيماني، فيكون هناك دروس علمية ودروس إيمانية، وحفظ علمي وحفظ إيماني، وقراءة علمية وقراءة إيمانية، وتلخيص علمي وتلخيص إيماني، ومنهجية علمية ومنهجية إيمانية.

ثم الفروع وهي البرامج الأقل أثرا وهي أربعة: الأيام العلمية، والدورات العلمية، والدورات المهارية، واللقاءات التخصصية، فتكون العناية بها بعد العناية بالجذور، والأيام العلمية هي التي يشرح فيها متن كامل في يوم واحد، والدورات العلمية هي التي يشرح فيها كتاب أو أكثر ليومين فأكثر، والدورات المهارية تعتني بتأهيل طلاب العلم في المهارات الحياتية العامة أو المهارات العلمية الخاصة، واللقاءات التخصصية لمناقشة الموضوعات الدقيقة في مختلف التخصصات الشرعية.

 وأما قسم الثمار فيكون فيه رعاية طلاب العلم، فبرامج اللجنة ليست مجرد دروس تقدم في المساجد وينتهي دورها، وإنما تقترب من طلاب العلم وتعتني بهم وتنظر في مدى تحقق أثر هذه البرامج عليهم، والمقترح أن تكون الرعاية على ثلاث مسارات: مسار المتابعة، ومسار مجالس المراجعة، ومسار الرحلات العلمية، ففي المتابعة يحدد مشايخ للنظر في أحوال طلاب العلم ومدى تقدمهم في مختلف البرامج العلمية، وفي الثاني تعقد مجالس لمراجعة ما تم تحصيله، فلا تقتصر المجالس على التدريس الجديد، وإنما نضع مجالس لمراجعة ما تم دراسته، وفي الثالث نُكرّم طلاب العلم برحلات علمية إلى أهل العلم ليستمتعوا، ويتذوقوا طعم الرحلة في الطلب، وليتحقق لهم معايشة أهل العلم.

8)     تذكروا أن هناك مؤسسات ولجان علمية لها خبرات كبيرة في تنسيق الدروس والدورات ورعاية طلاب العلم، اجعلوا من ضمن خطتكم ترتيب زيارات دورية لهم فهي تثريكم وتختصر لكم الطريق، مع التأكيد على اختيار ما يناسب بيئتكم من تلك الخبرات، فليست جميعا قابلة للنقل والتطبيق.

9)     أهمية التأصيل على نار هادئة، فكثير من المشتغلين برعاية طلاب العلم يحبون أن يروا ثمرات عملهم سريعا، فيدفعهم هذا للاستعجال في التأصيل فلا يصلون إلى ما يتمنون، وهذا من الإشكالات الكبيرة في الساحة العلمية، ومن أسبابه أيضا: أن الشيخ الذي يضع المنهجية يقيسها على مستواه الحالي، لا على قدرات الطلاب وإمكاناتهم، ولذا من المفيد أحيانا زيادة أوقات البرامج على ما يقترحه المشايخ.

10) مما ينفع كثيرا استضافة المشايخ المتقنين المغمورين، لأننا بحاجة إلى تدريس كثير، ومشاهير المشايخ لا يعطوننا إلا قليلا من أوقاتهم، فإذا أوقفنا برامجنا عليهم خسرنا كثيرا، وكم يؤلمني تعلق المنسق بمشاهير المشايخ وتجاهله للمغمورين المتقنين!

11)  من الضروري العناية بالجانب الإعلامي من خلال تصوير الدروس ومنتجتها ونشرها، ويتأكد هذا في حق المتقنين، وفي حق الذين ليس عندهم طلاب يخدمونهم ويسجلون دروسهم، وهذا الأمر يُكلّف أموالا كبيرة لكن نفعه باق بإذن الله تعالى فلا نفرط فيه.

12)  حاجتنا للبرامج العلمية التي تعتني بطالبات العلم ماسة، لأننا بحاجة نساء يدرسن النساء، وهذه البرامج تصنع وفق احتياجاتهن وبما يناسب ظروفهن.

13)  سترتقون إذا كانت عندكم متابعة مستمرة للواقع العلمي والاستفادة من البرامج المميزة فيه، وتدارك ما يقع فيه من قصور وخلل.

14)  ضرورة فتح حلقات لحفظ المتون كما نفتح حلقات لحفظ القرآن والسنة، وذلك لأن العناية بحفظ المتون قلّ في السنوات الأخيرة، وهذا من أسباب ضعف طلاب العلم.

15)  من أخطاء اللجان العلمية:

o   السرعة في اختيار البرامج وتنفيذها بحثا عن العمل الأيسر والأسرع.

o   تنسيق البرامج التي تناسب الواضع لها، فالمنسق ينسق لنفسه لا لطلاب العلم واحتياجاتهم.

o   إسناد التنسيق لمن لا يتقن مهاراته!

o   جعل غالب البرامج العلمية لأحد المستويات الثلاث وإهمال المستويين الباقيين، فتكون غالب البرامج للمبتدئين أو للمتقدمين!

o   انكباب غالب البرامج على فن أو فنين وترك ما سواها من الفنون.

o   التعامل مع المشايخ تعاملا جافا وغياب المودة، فللخلق أثره في كل شيء ومن ذلك تنسيق البرامج العلمية، وأنت بخلقك تأخذ من الشيخ أكثر مما تريد، وبسوء خلقك أو تعاملك البارد لا تأخذ حتى ما تريد.

16) من الأفكار المهمة تنسيق مجالس للمدارسة وإحياءها بين طلاب العلم، فكثير منهم لا يعرفها أو يطبقها بطريقة خاطئة.

17)  من الضرورات التي لا ينبغي تجاوزها: إقامة برنامج تأصيلي لمدة سنتين أو ثلاث، على شكل درس أسبوعي، ويكرر باستمرار دون توقف، وذلك لأنه القاعدة التي تصنع لنا طلاب العلم سنويا، ولما غاب هذا النوع من البرامج تورط الراغبون في العلم الذين يدخلون إليه سنويا، وأنبه أن التأصيل على طريقة الدورات والأيام العلمية فكرة غير موفقة، لأنها تقوم على السرعة، والعلم لا ينال إلا على مكث.

18)  قلة الحضور من أكثر الأمور التي تؤرق المنسقين وتضعف جهودهم، والذي ينبغي إدراكه أن الحضور في المناشط العلمية لا يصح مقارنته بالحضور في البرامج الدعوية، لأنه لا يقبل على العلم إلا قليل، وهذه سنة العلم، ولا تربكنكم صور الحضور في بعض الدورات العلمية فإنها استثناء، فالأصل أن الحضور قليل، وإذا كنا في زمن تشتد فيه الفتن فإن الحضور سيكون أقل، لأن الناس ينصرفون إلى الفتن وينشغلون بالدنيا، فإذا لم نفهم هذا ونقتنع به كان من أسباب إحباطنا وتوقفنا، والموفق من يثبت أيام الشدة كما يثبت أيام الرخاء، والموفق من يُعلّق نفسه بالأجر والثواب لا أعداد الناس، والموفق من يرجو المساهمة في إخراج علماء وبذل الجهد في صناعتهم.

19)  ستواجهون مشايخ متحمسين للعمل والبذل، يمتازون بالمبادرة، احذروا كل الحذر من إعاقتهم بحجة النظام! فالنظام في حقيقته يستوعب الجميع، والقائد الذكي يفتح المسارات ولا يعطّل منها شيئا.

20)  أختم بنقطة أرى أنها من أهم النقاط التي ينبغي أن نستوعبها كعاملين في اللجان العلمية، وهي أن سنة العلم أنه لا ينال إلا على مكث، وأن فكرة السرعة أجنبية عنه، وقد جاءت فكرة الدورات العلمية في زماننا لحاجة محددة، ثم تحولت مع الأيام لتكون هي الأصل في التحصيل وهذا خلل كبير، وقد فصّلت الحديث حول الدورات العلمية في مقال: "مفتاح الدورات العلمية"، ولذا نحتاج أن نصبّر أنفسنا على التأصيل على نار هادئة، والداعي لذلك أمور:

o    أولها: حاجة طلاب العلم لرؤية النموذج الناضج للتحصيل، فطالب العلم يستقي فهمه وتصوراته عن العلم من خلال البرامج التي يحضّرها، فإذا كانت أغلبها قائمة على السرعة فسيكتسب تصورات مغلوطة ويظن أن العلم يُحصّل بسرعة، حتى ولو نصحناه بالتأني، لأن الفعل أبلغ من القول، ومن أكثر الأقوال غرابة ما سمعته من بعض المشايخ عندما قال: أنا أشرح الكتب للطلاب بشكل سريع وأجرد المسائل، ثم أوصيهم بأن يعودوا ويضبطوا الكتب على تأني!! كيف سيعمل الطالب بهذه الوصية التي لم يرى لها نموذجا في واقعه؟!!

o   وثانيها: أن العلم طويل، والفنون كثيرة، والكتب لا منتهى لها، وطالب العلم بحاجة أن يأخذ أكبر قدر من العلم زمن التحصيل.

o   وثالثها: ندرة الدروس التأصيلية اليوم، التي تُؤصّل فيها المسائل مسألة مسألة.

o   ورابعها: أن العلم لا يرسخ في القلب إلا بإدخاله شيئا فشيئا، فإن فقدنا التأني لم يدخل منه شيء، فمثلا هناك فرق كبير بين دراسة المتن في يوم علمي، وبين دراسته في درس أسبوعي، فالدرس يُجزّأ المسائل ويجعل بينها فاصل من الوقت لفهمها ومراجعتها وإتقانها، بخلاف اليوم العلمي فإنه يسردها مرة واحدة، ولا يستطيع الطالب بعد ذلك أن يضبط الكتاب كاملا، كما أن من مزايا الدروس أنها تحفّز الطالب على التحصيل بشكل دائم، لكن إذا حضر يوما علميا ثم ذهب من أين يجد التحفيز؟

هذا ما تيسر إيراده، والله اسأل أن يوفقكم في عملكم، والله أعلم وأحكم. 


رابط المنهجية

https://drive.google.com/file/d/1JL8C5A_ceWWxM6lQR6NO5Fi6ROe0HBa0/view?usp=sharing

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سلسلة الأوراق العلمية [4] | مقاصد السور

بسم الله الرحمن الرحيم  سلسلة الأوراق العلمية [4] مقاصد السور من أجل ما يعين على تدبر القرآن معرفة مقاصد السور، ومن الجهود المباركة في هذا...