الأحد، 5 أبريل 2026

لفتة (50) التربية على الجدية

 

[٥٠]

التربية على الجدية

الجمعة ١٤٤٧/١٠/١٥

ينقسم الناس في الجدية إلى قسمين: الجادون اختيارا، والجادون اضطرارا، فأصحاب القسم الأول هم أصحاب الجدية الأصلية، الذين تكون الجدية لهم سمة وصبغة، فهم جادون في جميع أحوالهم، أما أصحاب القسم الثاني فهم الذين يتكلفون الجدية للوصول إلى أهدف معينة، فتجد الموظف يتكلف الجدية أول الأسبوع، ثم ينفلت آخر الأسبوع وفي الإجازات، وتجد الرجل مع أهله يتكلف الجدية في المناسبات ثم ينفلت في غيرها، وتُصدم بالعبث الذي يقع فيه بعضهم على الرغم ما رأيت من جديته في بعض الأحوال، لكنها جدية مصطنعة! ومقصد هذا التقسيم فهم أحوال النفوس أولا، ثم تذكير أصحاب القدرات بالانتقال من الثاني إلى الأول، أما غير القادر وغير الراغب فيبقى عليها ولا بأس، فجديته في جزء من حياته خير من انعدامها مطلقا.

والناس في الجدية أيضا ينقسمون من حيث تقييم أنفسهم إلى قسمين: قسم يقيّم نفسه من خلال الآخرين، وقسم يقيم نفسه من خلال نفسه، فالأول يرضى عن نفسه إذا رضي الناس عنه، ويسقط عليها إذا سخطوا، أما الثاني فدوافعه داخلية، يقيّم نفسه بتجرد ثم يرضى عنها ولو سخط الناس ويسخط عنها ولو رضي الناس.

الجدية على درجات، والمتأمل في نفسه يجد أن جديته اليوم أحسن من جديته العام الماضي، وستكون جديته العام القادم أفضل إذا واصل العمل والاجتهاد، فهي ليست على درجة واحدة بين الناس ولا في حال الإنسان نفسه، والموفق يسعى للترقي في هذه الدرجات بالاستعانة بالله أولا، ثم مجاهدة نفسه ثانيا، والنفس تحتاج إلى تربية كتربية الطفل، فتأخذها شيئا فشيئا وتدربها حتى تصل إلى مرادك، وإذا وصلت حافظت على هذه التربية حتى لا تذهب.

الجدية صعبة ولا يصبر عليها إلا أصحاب الهمم العالية، وهم درجات، فمنهم من يصبر على الجدية في باب واحد، ومنهم من يصبر عليها في بابين، فرجل يصبر على الجدية في التعبد فحسب، وآخر يصبر على الجدية في التعبد والوظيفة، وثالث يصبر على الجدية في التعبد والوظيفة والأسرة وهكذا، والعظماء هم أصحاب الشخصيات المتكاملة الذين يتعبون في كل جانب ويظهرون جديتهم فيه.

الجدية ليس لها منتهى، فصحابها يبدأ أول الأمر بالعناية بالكليات، ثم ما حولها، حتى تصل عنايته إلى تفاصيل التفاصيل، ومن رآه تعجب من همته، ويزداد عجبه إذا رآه في المرحلة الأخيرة التي يعتني فيها بتفاصيل التفاصيل، فهو يرى لوحة في غاية الإتقان.

يسأل من لم يُفتح له في الجدية عن السر الدافع لها في نفوس الجادين؟ والجواب:

أولا: استشعار محبة الله للمؤمن القوي والإتقان في العمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ).

ثانيا: بحث الجاد عن السعادة التي هي قرينة العمل، أما الملل فقرين الكسل، ولذا تجد الجاد سعيدا لأنه يحقق أهدافه، ويغتنم وقته، ويحقق كل ما يريد، وفوق ذلك يجد من الوقت للراحة ما يجده غيره، بل يذوق للراحة طعما لا يذوقه غير الجاد فتأمل!

سؤال اللفتة: هل أبصرت طريق تربية نفسك على الجدية؟

اللهم اهدنا وسددنا..

لفتة (50) التربية على الجدية

  [٥٠] التربية على الجدية الجمعة ١٤٤٧/١٠/١٥ ينقسم الناس في الجدية إلى قسمين: الجادون اختيارا، والجادون اضطرارا، فأصحاب القسم الأول ه...